26- التعددية
الفكرية والسياسية (الأحزاب):-
-قال الله
تعالى:-
(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ
النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)
إن الشورى وحرية
الرأي والتعبير عنه التي جعلت وجود آراء وأفكار مختلفة رأيناها في موقف غزوة بدر وأحد
مثلاً، ووجود حرية رأي وتعبير وحريات سياسية لهي أهم أسباب وجود تعددية واتجاهات
فكرية مختلفة وأكدنا عليها وعلى وجوبها وأهميتها في شرح نقطة (الشورى). فلم يمنع الفكر
الإسلامي أصحاب الرأي والاختلاف من التعبير عن رأيهم من أجل الوصول للصواب بل أكد
على هذا بالشورى والجدال والحوار والاختلاف. فالخلاف بالرأي يعطي قوة للفكر
والمجموعة والدولة.
-قال الله
تعالى:-
(وَلَوْلَا
دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ).
والدفع هنا مقصود
به الاختلاف بالرأي لتستقر الأرض وشعوبها على الأمور الصحيحة والوصول إلى أصح الآراء
بالاختلاف والنقاش على ما نختلف عليه بالعمل الجماعي وتعاصف الأفكار.
(لَّسْتَ
عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ).
أي لا يحق
لأحد أن يسيطر على فكر وآراء أي فرد مهما كان.
-قال النبي
صلى الله عليه وسلم:-
(ما خاب
رأياً لجماعة).
والجماعة
هنا ليست لعصبة واحدة وإنما للحوار والنقاش لأكثر من فرد وجدالهم على أمر واحد ومن
المعروف حالياً أن رأي الفرد نسبة خطئه أكثر بكثير من رأي مجموعة تحاورت في الأمر
وأبدعت كثيراً نتيجة للعمل الجماعي وتعاصف العقول والأفكار المختلفة.
ونجد أنه في
التاريخ الإسلامي أفكار مختلفة وتعددات فكرية أدت لتواجد تنظيمات وتكوينات سياسية
وحركات معارضة كالإسماعلية والباطنية والقرامطة هذا فضلاً عن الحركة العباسية ضد
الدولة الأموية والتي انتهت بإسقاط الخلافة الأموية وقيام الدولة العباسية ومن
قبلها حزب أتباع علي بن أبي طالب وحزب أتباع معاوية بن أبي سفيان ومن قبلها معارضة
بلال ومجموعته لعمر بن الخطاب في معضلة أرض العراق وقبلها اجتماع السقيفة ووجود
مجموعتين بأفكار مختلفة ثم اتفاق لمصلحة الدولة والأمة. فكلها كانت أشبه بمجموعات
حزبية وأفكار مختلفة يفيد تعددها الدولة ومصلحة الأمة.
فبوجود آراء
مختلفة وحرية التعبير والاعتراض والاختلاف ووجوب الاستماع للمعارضين تجعل وجود
مؤيدين ومعارضين وبالتالي مجموعات لكلاً منها رأيها ومرجعيات وأفكار مختلفة فتتولد
أحزاب بالمفاهيم الحديثة يريد كل منها أن ينفذ فكره ويصل به إلى الحكم. ويكون هذا
كله لمصلحة الدولة فكل منهم سيحاول تقديم أفكاره وإقناع الشعب بها وسيؤدي في
النهاية لإثراء الدولة وإصلاحها ونتاج تعاصف العقول هذا يصبح لدينا أكبر قدر من
الأفكار بأقل نسبة خطأ.
والفكرة في
حرية الرأي والتعبير والمعارضة وتكوين الأحزاب هي الاعتراض على الخطأ والمراقبة
وتقويم الحكومة وليس المعارضة الثابتة على طول الخط على أي شيء بل تكون معارضة بناءه.
والأحزاب فكرة جيدة لتجميع الأفكار والمعارضة الباءة والمراقبة ولا تخالف فلفة
الفكر الإسلامي في إظهار حرية الرأي والتعبير والاعتراض طالما لا تفرق الأمة.
بل وتجعل
التعددية من الحاكم ونظامه غير متجمد ومرن في الاستماع إلى الآخرين والعمل المستمر
بمشاريع جديدة مما يساعد على إثراء الفكر في الدولة والعمل الجماعي الذي يصب في
صالح الشعب والأمة في النهاية.
وبالطبع
لوجود اتجاهات فكرية مختلفة واعتراضات وآراء مختلفة سيولد هذا وجود آراء سياسية واقتصادية
مختلفة وأيدولوجيات ليتجمع كل مجموعة بفكرها في حزب يمارس السياسة أو جمعية فكرية
أو رابطة اجتماعية أو أي شكل من أشكال المجتمع المدني وهيئاته التي يكون لها فكرها
الخاص. وتكوين هذه التكتلات من صميم الفكر الإسلامي وليست مخالفة له. وأن لكل
مجموعة وفرد حرية تكوينها على أسس قانونية دون عنصرية على أي أساس دين أو مذهبي أو
طائفي أو جنسي.
ومع محاولة
كل حزب أو تكتل حزبي سياسي أن يتصيد الأخطاء بمراقبة من هو بالسلطة من أجل الايقاع
السياسي به للوصول للسلطة بديلاً عنه ويقدم للشعب برنامج ورؤية بديلة ومختلفة،
يجعل من هو بالسلطة يعمل بكل طاقته على أسس سليمة لا يورب عنها ويجعل من كل حزب
محاولاً أن يقدم أفكار جديدة للدولة فتكون الفائدة في النهاية للشعب ولبناء حضارة
الدولة. هذا غير عدم تمركز السلطة في يد فرد أو جماعة أو أسرة أو حزب فترة طويلة
وضمان تداول السلطة لضمان تطبيق الديمقراطية والمدنية.
ووجود رقابة
متبادلة بين السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية ومؤسسات المجتمع المدني
والأحزاب يثري الحياة السياسية والاقتصادية بالأفكار وأيضاً يجبر كل طرف على العمل
من أجل الصالح العام ويعمل من بالسلطة على تحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع
العادل للثروة والمساواة وتطبيق مبادئ الفكر الإسلامي على أكمل وجه ويقوم بمحاربة
أي نوع من أنواع الفساد المالي والإداري من أجل البقاء في السلطة.
وبالطبع اشتراك
الشعب بالأحزاب السياسية والمؤسسات المدنية يعني توجيه المجتمع المدني للمجتمع
السياسي ومراقبته ودفع الحكومة للعمل لصالح الوطن.
فتكون
التعددية الفكرية والحزبية أفضل ضابط من ضوابط التوزيع العادل وتحقيق العدالة الاجتماعية
وتجعل من أصوات الشعب وطلباته تصعد من أسفل إلى أعلى من الشعب صاحب السلطة إلى
الحكومة أداة التنفيذ وليس العكس.
وهنا قال
الكواكبي معرفاً الأحزاب بالجمعيات السياسية:-
(إن التخلص
من الاستبداد السياسي لا يأتي إلا عن طريق يقظة لعقلية الأمة عن طريق الدين... ولكن
تلك اليقظة لا تأتي إلا بعد مضي مدة من الزمن قد تكون أطول من عمر الإنسان
الواحد... لذلك يجب ربط جهاد الآباء بالأبناء في الجهاد السياسي عن طريق الجمعيات
السياسية).
(إن هذه
الجمعيات المنتظمة يتسنى لها الثبات على مشروعها طويلاً حتى يتحقق وهذا هو سر ما
ورد في الثر من أن -يد الله مع الجماعة- وهو سر كون الجمعيات تقوم بالعظائم وتأتي
بالعجائب).
فالأحزاب هي
التطبيق الأمثل للشورى وحرية الرأي والتعبير وضمان تطبيقها وضمان حقوق الشعب
بالمراقبة وتعاطي أفراد الأمة في العمل السياسي عن طريقها.
ولابد من
ضمان حرية تكوينها دون تقويض أو رقابة على أن يكون تكوين الأحزاب خاضع للدستور
والقانون. فمع حرية تكوينها إلا إنها لا تكون ذات أفكار أو ممارسات متطرفة ولا تضر
بالحياة السياسية.
-ويتلخص
دورها في:-
1- التوعية
السياسية للشعب.
2- تهيئة
العمل السياسي للشعب.
3- مراقبة
الحكومة.
4- العمل الاجتماعي.
5- تجميع
الأفكار والآراء في كيان واحد للتعبير عنها.
ويتضح أيضاً
دور الإعلام في الدولة والرأي العام لدعم التعددية الفكرية ودعم حرية الرأي
والتعبير والمعارضة وتوعية الشعب بمجريات الأمور. وسنأتي لدورها بالتفصيل في باب
الحياة الثقافية والعلمية.
حلو الكلام ديمقراطية الاسلام ذات الميزات المتعدده
ردحذفشكرا لحضرتك
حذف