25- طاعة
الحاكم ومواجهته ومحاسبته ومحاكمته إن أخطأ وعزل الولاة:-
-قال الله
تعالى:-
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن
تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ
خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)
(وَأَوْفُوا
بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ
تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ
يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)
(وَاحْفَظُوا
أَيْمَانَكُمْ ۚ)
-قال النبي
صلى الله عليه وسلم:-
(اسمعوا
وأطيعوا وإن أستعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة).
(يا أيها
الناس اتقوا الله وإن تأمر عليكم عبد حبشي مجدع فأسمعوا له وأطيعوا ما أقام لكم
كتاب الله).
(...ولو
أستعمل عليكم عبد حبشي يقودكم بكتاب الله فأسمعوا له وأطيعوا).
(الدين
النصيحة ثلاثاً قلنا لمن يا رسول الله قال لله عز وجل ولكتابه ولرسوله ولأمة
المسلمين وعامتهم).
(السمع
والطاعة حق على المرء المسلم فيما أحب وكره مالم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا
سمع ولا طاعة).
(لا طاعة
لأحد في معصية الله أما الطاعة في المعروف).
(لا طاعة
لمخلوق في معصية الخالق).
(إنما
الطاعة في المعروف).
(من جاء في
أمرنا هذا بما ليس منه رد).
(السمع
والطاعة على المرء المسلم فيما أحب أو أكره مالم يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة).
وهذا تأكيد
من الرسول على أنه الحاكم بشر يحكم من خلال فكره وضرورة مراجعته وعدم الطاعة
العمياء حتى في الدين بل بالتفكير والاقتناع بكل شيء.
وفي البيعة
الأولى قال الله تعالى:-
(يَا
أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا
يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ
أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ
وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ۙ
فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
وفي البيعة
الثانية بايع المسلمين النبي عند تأسيس الدولة بالمدينة:-
(على السمع والطاعة
في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
وأن تقولوا في الله، لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا
قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبنائكم، ولكم الجنة).
قال أبو بكر
عندما تولى الخلافة:-
(إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتم في خيراً
فأعينوني، وإن رأيتم في اعوجاجاً فقوموني،. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت
الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم).
(إن أحسنت فأعينوني، إن أسأت فقوموني فيقال له: إن أسأت
قومناك بسيوفنا).
لحق الخروج على الحاكم إن خالف أمر الله والعقد بينه
وبين الشعب.
قال عمر بن
الخطاب:-
(إذا ملت برأسي هكذا وهكذا. فيقال له: إذن نميل بسيوفنا
هكذا وهكذا).
للتأكيد على
حق الشعب في تقويم الحاكم إذا مال عن الحق.
وقال عمر بن
الخطاب لولاته:-
(إن أرسلت
لكم أمراً يخالف الحق فأضربوا به الأرض واستمسكوا بالحق وحده).
لعدم الطاعة
العمياء للحكام بل بالتفكير في كل أمر إن كان مع الحق والعدل أو لا.
قال عبادة
بن الصامت:-
(بايعنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا
وأثره علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه
من الله برهان)
قال الإمام
مالك:-
(إنما أنا
بشر أخطئ وأصيب فأنظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق
الكتاب والسنة فتركوه).
من هنا نجد
أنه واجب على الشعب الطاعة للحاكم طالما أن الحاكم لا يخالف حكم كتاب الله وسنة رسوله في الأمور التي حددها الفكر
الإسلامي في التطبيق السياسي والاقتصادي أي العدل والمساواة والشورى وما إلى ذلك.
ولكن لا يعني هذا الطاعة العمياء دون تفكير ودون مراجعة للحاكم عن أفعاله وأخطائه
ومحاسبته. فإن جنح ولي الأمر أو الحاكم عن الطريق الصواب وأخطأ فبالنصيحة يهدى
للطريق الصائب ويكون هذا بالمراقبة والشورى والعمل السياسي وحرية الرأي والتعبير
والمعارضة وحق المساءلة والمراقبة والمحاسبة بقول الله. وإن لم يكن فيكون التغيير
بالقوة والثورة.
فالطاعة
ليست عمياء بل هي طاعة بالصواب والحق مع النقاش والجدال وإعمال العقل وعدم الطاعة
بالخطأ وما يخالف الله والفكر الإسلامي وبالتالي ما يخالف القانون والمبادئ
الإنسانية.
فالطاعة له
ليست مستقلة أو مطلقة وإنما قال الله تعالى:-
(يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي
الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ
وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ
خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)
ففي البداية
إطاعة أوامر الله والرسول وجاءت طاعة أولي الأمر بحرف عطف على الطاعة الأولى لله
وهي الأساس بطاعة تعاليم الله، والعودة إلى كتاب الله والرسول إن حدث خلاف، وإن
خالف أولي الأمر أوامر الله فلا طاعة لهم ووجب مراقبتهم ومحاسبتهم ومراجعتهم.
فطاعة أولي الأمر مرتبطة بطاعتهم لله.
وهنا يقول الإمام
محمد عبده:-
(أنه يجب
على الشعب تقويم الحاكم والتقويم هنا يكون بالنصيحة والإعذار والتوجيه إلى الطريق
الصحيح ولكن إن حاد الحاكم عن الصواب وابتعد عن الطريق السليم لمنهج الإسلام وزاد
في ظلمه وجوره أصبح التقويم هنا بالخلع والعزل إما بالحسنى والسياسة أو بالقوة).
فطاعة
الحاكم المخلوق تأتي بعد إطاعته لله الخالق في أحكامه وكتابه وطاعة الرسول المبلغ
بها وبسنته في الفكر الإسلامي، فإن كان الحاكم لا يطع الخالق ويأمر بالمعصية ويحيد
عن ما يأمر به الله بأحكامه فلا طاعة له عند المحكوم وقتها بقول النبي صلى الله
عليه وسلم:-
(لا طاعة
لمن عصا الله).
(لا طاعة
لمخلوق في معصية الخالق)
(من أمركم
من الولاة بمعصية فلا تطيعوه).
(من أرضى
سلطاناً بما يسخط ربه خرج من دين الله).
بل وجب
تخطيئه وتقويمه والخروج عليه إن لزم الأمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم:-
(سيد
الشهداء حمزة ورجل خرج لملك جائر قال له كلمة حق فقتله).
(أفضل الجهاد
كلمة حق عند سلطان جائر).
(إذا رأيتم
أمتي تهاب الظالم أن تقول له إنك ظالم فقد تودع منه).
(إنه يستعمل
عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضا وتابع.
قالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: لا ما أقام فيكم الصلاة).
ونوضح هنا
أن إقامة الصلاة لا تعني بالمعنى الحرفي الأمر بإقامة الصلاة وإنما بأحكام الله
كلها وعلى رأسها الصلاة لأن الصلاة ليست هي وحدها ما يقيم الإنسان عند الله وإنما
بمجمل تصرفاته الآتية من قيم الفكر الإسلامي. فإن كان الحاكم يأمر بإقامة الصلاة
ولا يقيم العدل والمساواة والعدالة الاجتماعية بين الناس فقد ابتعد عن الحكم بكتاب
الله وبهذا فقد خرج عن شروط الطاعة ووجب تقويمه بالحسنى فإن لم يصطلح فبالخروج
عليه وتنزع عنه شرعية حكمه من قبل الشعب لأنه خالف مبادئ الحكم بالمنهج الإسلامي.
وإيفاء عهد
الله في الآية يعني البيعة أو الانتخاب التي تمت على أساسه اختيار الحاكم، ويتم
الإيفاء بالعهد بالطاعة التي لا تعني الانصياع التام لأوامر الحاكم دون تفكير،
وإنما تعني دور الأمة والشعب في الدولة وهو العمل في مؤسسات الدولة بنية سليمة
وبغرض إقامة حضارة تقدمية ومساعدة الحاكم على تنفيذ مشروعات الدولة الحديثة طالما
أنه لم يخرج عن شروط المنهج الإسلامي التي حددها كتاب الله وسنة نبيه ومعارضته
ومخالفته ومحاسبته وتقويمه إن لزم الأمر.
فلا يكل
المواطن من استخدام حقوقه السياسية وحق المراقبة والمساءلة والمحاسبة للحكومة
والدولة ومراقبتها لتحقيق العقد الذي تم بناءً عليه انتخاب الحاكم. فحق المعارضة مكفول
للجميع، ومن ضمن الأمثلة معارضة الصحابة للنبي في موقف الخروج لقريش أو انتظارهم
بالمدينة في غزوة أحد. وقام كل فرد بالتعيير عن رأيه بحريه رغم معارضتهم لرأي
النبي الذي أراد البقاء بالمدينة والتحصن بها.
ونظام البيعة
نفسه والانتخابات الحديثة هو عهد وعقد بين الحاكم والمحكوم ببنود يلتزم الحاكم أن
ينفذها فإن لم ينفذها يكون العقد ملغي بحكم الشعب الذي هو الطرف الآخر في العقد
وصاحب الموافقة الأساسية لأنه صاحب السلطة كما وضحنا بنقاط (الشعب صاحب السلطة، الانتخاب
والبيعة).
-حث الفكر الإسلامي
على الخروج على الحاكم الظالم ومواجهته:-
-قال الله
تعالى:-
(قَالَ
آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُ
لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ۖ
فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ
فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ (71)
قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا
جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ
قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ
الدُّنْيَا (72))
حثاً على
مواجهة الحاكم الظالم والمخطئ دون خوف مهما كانت قوته وهيبته.
-قال النبي
صلى الله عليه وسلم:-
(إن الناس
إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده).
(إذا رأيت
أمتي تهاب الظالم أن تقول له أنت ظالم فقد تودع منها).
(من رأى
منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف
الإيمان).
(سيكون بعدي
أمراء يظلمون ويكذبون فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولا أنا منه
ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يمالئهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه).
(سيد
الشهداء حمزة ورجل قال كلمة حق لملك جائر فقتله).
(سيد
الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله).
(أحب الجهاد
إلى الله كلمة حق تقال للإمام جائر).
(سيكون
عليكم أئمة يملكون أرزاقكم يحدثونكم فيكذبونكم ويعملون فيسيئون العمل لا يرضون
منكم حتى تحسنوا قبيحهم وتصدقوا كذبهم فأعطوهم الحق ما رضوا فإذا تجاوزوا فمن قتل
على ذلك فهو شهيد).
(وأنا أشهد
الله تعالى على من وليته شيئاً قليلاً أو كثيراً من أمر المسلمين فلن يعدل فيهم أن
لا طاعة له وهو خليع مما وليته وقد برئت ذمم الذين معه من المسلمين وإيمانهم
وعهدهم فيستخيروا الله عند ذلك ثم يستعملوا عليهم أفضلهم في أنفسهم).
(لتأخذن على
يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً –تحملنه حملاً على الحق- أو ليضربن الله قلوب
بعضكم ببعض ثم تدعون فلا يستجاب لكم).
قال أبو بكر
الصديق:-
(إن أحسنت
فأعينوني، إن أسأت فقوموني فيقال له: إن أسأت قومناك بسيوفنا).
قول عمر بن
الخطاب:-
(إذا ملت برأسي هكذا وهكذا. فيقال له: إذن نميل بسيوفنا
هكذا وهكذا).
(إن أرسلت
لكم أمراً يخالف الحق فأضربوا به الأرض واستمسكوا بالحق وحده).
(أنهم إن لم
يجدوا فيمن ولوه عليهم الصلاح خلعوه).
(أي عامل
رغب عن الحق ولم يعمل بالكتاب والسنة فلا طاعة له عليكم وقد صيرت أمره إليكم حتى
يراجع الحق وهو ذميم).
فيوجب بهذا علينا
الثورة ضد الحاكم الظالم وتغييره بمن هو أفضل منه يراعي الله فينا ويطبق حكمه لأن
قول الحق للملك الجائر يكون بالقوة لأن جوره لن يجعله يتقبل النصيحة والتوجيه
بالحسنى. ويكون هذا بعد محاولات بالنصح والإرشاد بالحسنى علَه يرتجع أما إن لم
يرتجع فبالخروج عليه وبالقوة تسترد الحقوق ونقضي على الظلم وتولية من يرى فيه
الشعب الصلاح والنفع للأمة.
-فقال النبي
صلى الله عليه وسلم:-
(إن الله
يرضى لكم ثلاثاً ويسخط لكم ثلاثاً يرضى لكم أن تعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئاً
ولأن تعتصموا بحبل الله جميعاً وأن تناصحوا من ولاة الله أمركم).
(الدين
النصيحة ثلاثاً قيل لمن قال لله ولكتابه ولأئمة المسلمين ولعامتهم).
وفي مرض الرسول الذي قبض فيه قال عندما خرج على
الناس بين الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب:-
(أيها الناس
من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه ومن أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ
منه ولا يخشى الشحناء من قلبي فإنها ليست من شأني إلا أن أحبكم إلي من أخذ مني
حقاً إن كان له أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس ثم نزل فصلى الظهر ثم رجع إلى
المنبر فعاد إلى مقالته الأولى).
تدليلاً
وتشجيعاً على حق مراقبة ومحاسبة الحاكم مهما كان مقامه ومركزه وأن لا أحد يعلو على
أحد. فالمحاسبة أساس من أسس إقامة الدولة المدنية، وحق الشعب بالسلطة. فكلما كانت
المراجعة والمساءلة قوية لا يستطيع أحد الاستبداد بالسلطة، وتقل نسبة الخطأ ويمكن
تصحيح ما يحدث من قرارات غير صائبة وعدم تكرارها، فيفيد التطوير والتقدم بالدولة
ولا يحدث جمود أو انحدار فكري.
-أمثلة على
الطاعة والمساءلة وتخطيء الحاكم إن لزم الأمر ومراقبته:-
1- موقف
النبي عندما راجعه الحباب في اختياره لمكان غزوة بدر وقال له: يا رسول الله، أرأيتَ
هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي
والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا
رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله،
ثم نعورّ ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب
ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي، فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس،
فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقُلُب فعوّرت وبنى حوضًا
على القليب الذي نزل عليه فمُلئ ماءً، ثم قذفوا فيه الآنية.
دليل على حق
مساءلة الحاكم والدولة في قراراتهم من أجل العمل لجماعي والمشورة للوصول لأفضل
القرارات لصالح الدولة.
2- عندما
تولى أبو بكر قال كلمته الشهيرة (إن زغت فقوموني).
فعندما يطلب
الحاكم هذا الأمر فهو واجب على الشعب فعله فهي دعوة للنصح وتعديل فكره إن أخطأ
وإقرار منه على حق الشعب في محاسبة الحاكم وتقويمه.
ووقت حروب أبو بكر مع أهل الردة الذين ارتدوا عن دفع
الزكاة وكان رأيه محاربتهم لأنهم يقطعون مال الدولة وينفصلوا عن الدولة الحديثة،
وكان رأي عمر والبعض عدم محاربتهم لأنهم مسلمين. راجعوه في قراره ولم ينكر على أحد
رأيه حتى قال لهم (والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم
عليه) وأقنعهم بأن هذا تمزيق للأمة. تأكيداً على حق المساءلة ومراجعة قرارات
الحاكم وعدم الطاعة العمياء.
3- وخطب عمر بن الخطاب قائلاً:-
(فاتقوا
الله وأعينوني على أنفسكم بكفها عني وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر وإحضاري النصيحة فيما ولاني الله من أمركم...).
(فإن عصيت
الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم).
(ماذا
تقولون لو ملت برأسي إلى الدنيا هكذا؟ فيقف رجل وهو يلوح بزراعه: إذن نقول بالسيف
هذا. فيسأله عمر: إياي تعني بقولك. فيرد الرجل: نعم إياك أعني بقولي. فيفرح عمر
ويقول: رحمك الله والحمد لله الذي جعل فيكم من يقوم عوجي).
(فأيما رجل
كانت له حاجة، أو ظلم مظلمة، أو عتب علينا في خلق، فليؤذني –يعلمني- فإنما أنا رجل
منكم).
1- وعندما صعد المنبر وقال: اسمعوا يرحمكم الله. وقف سليمان
وقال: والله لا نسمع... والله لا نسمع. فقال عمر لم يا سليمان؟ فيجيب قائلاً: ميزت
نفسك علينا في الدنيا أعطيت كلاً منا بردة واحدة وأخذت أنت بردتين. فيجيل عمر بصره
ويسأل أين عبد الله بن عمر؟ فينهض ابنه ويقول: ها أنا ذا يا أمير المؤمنين.
فيسأله: من صاحب البردة الثانية؟ فيرد: أنا يا أمير المؤمنين. فيستطرد عمر قوله
مردفاً: إنني كما تعلمون رجل طوال ولقد جاءت بردتي قصيرة فأعطاني عبد الله بردته
فأطلت بها بردتي فيقول سليمان: الحمد لله... والآن قل نسمع ونطيع يا أمير المؤمنين.
والمقصد هنا
هو محاسبة الحاكم على كل شيء دون خوف وريبة وأن هذا من حق الشعب، وأن من حق كل فرد
معرفة المعلومات بالدولة ومساءلة الحاكم على أي شيء يراه. فالحاكم هنا موظف لدى
الشعب. وطالما يقيم العدل فله الطاعة وإن لم يفعل فلا طاعة له.
2- قول عمر بن الخطاب بعد أن ولي الخلافة:-
أيها الناس
من رأى منكم فيَ اعوجاجاً فليقومه. فقام بعض الحاضرين قائلاً: والله لو رأينا فيك اعوجاجاً
لقومناه بسيوفنا.
3- موقف عمر بن الخطاب بالمسجد حين أفتى في إحدى الأمور
الدينية فقامت امرأه وصوبت له حكمه فقال رضي الله عنه (أصابت امرأة وأخطأ عمر). وكان
الأمر فقهي وهذا هو عمر من كبار الصحابة ولم يمنع هذا المرأة من التصويب له وهذا
دليل على توجيه الحاكم للطريق الصحيح.
4- موقف عمر في توزيع أرض العراق على أهلها وعدم إعطائها
للفاتحين المسلمين فراجعه الصحابة وعلى رأسهم بلال بن رباح وعارضوه وظل يناقشهم ويستمع
لهم وهم يراجعوه حتى أقنعهم برأيه وقد ذكرنا الموقف بالتفصيل بنقطة الاستماع إلى
المعارضين بهذا الباب.
5- كان عمر بن الخطاب وهو أمير المؤمنين قام له أحد الرجال
وهو يخطب بالمسجد وقال له: اتق الله يا عمر وكررها. فقال رضي الله عنه: لا خير
فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها.
وهذا تدليل
على توجيه الشعب للحاكم في كل الأحوال إن أخطأ.
6- جاء إلى عمر أهل من العراق يشتكون أن واليه لا يخرج لهم إلا
ساعة بالنهار فأتى به وسأله عن هذا فقال له إني أرعى أمور الناس بالنهار وبالليل أصلي
ثم أغسل ثوبي وأنتظره حتى ينشف لأخرج لهم فأرعى مصالحهم.
وهذا
لمراجعة الولاة ومساعدين الحاكم وشكايتهم إن لم يؤدوا دورهم للدولة وخدمة الأمة. والشاهد
هنا طلب الناس عزل ولاتهم لأن هذا من حقهم إن كانوا لا يعلمون عنهم شيئاً أو تقديم
لهم النصح وتقويمهم.
7- في يوم كان مع (الجارود العبدي) فذا بامرأة تناديه
وتقول: رويدك يا عمر حتى أكلمك كلمات قليلة. وتكمل قائلة: يا عمر عهدي بك وأنت تسمي
عميراً تصارع الفتيان في سوق عكاظ فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر ثم لم تذهب الأيام
حتى سميت أمير المؤمنين فاتق الله في الرعية وأعلم أن من خاف الموت خشي الفوت.
فقال لها الجارودي: اجترأت على أمير المؤمنين. فجذبه عمر قائلاً: دعها فإنك لا
تعرفها هذه (خولة بنت حكيم) التي سمع الله قولها من فوق سبع سماوات وهي تجادل
الرسول في زوجها وتشتكي إلى الله فعمر والله حري أن يسمع كلامها.
تأكيدا على
ضرورة المعارضة للحاكم والتوجيه الدائم له.
11- وقال
عمر بن الخطاب للناس:-
(إنهم إن لم
يجدوا فيمن ولوه عليهم الصلاح خلعوه).
لحق الشعب
في خلع الولاة إن لم يجدوا منه الصلاح والمنفعة لهم في إدارة أمور الدولة.
12- موقف
القبطي مع ابن عمرو بن العاص عندما ضربه وذهب للخليفة عمر بن الخطاب يشتكي له، يدل
على تقويم الحكام وأبنائهم حتى لا يزيد الأمر إلى التطاول على الناس ورقابهم
واستعبادهم والاستبداد بهم، فالقانون هنا هو المساواة.
13- كان عمر
بن عبد العزيز يقول لأهل المدن:-
(أي عامل
رغب عن الحق ولم يعمل بالكتاب والسنة فلا طاعة له عليكم وقد صيرت أمره إليكم حتى
يراجع الحق وهو ذميم).
وهذا دليل
كافي على عزل الحاكم الذي خرج عن حكم الله والمنهج الإسلامي.
فنرى أن
بالممارسة السياسية يحق للشعب تداول المعلومات والمعرفة وعزل الولاة والحكام
ونوابهم في المجالس النيابية إذا وجدوهم لا يقومون بدورهم بطلب سحب الثقة منهم
وواجب على الدولة تنفيذ رأي الشعب بإعادة الانتخاب أو الاستفتاءات وقيمة مراقبة
الحكام وحرية الرأي والمعارضة وتقويم الحكام ونصحهم والخروج والثورة عليهم إن لم
يستجيبوا هي أساس القوة الشعبية وحفاظ الشعب عبى سلطته وعدم الاستبداد بهم.
ففكرة أن
الشعب مراقب على الحاكم ويكون الشعب عينه على الحاكم وتصرفاته ومحاسبته هي في
الأساس فكرة إسلامية فحتى لو حاول الحاكم ومساعديه محاولة الحيد عن الطريق الصحيح
وقف لهم الشعب ونوابهم بالمرصاد وقوموه فيجعلوه يسير على الطريق الصحيح وفي
النهاية الفائدة للأمة كلها فالشعب رقيب على الحاكم. ولابد من عدم إرضاء الحاكم بالاستماع
لما يأمر به إن كان جوراً وظلماً لأن من يفعل هذا فهو من الظلمة. فنهى الله عن
معاونة الظلمة لأن من عاونهم فهو منهم بقول الإمام الشافعي لساجنه: عندما سأله
أيكون من أعوان الظلمة؟ فقال: أنت من الظلمة فلولاك ما ظلموا.
فحتى في
الأمور الدينية لم يطلب الرسول من الناس السمع والطاعة العمياء بل قال صلى الله
عليه وسلم:-
(استفت قلبك،
البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في
الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك).
(ما نهيتكم
عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فآتوا منه ما استطعتم).
قال الإمام
مالك:-
(إنما أنا
بشر أخطئ وأصيب فأنظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق
الكتاب والسنة فتركوه).
فكل أمر وكل
قول لابد أن لا نطيعه دون تفكير حتى لو أمر ديني وحتى إذا كان قد خرج من النبي
بقوله عليه السلام.
وهذا يوجب
على أعوان الحاكم والشعب عدم طاعته طاعة مطلقة حتى لا يستبد ويزداد في جوره
بإطاعته في الأفعال الخاطئة وتؤدي إلى الهلاك والدمار والفساد فقال النبي صلى
الله عليه وسلم:-
(لا طاعة
لمخلوق في معصية الخالق).
فكانت هذه
أدلة أوردناها تدليلاً على ضرورة توجيه الحاكم ومحاسبته إن أخطأ حتى لو في حق أقل
شخص بالأمة. فيحق للمواطن مساءلة الدولة والحكومة ومحاسبة الحاكم بل والخروج والثورة
عليه إن ابتعد عن الحكم بكتاب الله وأحقية الشعب صاحب السلطة في هذا. فرغم أهمية
طاعة الحاكم الملزمة على الشعب طالما بالمصلحة العامة دون الخروج عن الشرع والقانون
والدستور إلا أن تقويمه ومعارضته والخروج عليه وعدم طاعته ملزم إن خرج عن الدستور
والشريعة فلا طاعة له هنا وتسقط شرعيته.
فلابد من
توجيه النصح للحاكم والحكومة والدولة ومراقبته ومحاسبته إن أخطأ لأن هذا لا يجعله
جامداً ونسبة أخطائه في الحكم قليلة، وإذا وجب الأمر الخروج عليه فلنفعل إن اشتد
ظلمه وجوره وخرج عن حكم الله كما وضحنا ونقد بيعته وانتخابه حتى لو بالثورة والقوة.
فعدم المحاسبة للحكام وعدم معارضتهم تفتح لهم باب الظلم والجور والاستبداد بالدولة
والسرقة لأنه لا يوجد من يحاسبهم، وبالتالي تبلد الشعب وصمته على الظلم. وهذا ما
يرفضه الفكر الإسلامي.
وإن عقود
البيعة والانتخاب ليست برابط على رقبة الشعب طالما خرج الحكام والنواب وأعضاء
الحكومة بسلطاتها عن الحكم بكتاب الله وعن منهج الفكر الإسلامي وأساسياته وقيمه.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:-
(العقد
شريعة المتعاقدين).
والانتخاب هو
عقد بين الشعب والحاكم على أمور تم التوافق عليها عند تقدمه للترشح فإن أخل بها
سقطت شرعيته وانتهى العقد بينهم كما وضحنا بنقطتي (الشعب مصدر السلطات، البيعة والانتخاب
بهذا الباب).
ويقول أحدهم
أن التغيير والثورة تؤدي إلى المشاكل والفوضى فمن المفترض أن نأخذ بأقل الضررين
ولكن أقول له بمنطقه أن نأخذ بأعلى الفائدتين وهي أن عزل حاكم جائر لا يطبق كلام
الله ومنهجه حتى لو حدث بعض الفوضى أفضل لأنه في النهاية سيحدث الأمان ويطبق منهج
الله وهذه هي الفائدة الأعلى ولننظر إلى الهدف الأسمى وهو الإصلاح وبناء الدولة
والحضارة.
والفكرة
تحوم حول الطاعة ولكن ليس بطريقة عمياء فنكون كالقطيع وسيكون هذا باباً لاستبداد
الحكام بالبلاد وظلم العباد إذا لم تكن سلطتهم مراقبة ويرفض الشعب ما هو خطأ في
قراراتهم، وحتى لا يحدث تفرقة بين الشعب ويستبد الحاكم بالناس ويجور عليهم فقال
الله تعالى:-
(إِنَّ
فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ
طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ
كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ(4))
فنؤكد بهذا
على ضرورة التفكير في قرارات الحكام وعدم الطاعة لهم دون تفكير في حديثهم حتى لا
يحدث تفرقة بين الناس ويستبد الحكام بالبلاد، فالنبي نفسه حث الناس على هذا بل وحث
على عدم طاعة الظلمة منهم وتغييرهم من أجل أن تظل الدولة برقابة شعبية قوية ولا
يقوى فيها ظالم على الناس. فيكفل الفكر الإسلامي بهذا حق المساءلة لكل فرد بالدولة
ومراجعة قرارات الحاكم والدولة، فالمحاسبة والمساءلة تجعل من الحكام والمسؤولين
يعملون بدقة وللصالح العام دون فساد ودون استبداد بالدولة ودون ظلم للناس، وتعمل
المحاسبة على المراجعة للأخطاء وتصحيحها وعدم الوقوع فيها مرة أخرى فلا يحدث
انهيار للدولة بسبب كثرة الأخطاء وعدم المراجعة والمحاسبة.
وبوجود
المحاسبة يوجد حق تداول المعلومات وحق المعرفة للشعوب كما رأينا بالأمثلة عندما صعد
عمر بن الخطاب إلى المنبر وقال: اسمعوا يرحمكم الله. وقف سليمان وقال: والله لا
نسمع... والله لا نسمع. فقال عمر لم يا سليمان؟ فيجيب قائلاً: ميزت نفسك علينا في
الدنيا أعطيت كلاً منا بردة واحدة وأخذت أنت بردتين. فيجيل عمر بصره ويسأل أين عبد
الله بن عمر؟ فينهض ابنه ويقول: ها أنا ذا يا أمير المؤمنين. فيسأله: من صاحب
البردة الثانية؟ فيرد: أنا يا أمير المؤمنين. فيستطرد عمر قوله مردفاً: إنني كما
تعلمون رجل طوال ولقد جاءت بردتي قصيرة فأعطاني عبد الله بردته فأطلت بها بردتي
فيقول سليمان: الحمد لله... والآن قل نسمع ونطيع يا أمير المؤمنين.
والمقصد هنا
هو محاسبة الحاكم على كل شيء دون خوف وريبة وأن هذا من حق الشعب، وأن من حق كل فرد
معرفة المعلومات وتداولها بشفافية وصدق ومساءلة
الحاكم على أي شيء يراه. فالحاكم هنا موظف لدى الشعب. وطالما يقيم العدل فله
الطاعة وإن لم يفعل فلا طاعة له.
فلولا وجود
المحاسبة والمساءلة لن توجد المسؤولية، فلا أحد فوق المحاسبة مهما كان. فإن كان
المحاسبة والمراجعة لقرارات الحكام موجودة سيتحرى كلاً منهم قراراته وأفعاله حتى
لا يقع في الخطأ ويحاسب عليه. أما إن لم تكن موجودة سيتعامل الحكام مع الدول
والشعوب أنهم ملكه وأنه فوق المساءلة مهما فعل، ويستبد بالدولة والشعب. فلا بد من
وجود المحاسبة والمراقبة لصلاح الحكام والدولة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكراً لتعليقكم