فلسفة الفكر الاسلامي 23 (الاستماع إلى المعارضة والحوار)

 

 


24- الاستماع إلى المعارضين والمخالفين في الرأي وأهمية الحوار والتوافق من أجل مصلحة الدولة وعدم تشويههم:-

 

-قال الله تعالى:-

(ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).

وهذا من أجل إرساء مبدأ الحوار للمخالف بالرأي بالنقاش والجدال حتى نتخلص من العنف بالحسنى والجدال الحسن ومن أجل التعايش السلمي بين الناس وإثراء الحياة بالنقاش. هذا غير أن الحوار والنقاش يساعد على حل المشاكل بتعاصف الأفكار والعقول ووضع أصوب الحلول بالعمل والتفكير الجماعي.

فأسس المنهج الإسلامي لمبدأ المعارضة وحق كل فرد للتعبير عن رأيه حتى لو كان مخالفاً. فمن البديهي أن من يؤكد على حرية الرأي والتعبير عنه يؤكد على ضرورة الاستماع له وهذا لأن الاختلاف يولد تطور الأفكار وإرساء مبادئ الديمقراطية بمبدأ قبول الخلاف من أجل الحد من العنف والتعايش السلمي.

فنجد أن الشورى في المنهج الإسلامي تعني وتشمل كل هذه المعاني فاستماع الحاكم إلى الآخرين المعارضين له يجعل وجود مؤيد ومعارض لرأيه واستماعه لرأي كلاً منهم ضرورة مهمة لتعاصف الأفكار فمثلاً:-

1-   عندما اختار النبي مكان لملاقاة قريش في غزوة بدر استمع لمعارضة أحد الصحابة(الحباب): بقوله أهي الحرب والمكيدة أم من عند الله على اختياره لهذا المكان فقال له النبي بل الحرب والمكيدة فقال الصحابي فلنقم نأخذ بماء القوم وذهبوا لماء بدر واختاروا بقعته لفضلتها العسكرية.

ولم يرفض معارضته على اختيار المكان ولم يتمسك برأيه بل استمع للرأي المخالف إرساءً لمبدأ استماع المعارضين والمخالفين بالرأي وأيضاً اهتم بتفعيل رأي المعارضة لأن به صحة مؤكداً على مبدأ أهل الخبرة والكفاءة.

2-   وعندما استمع الرسول للرأي المعارض له من الصحابة في غزوة أحد وكان رأيه المكوث في المدينة وانتظار قريش فوجد من يوافق الرأي معه ومن يخالفه وأيد الخروج واستمع لهم ولم يرفض المعارضة لرأيه بل ونزل لرأي الأغلبية.

فالأهم تسيير الأمور بالحوار والتوافق من أجل مصلحة الدولة وتوحدها وعدم الاختلاف فيها.

3- وعندما حدث اختلاف بين الصحابة والرسول وظهرت معارضة بيوم صلح الحديبية وذهب عمر بن الخطاب للرسول بالنيابة عن المعترضين معلناً عن اعتراضه وجبهة المعارضة عن الصلح ويتناقش مع الرسول فيما نصت عليه المعاهدة المجحفة في وجهة نظرهم حتى أقنعه الرسول بأهمية الصلح من أجل الهدوء النسبي وتقوية الدولة وبناء اقتصاد وجيش وإظهار المنافقين على حقيقتهم وهذا ما حدث بعد ذلك. فلم يمتعض النبي للاستماع لرأي المعارضين ولم يخف أحد من إظهار رأيه واعتراضاته.

 فيؤكد بهذا الرسول على أهمية الاستماع إلى المعارضين والحوار والنقاش معهم بالاستماع لكل من يخالفه الرأي بل وعدم التمسك برأيه إن ثبت خطأه.

-وكان الحلم في الاستماع إلى المعارضين ضرورة حتى لو كان برأيهم غلظة وهذا واجب على الحاكم:-

1- فحدث أن وقف النبي ليوزع مال الله (الصدقة) على الناس فاستقل أعرابي نصيبه وجذب الرسول من طوق ثيابه جذباً عنيفاً وقال: يا محمد زدني فليس المال مالك ولا مال أبيك. فغضب عمر بن الخطاب حتى أنه استل سيفه صائحاً: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي: دعه يا عمر إن لصاحب الحق مقالاً.

2- قال النبي صلى الله عليه وسلم:-

(إذا ابتغى الأمير الريبة في الناس أفسدهم).

فأكد على عدم تشويه المعارضين بقوله، وهذا يعني أن الحاكم إذا اتهم الرعية والمعارضين له وجاهرهم بسوء الظن وسوء النية والتشويه بهم أدى هذا إلى ارتكاب ما أتهمهم به سواء منهم أو من غيرهم، هذا غير التخوف من المعارضة حتى لا يحدث لهم تشويه. ومن هنا يؤدي إلى فساد الحكم والاستبداد والافساد الاجتماعي.

ومن حرية الرأي والتعبير والاستماع بصدر رحب للمخالفين يجب عدم تحول الخلاف إلى خلاف ديني ومن ثم عدم تكفير لأحد أو تخوين لأحد، فلم نجد تخوين أو تكفير لأحد عارض النبي في أمر من أمور الدولة بل كان يستمع لهم ويرى الأصلح للدولة ويقيمه. وهذا حتى تقوى المعارضة في أمور الدنيا والحياة والدولة وتتحقق المصلحة العليا.

3-   قول أبو بكر:-

(إن أحسنت فأعينوني، إن أسأت فقوموني فيقال له: إن أسأت قومناك بسيوفنا).

فيحث على وجود من يخالفه ويعارضه ويسدد له الأمور وهذا قمة المعاملة الحسنة للمخالفين في الأمر والاستماع للمعارضين.

ووقت حروب أبو بكر مع أهل الردة الذين ارتدوا عن دفع الزكاة وكان رأيه محاربتهم لأنهم يقطعون مال الدولة وينفصلوا عن الدولة الحديثة، وكان رأي عمر والبعض عدم محاربتهم لأنهم مسلمين. فقبل الاعتراض والنقاش ولم ينكر على أحد رأيه حتى قال لهم (والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه) وأقنعهم بأن هذا تمزيق للأمة والدولة.

4-   قال عمر بن الخطاب:-

(إذا ملت برأسي هكذا وهكذا. فيقال له: إذن نميل بسيوفنا هكذا وهكذا).

(إن أرسلت لكم أمراً يخالف الحق فأضربوا به الأرض واستمسكوا بالحق وحده).

للحث على المعارضة والاستماع إليهم.

5-   عندما دخل أحد الأشخاص على عمر بن الخطاب وأغلظ له القول فاستمع له ولم يرفض كلامه و قال له: لعلك أردت أن يستفزني الشيطان فأنال منك في الدنيا فتنال مني عند الله ولكن لا فقم عفا الله عنك.

6-   ونسمع عمر بن الخطاب عندما قام له شخص بالمسجد وقال له: اتق الله يا عمر. فلم يغضب ولم ينهره وقال: لا خير فيكم إذا لم تقولوها ولا خير فينا إذا لم نسمعها.

تدليلاً على حرية الرأي وحرية التعبير عنه وواجب الاستماع للمعارضين.

7-   ودخل عليه مرة رجل ملأ قبضته شعر محلوق وقذفه في صدره في مرارة فهم به الناس فقام لهم وقال للرجل ما أمرك؟ فيجيب الرجل بثورة: أما والله لولا النار يا عمر...! فيقول: صدقت والله لولا النار فما أمرك يا أخا العرب فيقول الرجل: أن أبا موسى الأشعري جلده وقص شعره. فينظر عمر لأصحابه ويقول: لأن يكون الناس كلهم في قوة هذا أحب إلي من جميع ما أفاء الله علينا. ثم رد للرجل مظلمته.

فاستمع لصاحب المظلمة والرأي رغم أسلوبه الفظ ورد له حقه وهذا واجب الحاكم.

8-   دخل يوماً على امرأة عجوز خيمتها يسألها عن حالها فقالت له: لا جزى الله عمر عني خيراً. فقال لها: ولم أصلحك الله! فشكت له أنها لم تتلق منه شيئاً منذ توليه الخلافة فقال لها: ما يدري أمير المؤمنين بأمرك وأنت لم تبلغيه بشكواك. قالت له: ما حسبت أن أحداً يولى أمر المسلمين إلا ويعلم بين مشرقها ومغربها. فجعل عمر يبكي ويقول: ويحك يا عمر كم أضعت حقوق المسلمين. وذهب وأحضر لها كل حقوقها من بيت مال المسلمين حتى مر عليه جماعة وهو يسلمها حقها فقالوا: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فصاحت المرأة وقالت: وا سوأتاه سببت أمير المؤمنين في وجهه وقد أكرمني. فقال لها: لا عليك.

فلم ينهرها ولم يتوقف لحظة عن إعطائها حقها رغم قولها له.

9-   كان عمر بن الخطاب يوصي ولاته بالاستماع إلى من يخالفهم الرأي ومحاورتهم ومجادلتهم بالحسنى وبالموعظة الحسنة كما أمر المنهج الإسلامي. فكان يقول لهم عن الصبر على المخالفين لهم بالصبر والجدال بقوله: إذا حضرك الخصم الجاهل ورأيت سوء سيره في الحق فسدده ما استطعت.

10- وعندما سمع بأفعال الخوارج القاتلة والتكفير للناس أرسل إلى زعيمهم وقال له: أما بعد فقد بلغني أنك خرجت غضباً لله ورسوله ولست أولى بذلك مني فهلم أناظرك فإن يكن الحق معنا تدخل فيه وإن يكن الحق معك نراجع أنفسنا وننظر في أمرنا.

وهذه كانت جماعة معارضة له والمقصد هنا أنه دعاه للمجادلة والنقاش وهذا هو ما يوجب على الحاكم مع المعارضين الاستماع والمناقشة للمصلحة العامة ولم شمل الأمة لا العناد وتشتيتها.

11- وأيضاً المرأة التي خطأته بالمسجد بأمر ديني عندما قال: لا تزيدوا مهور النساء على أربعين أوقية فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال. فقالت المرأة: مازاك لك فسألها لم؟ فأجابته قائلة لأن الله تعالى قال: (...وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا). فتهللت أساريره وقال (أصابت امرأة وأخطأ عمر).

اعترافا بجدوى الحوار والجدال والنقاش والاستماع للمعارضين واعترافاً بالخطأ إن حدث.

12- وكان يوماً جالساً مع أصحابه فاقتحم المجلس رجل مكروب تغشاه وعثاء -تعب- السفر وإذ يقترب من الناس ويراهم يقولون لأحدهم يا أمير المؤمنين يتجه صوب هذا الأمير ويقول له في مرارة: أأنت عمر؟ ويل لك من الله يا عمر! ثم يمضي لسبيله غير وان ولا مكترث. ويلحق بعض الحاضرين بالرجل في غيظ منه وحنق عليه ولكن عمر يناديهم ويأمرهم أن يعودوا لمجلسهم ويهرول هو وراء الرجل وفؤاده يرتجف ويدرك الرجل ويسأله: ويلي من الله لماذا يا أخا العرب؟ فيجيبه لأن عمالك وولاتك لا يعدلون بل يظلمون فيسأل عن أي من عماله يعني؟ فيقول له عامل لك في مصر اسمه (عياض بن غنم) فيأمر رجلين من أصحابه ويقول لهم: اركبا إلى مصر وآتياني بعياض بن غنم.

ليدلل على الاستماع إلى المعارضين مهما كانت غلظتهم والمشتكين من عمال الحاكم ومساعديه وسرعة محاسبتهم لأنه المسئول الأول أمام الله.

13- وعندما عزل خالد بن الوليد جمع الناس وقال: إني أعتذر إليكم من عزل خالد فإني أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفه المهاجرين فأعطي ذوي البأس وذوي الشرف وذوي اللسان. فقام أبو عمرو بن حفص وقال: والله ما أعذرت يا عمر ولقد نزعت فتى ولاه رسول الله وأغمدت سيفاً سله رسول الله ووضعت أمراً رفعه رسول الله وقطعت رحماً وحسدت بني العم.

فاستمع عمر لمعارضته ولم ينهره.

14- نجد موقف عمر بن الخطاب مع بلال بن رباح والمعارضين وقت فتح العراق وتوزيع أرضها على الفاتحين أم تعود ملكيتها إلى أهلها وكان رأيه عدم توزيعها إلا على أصحابها وكان لكل فريق حجته فظل الخلاف والنقاش والمعارضة له ولم ينهر أحد منهم حتى اقتنع الجميع بوجهة نظره ووزع الأرض إلى أصحابها من أهل العراق.

فعند فتح العراق واجه مشكلة تقسيم الأرض، فقد طلب الفاتحون أن تقسم الأرض بينهم، وعارضهم في هذا الرأي وكان رأيه أن تكون الأرض لأصحابها من أهل العراق. وكان رضي الله عنه يتوخى الحذر في القضايا الكبيرة الاجتهادية فكان لا يفصل في قضية دون أخذ رأي الصحابة، ويظل ثلاثة أيام يشاور الصحابة، وقد أيده في رأيه علي وعثمان وزعماء الأنصار، وعارضه عبد الرحمن بن عوف وبلال، وكان أشدهم عليه بلال رضي الله عنه، حتى قال: اللهم اكفني بلالاً وأصحابه. وكان رأي عمر أن الأرض إذا وزعت على الفاتحين فمن أين ستأتي بعدئذ نفقات الدولة ونفقات الجهاد والدفاع عن البلاد، ومَنْ للذرية بعدئذ في هذه البلاد، واستشهد عمر بالآيات من سورة الحشر قال الله تعالى:-

(وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)

(مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)

 فاستنبط عمر من هذه الآية أن الأجيال القادمة لها الحق في الأراضي المفتوحة، وهكذا استقر الرأي على بقاء الأرض بأيدي أصحابها ويدفعون الخراج عنها. وهذا لأن مقياس ثروة الدول بما يملكه شعبها وليس من يحكموا ولا ملكية الدولة.

فأسس المنهج الإسلامي للشورى واستماع المعارضين والمخالفين في الرأي وسار النبي والصحابة على هذا المنهج وكل هذا يؤكد على حرية المعارضة للنظام الحاكم وحرية الرأي والتعبير وقول الحق للحاكم دون خوف. وهذا يكون في الصالح العام لأنه لا يجعل فرصة لأحد للاستبداد أو القهر للشعب بل ويجعل من الحكم والنظام الحاكم القدرة على اتخاذ القرارات الصائبة التي لا تشوبها الأخطاء بالشورى والعمل الجماعي وتعاصف العقول والأفكار.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم