16- العدالة الاجتماعية
ودور الدولة:-
-قال الله
تعالى:-
(مَّا
أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ
وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا
يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ).
(وَفِي
أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ).
وهذا لا
يعني عدم وجود أغنياء بل أن يتكافل الجميع ولا ينسى الغني حق الفقير عليه ويكون
لكل فرد حق امتلاك المال وهكذا كان الكثير من الصحابة، فيتم التقارب بين الطبقات
ومن ثم إلغائها. ولكن المقصد أن لا يوجد مجموعة في الدولة لا تشعر بمعاناة الفقير
وتكون طبقة مستغلة وأعلى من الشعب. ولكي يتم تداول الأموال بين الناس من الفقراء
والمساكين.
-قال النبي
صلى الله عليه وسلم:-
(لا بأس
بالغنى لمن اتقى).
دليل على حق
الكفاية لكل مواطن من قبل الدولة والأفراد بدفع زكاتهم وخراجهم وضرائبهم للدولة
لإغناء الفقير وكفايته لاحتياجاته وهذا معنى (من اتقى) فيتقي الله بإغناء الفقير
ومساعدته بالزكاة. وهذا لأن الزكاة تطهر الغني من بخله، وتطهر الفقير من حقده
فتمنع الطبقية والحقد بين الطبقات.
ولم يقصد المنهج
الإسلامي أن يحارب الأغنياء وإنما لكي لا يتوحش الغني في المجتمع فينسون الله
وتعاليم الدين وينسون الفقير وتضيع حقوقه بينهم. ففرض المنهج الإسلامي الزكاة
لتكون كالضريبة ولكن باختلاف جوهري مهم لأن دافعها يخرجها من جيبه بعد أن يوفي كل احتياجاته
المعيشية الأساسية والرفاهية أيضاً وليست كالضرائب تكون على أصل ماله دون أن يوفر احتياجاته
الأساسية حتى. وتكون بإعطاء الفقير دون أن يتم نزع أي ملكية أو فرض حراسة أو أخذ
بالقوة أو امتهان لأحد فتؤخذ من الغني دون إتلاف وتعطي للفقير دون إسراف حتى لا
تتولد الكراهية في صدر أحد بسبب الطبقية أو نزع الملكية أو فرض ضرائب عالية.
حتى أن نظام
المواريث نفسه يعطي عدالة التوزيع الاجتماعية لأنه يقسم الثروة بين الأبناء ومن
لهم حق بالميراث بنسب محددة فيتوزع رأس المال على عدد من الناس فيتفتت رأس المال
ولا يتركز في يد واحدة فتنفك الطبقة إلى عدد من المستفادين من المال وتخلق عدد
أكبر من أصحاب رؤوس المال لعمل مشاريع أكثر وخلق تنافس أكبر وهذه أيضاً فائدة اقتصادية
لمنع التكتل والاحتكار.
وأظهر المنهج الإسلامي صرف حد الكفاية لا الكفاف
فقط وأولوياته على من يحتاج بقول الله تعالى:-
(إِنَّمَا
الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا
وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ
اللَّهِ وَابن السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ
عَلِيمٌ حَكِيمٌ)
فتتحقق
العدالة الاجتماعية بأن يكون الإنفاق الحكومي موجه للفقير ولخدماته وللشعب
ولأحيائهم وليس لأحياء الأغنياء فقط وهذا لتطبيق المواطنة وعدالة التوزيع بشكل
سليم.
ونوضح
الفارق بين حد الكفاية والكفاف:-
1- حد
الكفاية:-
هو سد احتياجات
الفرد كلها الأساسية منها والكمالية أيضاً أي يحيا الإنسان حياه كريمة وهو ما يربو
إليه الفكر الإسلامي لتحقيقه بشكل دائم حتى أنه لا يفرض الضرائب أو الزكاة عليه إلا
بعد تحقيق حد الكفاية للإنسان براتب يحميه ويسد هذه الاحتياجات ويوفر له حياة
كريمة.
وأنه يجعل
الفرد يوفر بعض المدخرات تحمي حياته ولأهله ويعيش بمستوى يكفيه عن النظر للآخر، ويستطيع
الاعتماد على هذه المدخرات وقت الأزمات فلا يكون حملا ثقيلاً على الدولة.
2- حد
الكفاف:-
هو سد احتياجات
الفرد الأساسية فقط من مأكل وملبس ومسكن بأدنى حد وهذا يكون استخدامه بالمنهج
الإسلامي وقت الأزمات والحروب والكوارث وليس دائم.
-ولذا وضع المنهج
الإسلامي معايير لتحديد واجب الدولة ودورها نحو الأمة لضمان حد الكفاية والعدالة الاجتماعية
للمواطن وهي:-
1- قال الله
تعالى:-
(وَفِي
أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ )
وقال عمر بن
الخطاب عندما ازدادت الأموال مع الناس:-
(لو استقبلت
من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فقسمتها على الفقراء).
وهذا لحق
الدولة في فرض الضرائب بأنواع مختلفة من أجل عدالة التوزيع وتحقيق الضمان والعدالة
الاجتماعية مع زيادة نسبة الخراج أو الضرائب التصاعدية مع زيادة حجم رأس المال.
-فتتحقق
العدالة الاجتماعية عن طريق:-
1- قال
النبي صلى الله عليه وسلم:-
(... ومن
ترك ديناً - أي الميت - أو ضياعاً فليأتني أنا مولاه).
(من ترك كلا
فيأتني أنا مولاه).
لتكون
الدولة هي التي تسدد ديون المتعثرين والمديونين ومن مات وعليه دين ولا يجد ورثته
ما يسدون عنه وهذا حتى لا يلتجئوا إلى الاقتراض بالربا ولا تضيع حقوق الدائنين.
2- أن كل مواطن له الحق في امتلاك ما يشاء فكان عمر بن
الخطاب يعطي من يستصلح أرض ويجعلها منبتة بدلاً من بورها حق تملكها (الملكية
الخاصة وحمايتها) بل والمساعدة المالية للاستصلاح.
3- إعطاء رواتب محددة للمعاقين والعميان والمصابين بأمراض
تقعدهم عن العمل ويصعب عليهم الرزق (حد الكفاية).
4- إعطاء معونة شهرية للرضع فكان عمر بن الخطاب يعطي
للمولود 100 درهم وإذا ترعرع زادهم إلى 200 درهم وصرف عمر
بن الخطاب رواتب شهرية للأطفال. فعندما كان يجول متفقداً أحوال الناس، وإذ بطفل
يصدر أنيناً حزيناً، فيقترب من الدار ويسأل عما به؟ فقالت أم الطفلة: إني أفطمه يا
أمير المؤمنين. فعلم أن المرأة تجبر ابنها على الفطام لأنه لا يفرض إلا للفطيم حيث
أن عمر كان يصرف لكل مولود مفطوم 100 درهم شهري فأمر بصرف المال لكل مولود من قبل
الفطام أي منذ الولادة، فجعل المنادي يقول (لا تعجلوا صبيانكم عن الفطام فإنا نفرض
من بيت المال لكل مولود في الإسلام).
فكان قانون حماية الطفل وضمانه الاجتماعي.
5- إعطاء كفالة عيش شهرية للعاطل والمعوق والمريض والأطفال
حتى بلوغهم أي إعطاء حد الكفاية لمن لا يملكه.
6- إعطاء للأم الحامل ما تستحقه من الكفالة الشهرية.
7- تزويج الشباب وتوفير لهم البيوت للسكنى.
8- إعطاء الفقراء والمساكين بمنح شهرية تكفيهم و إعطائهم
منازل إن كانوا لا يملكون.
9- إعطاء لأهل الذمة من المحتاجين منهم ما يحتاجونه من
المال شهرياً فكان عمر بن الخطاب يعطي المرضى والمحتاجين منهم ويخصص لهم شهريات.
10-
عندما سأل عمر بن الخطاب عمرو بن العاص أنه إذا جاءه سارق ماذا هو فاعل؟
قال أقطع يده فقال له وأنا إذا جاءني جائع من عندك لقطعت يدك. لكي يعطي الكل ولا
يضطر أحد للسرقة وحماية لحقوق المواطن وتحقيق العدالة الاجتماعية دون النظر لدين
أو جنس حيث أن عمرو بن العاص كان والياً على مصر القبطية وقتها ولم يكن الإسلام
انتشر بها.
وهذا دليل
على أن الحاكم مسئول عن المحكومين في كل شيء وهذه قمة العدالة الاجتماعية.
11- الزكاة
من أكبر أبواب تحقيق العدالة الاجتماعية هي والخراج الواجب على كل غني لتحقيق
التكافل والتضامن الاجتماعي من الغني للفقير وهو أول نظام (ضمان اجتماعي) في
التاريخ.
12- كان عمر
بن الخطاب يخصص حبوساً لضعاف الحيوانات لإيوائها وحمايتها فكان أول من أسس لجمعية الرفق
بالحيوان (الرحمة بالحيوان).
13- كان عمر
بن الخطاب يسعر بعض السلع بنفسه حتى يمنع طمع التجار باللعب بالناس (الرقابة على
الأسعار).
14- قال أيضاً
عند موته عندما رأى الثراء على الناس (لو استقبلت من أمرؤ ما استدبرت لأخذت من الأغنياء
فردتها على الفقراء) أي الضمان الاجتماعي.
15- تخصيص
دخل لطلاب العلم لنشر العلم بتوفير المال لطلابه عن طريق السبل الحديثة بتحسين
منظومة العلم والتعليم وإسكان المغتربين.
16- تخفيف
الجزية عن أهل الذمة وإلغائها إذا بطل سببها وهو الحماية (عدالة اجتماعية).
17- نجد أن
الصدقات والأموال التي تخرج من الأفراد التي تزيد عن حاجتهم إلى الأشخاص الذين
يحتاجون عن طيب خاطر بنية المساعدة والتقرب لله هي قمة العدالة الاجتماعية وإلغاء
الحقد بين الطبقات عندما يعطي الغني للفقير ما يحتاجه. وهذا حتى يتحقق المساواة
بين المحتاج وغيره فجاء المنهج الإسلامي ليأخذ من الغني دون إسراف ويعطي الفقير
دون إتلاف. فتدخل الأموال إلى خزنة الدولة ومنها إلى الأفراد المحتاجين كخدمات
وغيره ليتحقق عدالة التوزيع.
18- نجد
موقف عمر بن الخطاب عندما وجد سيدة عجوز لا تملك بيت فخصص لها من بيت المال مال
لبيت وخادمة تقوم على أعمالها وما يلزمها للمعيشة وموقفه مع الذمي الذي كان يشحذ
بتخصيص له مال ليعيش به.
ونجد أنه عندما جاء
لعمر بن الخطاب رسالة من مصر لامرأة لها حائط قصير ويقتحم عليها ويسرق منها وكان اسمها
(خرتونة السوداء) فكتب لها أنه كتب إلى الوالي أيوب بن شرحبيل أن يبني لها الجدار ويحصنه
فذهب إليها الوالي وفعل ما أمره به عمر.
وقال يوماً (إن
الله استخلفنا على عباده لنسد جوعتهم ونوفر لهم أمنهم فإن لم نفعل فلا طاعة لنا
عليهم).
ونجده أثناء
عسسه بالليل يجد امرأة تحمل قربة كبيرة فيسألها فيعلم أنها ذات عيال وتنتظر الليل
حتى تخرج لتملأ الماء فيساعدها حتى تصل دارها ثم يقول لها: إذا أصبح صباح غد
فأقصدي عمر يرتب لك خادماً قالت إن عمر كثير شغله وأين أجده؟ قال أغدي عليه
وستجدينه إن شاء الله وعندما تذهب إليه تجده من ساعدها فيأمر لها بخادم ونفقة.
وعندما جاء
رجل يسأل على الأبواب لبيت عمر وكان ضرير فسأله عمر: من أي أهل الكتاب أنت؟ قال له
الرجل: يهودي. فسأله: ما الذي ألجأك إلى ما أرى؟ فقال: الرجل الجزية والحاجة والسن.
فأخذه إلى البيت وأعطاه مما وجده وأرسل إلى خادم بيت المال وقال له: أنظر إلى هذا
فو الله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نتخلى عنه عند الهرم ووضع عنه الجزية وأمر
أن يعطى من الصدقات ويجعل رزقه من بيت المال. أي جعل له مخصصات شهرية تعينه على
الحياة.
عندما رأى
عمر بن الخطاب شخص يهودي يسأل على باب فعلم أنه يهودي فقال: له ما ألجاك إلى ما
أرى؟ قال له: أسال الجزية والحاجة والسن. فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله فأعطاه
ما يكفيه، وأرسل إلى خازن بيت المال يقول له: أنظر هذا وضرباؤه -أي من هم مثله- فو
الله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم.
وعندما وجد
سيدة عجوز لا تقوى على خدمة نفسها خصص للسيدة العجوز خادم لها يقوم على حاجتها
احتراماً ورحمة لها ولسنها.
وعندما كان عمر
بن الخطاب يعد موائد الطعام للناس في المدينة ذات يوم فرأى رجلا يأكل بشماله فجاءه
من خلفه، وقال: يا عبد الله كل بيمينك. فأجابه الرجل: يا عبدالله إنها مشغولة. فكرر
عمر القول مرتين. فأجابه الرجل بنفس الإجابة. فقال له عمر: وما شغلها؟ فأجابه
الرجل: أصيبت يوم مؤتة فعجزت عن الحركة. فجلس إليه عمر وبكى وهو يسأله: من يوضئك؟ ومن
يغسل لك ثيابك؟ ومن يغسل لك رأسك؟ ومن، ومن...؟ ثم أمر له بخادم وراحلة وطعام، وهو
يرجوه العفو عنه لأنه آلمه بملاحظته على أمر لم يكن يعرف أنه لا حيلة له فيها.
فكان قانون
للعجزة ومصابي الحروب لحمايتهم من مصاعب الحياة.
وعندما شاهد
رجل عجوز ينقل الحجارة، فسأله: لما تقوم بهذا العمل الشاق؟ أجاب: أنا رجل يهودي
وعلي دفع الجزية، فقال له: دفعت لنا الجزية بشبابك، والآن واجب علينا أن نتكفل بك.
وصرف له راتب شهري يكفيه.
فكان قوانين
الضمان الاجتماعي لحماية العجائز وتوفير لهم ما يضمن لهم الحياة الكريمة.
فنخرج من هذا بقوانين الضمان الاجتماعي لكل من ليس
قادراً على العمل وإعالة نفسه من عجائز وعجزة وذوي احتياجات خاصة ومشردين وأطفال
وأيتام وغيرهم ممن ليس لهم عائل. فيجب على الدولة توفير لهم السكن ومن يعاونهم
كدور العجزة، وتوفير الراتب الذي يوفر لهم القدرة على الحياة، وتوفير الرعاية
الصحية والتعليمية المناسبة لمن يحتاجها.
وعندما مر بقوم
في الشام مرضى محرومين فأمر أن يعطوهم من الزكاة وأن يجري عليهم الطعام بانتظام.
وأمر أن
يعالج أهل الكتاب المصابون بالجذام ويرتب لهم القوت.
فتتكفل
الدولة بعمل مظلة علاجية شاملة لكل أفراد الدولة دون استثناء أحد وتكون مجانية
شاملة العلاج والرعاية الصحية والعمليات الجراحية بطريقة كاملة. وقد كانت دار الطب
في الإسكندرية في عهد عمر بن الخطاب تسير على هذا المنوال وبداية تأسيس المنظومة
العلاجية المجانية.
فهنا نجد أن
تلتزم الدولة بتوفير العلاج للناس وتوفير الخدمات للمحتاجين والعاجزين وأيضاً
توفير دور الإقامة إن كانوا لا يملكون دون النظر لدين أو جنس أو عرق. ودليل على أن
يصرف من الدولة لكل فرد لا يستطيع على العمل سواء لإعاقة أو كبر سن وتوفر له المال
والمسكن والخدم إن لزم الأمر كبيوت كبار السن. فيكون لكل فرد حق على الدولة
الكفالة التامة من العاطلين والمساكين والعجائز بعد سن التقاعد والعاطلين وكل من
لا يملك قوت يومه تكون الدولة متكفلة به وملزمة بتوفير له المسكن والملبس والمال
الذي يقتات منه وما يلزمه من حياه كريمة دون تفرقة على أساس اللون أو الجنس أو
الدين.
فحدد دور
الدولة من التكفل بخدمة المواطنين وبكل من يحتاج الرعاية بتوفير له كامل خدماته واحتياجاته
وتأكيداً على دور الدولة في ضمان حد الكفاية للمواطن. وهذا من الأسس الدستورية
الآن التي شرعها الفكر الإسلامي منذ أكثر من 1400 سنة.
19- وجود
حقوق للأجير والحفاظ عليها والتوصية بالعامل والخادم وغيره وإعطاء كل ذي حق حقه
وعدم المعاملة السيئة هو تحقيق للعدالة الاجتماعية وإلغاء الطبقية وأي وجود لضغائن
بين الناس.
فقول النبي
صلى الله عليه وسلم:-
(أعطي
الأجير حقه قبل أن يجف عرقه).
هو قمة
العدالة الاجتماعية فقوله –حقه- أي أنه يعود تحديده لصاحب الحق والأجر فكل فرد
يحدد ما يكفيه من أجر على عمله ويوفي جهده في عمله فيكون كل على طاقته وعمله يحدد
أجره.
20- حد
الكفاية واجب على الدولة أن تعمل عليه بأن لا تقتطع من المواطن ضريبة من أي نوع
إلا بعد ضمان حد الكفاية له وهذا بصرف مرتب يسمح للإنسان أن يعيش حياة كاملة دون
الحاجة لأحد وقد وجدنا أمثلة وأدلة في النقاط السابقة.
فقال عمر بن
الخطاب:-
(أرسل الله
محمداً هادياً وليس جابياً).
(إن الله
أستخلفنا على عباده لنسد جوعتهم ونوفر لهم أمنهم فإن لم نفعل فلا طاعة لنا عليهم).
(إني حريص
على ألا أدع حاجة إلا سددتها ما اتسع بعضنا لبعض فإذا عجزنا تأسينا في عيشتنا حتى
نستوي في الكفاف).
ويعني أن
الدولة كفيلة بحاجة كل فرد وقت الجود واليسر والكفاف هنا وقت الحاجة الشديدة أي
أدنى حد من الحاجة للمعيشة مشيراً إلى التراحم والتكافل الاجتماعي وقت الشدة.
(ما من أحد
إلا وله في هذا المال حق الرجل وحاجته والرجل وبلاؤه أي عمله).
لتحقيق العدالة في توزيع الأموال لكل من يحتاج
في وقت اليسر والضيق وعلى الدولة قبل أن تفرض الضرائب أن تجعل المواطن يمتلك قوته
ورفاهيته بحد الكفاية وتضمن له الدولة احتياجاته.
وفي نفس
العام سمع عن جماعة بأقصى المدينة قد نزل بهم الضر أكثر من أهل المدينة فأصبح يحمل
فوق ظهره جرابين من الدقيق ويحمل خادمه قربة مملوءة زيتاً ثم يهرولان إلى هناك
ليغيثوهم ويصل إليهم ويطبخ لهم بيده ثم يرسل لهم الإبل لتحملهم لداخل المدينة
ليحصلوا على رعاية أكبر ورحمة بهم
تحقيقاً
للعدالة الاجتماعية ودور الدولة لتحقيقه للمواطن.
21- دور
الدولة بالتنمية الاقتصادية لتحقيق العدالة الاجتماعية سنجدها بباب الاقتصاد.
22- قول عمر
بن الخطاب:-
(إن تعثرت
شاة بالعراق لسئل عنها عمر).
(إذا أكل
الذئب شاة بالشام لسئل عنها عمر).
تحديداً
لدور الدولة بحماية الحيوانات وحقوق أصحابها وتمهيد الطرق وتحقيق الأمن والعدالة الاجتماعية
ولو بأقصى مناطق الدولة.
23- قام عمر
بن عبد العزيز بأمر عامله في الكوفة أن يعطي لأهل الذمة من ضعف عن زراعة أرضه وتسليفه
حتى يقوم بعمله حتى لا يقترض بالربا وليحصل من الدولة ما يساعده على الإنتاج
تحقيقاً لعدالة التوزيع للثروة وتحقيق حق كل فرد في مال الدولة ليغتني ولا يحتاج
للمساعدة.
24- نجد في
موقف لعمر بن عبد العزيز عندما أتوا إليه بمال الزكاة:-
قال: أنفقوا
على الفقراء. قالوا: ما عاد في أمة الإسلام فقراء
قال: فجهزوا
بها الجيوش. قالوا: جيوش الإسلام تجوب الدنيا
قال: فزوجوا
الشباب. قالوا: من كان يريد الزواج زوجناه
قال: أقضوا
الديون على المدينين. فقضوها وبقي مال
قال: أنظروا
إلى المسيحين واليهود من كان عليه دين فسددوا عنه. ففعلوا ذلك وبقي مال
قال: أعطوا
أهل العلم. فأعطوا وبقي مال
قال: اشتروا
بها قمحاً و أنثروه على رؤوس الجبال لكي لا يقال جاع طير في بلاد المسلمين.
25- قيام عمر بن عبد العزيز بتزويج الغير قادرين
والإنفاق على الفقراء.
26- تحقيق
التكافل والتضامن الاجتماعي وتشجيعها، فنجد عمر بن عبد العزيز يرسل إلى ولاته ويقول
لهم: (أيما رجل قدم علينا في رد مظلمة أو أمر يصلح الله به خاصاً أو عاماً من أمر
الدين فله ما بين 100 إلى 300 دينار بقدر ما يرى من الحسنة وبعد الشقة رحم الله أمرؤ
لم يتكاءوه (يبطئه) بعد سفر أجل الله يحيي به حقاً أو يميت به باطلاً أو يفتح به
من ورائه خيراً).
وعملاً بقول
الله تعالى:-
(مَنْ
عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ
حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ)
فوجدنا من
كل ما سبق أهمية الدولة ودورها تجاه المواطن فهي مسؤولة مسؤولية كاملة عنه لتحقيق
العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة، وأنها كدولة يجب أن تعمل في كل الاتجاهات
سواء السياسية أو غيرها لينال المواطن كامل حقوقه دون توجيه أو ضغوط وضمان حد
الكفاية للمواطن لا الكفاف فقط. وضمان حقوقه الاقتصادية بعدم زيادة كهله بضرائب
وأسعار عالية، وأن تعمل الدولة على وضع سياسة اقتصادية تعلي من دخل المواطن وتحافظ
على حقوقه وضمان التنافس لحمايته من الاحتكار وزيادة الأسعار. وضمان حقوقه
القانونية بأن لا يظلم أبداً ويكون متساوي مع أي فرد مهما علا شأنه بحصوله على
خدماته الأساسية والتعليمية والصحية كاملة.
فعلى الدولة
تحقيق حقوق المواطن الاجتماعية بالعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة ودعم
المواطن في كل جوانب الحياة التعليمية والصحية والخدمات الأساسية كما تحدثنا في
الأمثلة السابقة، وضمان حقوقه التعليمية والتربوية بحيث ينال كل فرد حقه في
التعليم والدعم العلمي والبحثي الذي لابد أن تقف الدولة بقوة معه لتحقيق التقدم.
وتحقيق حقوق المواطن الإنسانية من حفظ كرامته وحقوقه العامة والخدمات الأساسية
والصحية إلى آخره مما ذكرنا وأهم شيء هو صحة المواطن وتعليمه من أجل بناء الإنسان
الذي يفيد الدولة والأمة. فعلى الدولة أن تعمل على الرعاية الصحية الشاملة للمواطن
وأن يكون كامل علاجه على الدولة بطريقة آدمية وليس بإهمال لحقه في الرعاية الصحية
كما رأينا من أمثلة كما فعل عمر بن الخطاب للأمة، هذا غير تحقيق حقوق الحيوان
وأمنها حفاظاً عليها وعلى حقوق أصحابها، وكامل ممتلكاتهم لتحقيق الأمان والعدل
والحرية بالمساواة بين الجميع.
*وسيأتي شرح
كل نقطة في محلها بباب (الاقتصاد، القانون، الحياة الاجتماعية، العلمية).
ووجدنا أن
الدولة مسئولة مسئولية كاملة على توفير عمل لكل مواطن سواء بتنمية المشاريع أو بتوجيه
القوى العاملة بالبحث عن كل مواطن عاطل لمساعدته بإيجاد عمل له بل وعلى الدولة إعانة
العاطل عن العمل بالمال والمسكن حتى يجد عمل يقتات منه.
وقد رأينا
أمثلة لعمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز في توجيه أموال الدولة التي أتت من
الزكاة والضرائب إلى إعانة المحتاج والمسكين ومن يحتاج إلى تعليم ورعاية صحية ومن
يحتاج إلى زواج وينقصه المال فهو مسئول من الدولة ومن يفلس على الدولة مساعدته.
ونجد من
مواقف العدالة الاجتماعية التي قام بها عمر بن الخطاب أنه عندما قلت اللحوم منع أكلها
يومين متتاليين وكان يقول (هلا طويت بطنك يومين) وكان يضرب من يأكلها يومين بالدرة.
للتضامن بين الناس والتكافل بالإحساس ولا يشعر أحد بالحاجة.
وكان أبا ذر
الغفاري يعتبر أن ثروة الأغنياء حرام إذا وجد فقير واحد في المجتمع.
وعندما قال
البعض لعمر بن الخطاب ألا تكسي الكعبة قال: بطون المسلمين أولى.
تدليلاً على
دور الدولة في منع الجوع عن الشعب وحتى لو كان المال لكسوة الكعبة فالأولى أن يشعر
الفرد بالدولة بحقه ويناله ولا يجوع وهذا من الأولويات.
فتأخذ
الدولة الضرائب أو الزكاة والصدقات والخراج وغيرها من الغني لتعطي للفقير فيشعر
بالعدالة الاجتماعية وعدم وجود طبقية والعدالة في توزيع الثروات. فتقوم الدولة
بإعطاء مخصصات شهرية للمحتاجين وإعانات للبطالة والأطفال وغيرهم فيستلزم هذا رقابة
واعية على الأفراد ممن ينالون هذه الشهريات لتحدد الوقت التي تتوقف فيه هذه
الشهريات إما للوفاة أو لوجود دخل بديل أو لأن الشخص حصل على عمل يكفيه المال
وأيضاً تحديد قيمة الأموال التي تكفي الفرد شهرياً. وتكون هذه الرقابة من أجهزة
حكومية وهيئات مدنية تبلغ عن من يستحقون ومن لا يستحقون الإعانات. وإن تم إيجاد من
يأخذ هذه الشهريات دون احتياج يتم معاقبته قانونياً لأنه أخذ حق غيره من مال الدولة.
وحق لكل مواطن أن يتقدم لطلب هذه الإعانات من الدولة.
فبوجود
العدالة في توزيع المال وحدود الكفاية من الالتزام بدفع الزكاة والخراج والصدقات
ستكون الدولة بلا فقراء وطبقية، ويحمى الشعوب من الفقر، وظاهرة أطفال الشوارع بسبب
الفقر والجوع، ويتم الإنهاء على مثلث الفقر والجوع والمرض لحماية الشعوب بالإغناء،
وحماية الطبقة الوسطى وعدم طغيان الغني على الفقير. فيحدث التوازن هكذا بين حقوق
الفرد والمجتمع فلا تغطى إحداهما على الأخرى.
حتى أننا
نجد أن النظام الإسلامي طبق العدالة الاجتماعية في نظام المواريث بتوزيع الثروة
على الأبناء والزوجة والأقارب بطريقة تفيد الاقتصاد بأن يتم توزيع المال المملوك
لرأس مالي واحد على عدة أشخاص فينتج أصحاب رؤوس أموال صغيرة يعملون وينتجون إثرائها
للاقتصاد وحماية للسوق من الاحتكار بطريقة غير مباشرة بالمنافسة وتعددها.
وأيضاً جعل
الأنثى شريكة للرجل ولها حق الميراث بقول الله تعالى:-
(لِّلرِّجَالِ
نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ
مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا
مَّفْرُوضًا)
تحقيقاً
للعدالة الاجتماعة وأن لها حق في أموال والديها حتى تملك ما تنفقه على نفسها إن
كانت وحيدة من بعد أهلها أو حتى لو تعيش مع زوجها فلا تحتاج إلى أحد. فلابد أن
تتوزع الثروة على الجميع سواء رجال أو نساء فتتحقق العدالة الاجتماعية.
-فبهذا تضمن
الدولة عدالة التوزيع والتوازن المجتمعي عن طريق:-
1- ضمان حد
الكفاية.
2- عدم تفشي
الغنى دون الحفاظ على حقوق الفقراء بحصولهم على كفايتهم.
3- عدم استئثار
أحد بالخيرات عن غيره.
4- ضمان حد
الكفاف وقت الكوارث.
5- عدم
التفرقة والمساواة الاقتصادية والمجتمعية.
-التكافل
والتضامن الاجتماعي بين الناس:-
-قال النبي
صلى الله عليه وسلم:-
(أيما أهل
عرصة -مجتمع أو قرية- أصبح فيهم أمرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله تعالى).
(مثل
المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر
الجسد بالسهر والحمى).
(المؤمن
للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً).
(من كان له
فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد
له).
(ما ضاع
فقير إلا ببخل غني إن الله سائلهم ومعذبهم عذابا أليما).
(لا يؤمن
بالله واليوم الآخر من بات شبعاناً وجاره جائع).
(ليس المؤمن
بالذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه).
(يا أبا ذر
إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك).
تحقيقاً
للرحمة والتراحم بين الناس فإن حدث هذا بين الجيران ما وجد جائع وتأكيد على التراحم
بين الناس والعدالة الاجتماعية ودور المجتمع مع الدولة في تحقيقها وهذا يحدث
بالخراج والزكاة والتعاون بين الناس. فوضعت فلسفة الفكر الإسلامي أسس التكافل الاجتماعي
والتضامن والترابط بين الناس. فنجد بالمنهج الإسلامي أكبر أسس التراحم والتكافل
والمحبة والعدالة بين الناس بإعطاء من لا يملك الطعام ما يزيد عن حاجتنا. فإن حدث
هذا لن تجد من يحتاج لطعام أو مال.
ونجد موقف
الليث بن سعد عندما وصلت إليه سفينة محملة بالعسل فأتت له سيدة تطلب منه أن يملأ
لها قدر فارغ في يدها من العسل الذي أتى له فرفض الليث ثم مر عامله أن يأخذ
برميلاً ويذهب ورائها ليعطيها أياه فتعجب العامل وقال له طلبت قدراً ورفضت قال له
الليث إنها طلبت على قدرها وأنا عطيها على قدري.
وهذا يجعل
من الزكاة والصدقة إغناء فعلي للفقير والمحتاج فلو أخرج كل فرد على قدرته وقدره لأغتني
الفقير.
ونجد أن عمر
بن الخطاب في عام المجاعة قال:-
(لو لم يجد
الناس كفايتهم من القوت فعلى أهل كل بيت أن يستضيفوا مثل عددهم فيقاسموهم أنصاف
بطونهم فإنهم لن يهلكوا على أنصاف بطونهم).
دليلاً على
التكافل والتضامن الاجتماعي والتراحم بين الناس. فلا يجوع أحد ولا يشعر الفرد
بنقصان في حقه حتى في الأوقات العادية على أفراد المجتمع التراحم فيما بينهم.
ونجد عمر بن
عبد العزيز يرسل إلى ولاته ويقول لهم: (أيما رجل قدم علينا في رد مظلمة أو أمر
يصلح الله به خاصاً أو عاماً من أمر الدين فله ما بين 100 إلى 300 دينار بقدر ما
يرى من الحسنة وبعد الشقة رحم الله أمرؤ لم يتكاءوه (يبطئه) بعد سفر أجل الله يحيي
به حقاً أو يميت به باطلاً أو يفتح به من ورائه خيراً).
تشجيعاً
للدولة على التكافل الاجتماعي ومساعدة الغير، ومنها إلى عمل الجمعيات الخيرية
والأوقاف.
وبهذا وضعت السياسة
الاجتماعية والاقتصادية للدولة الإسلامية على أساس العدل في توزيع الثروة. فنجد أن
المنهج الإسلامي حافظ على الفرد وعلى الجماعة ولم يعلي واحدة على الأخرى إلا في
حالات المجاعة والطوارئ علت مصلحة الجماعة لأنها ستبقى وتحمي مصلحة الفرد.
فألغى الفكر
الإسلامي بهذا الطبقية بأنه لم يعلي مصلحة فرد على الآخر ولا الفرد مقابل الجماعة
أو العكس كما قلنا بل ساوى بين الجميع واهتم بإغناء الفقير وحقوق العمال
والمستضعفين أولاً كي لا يشعر أحد منهم بضغينة على فرد آخر ولا ينمو بداخل حد
الإحساس بالطبقية ولا تكره مجموعة الأخرى بل يشعر الفرد بأن الغني يسعى لمساعدته
وغنائه وأن الدولة تعطيه كفايته في الحياه فيتساوى ويتحاب الجميع وجعل للفقير حق
في مال الغني وأنه في رقبته.
ويؤكد على
التكافل الاجتماعي بين الناس سواء أغنياء أو فقراء وبين الجيران والمعارف والأقارب،
وهذا لإلغاء الطبقية وعدم الإحساس بالضغينة بين الفقراء والأغنياء بأن تكون الصدقة
وسيلة التقارب، وإلغاء أي فوارق طبقية ومساعدة الغني للفقير بها.
وأكد منهج
الفكر الإسلامي أن التكافل الاجتماعي يكون بين الناس في كل التعاملات الحياتية كما
سنأتي له بالشرح بالتفصيل في الباب الثالث (باب الحياة الاجتماعية).
-فتتحقق
العدالة الاجتماعية بتضامن رأسي وأفقي:-
-رأسي:-
تأتي من
الدولة بما تحدثنا عنه من خدمات و دور الدولة لتحقيق توزيع عادل للثروة وحمايته اقتصادياً
لضمان العدالة الاجتماعية له.
-أفقي:-
تكون بين
أفراد الشعب بعضهم البعض و بدور الأغنياء وإحساسهم وإعطائهم للفقراء وبين الجيران
ومن نراه محتاجاً. وبهذا تتحقق العدالة الاجتماعية والتكافل الاجتماعي والأخوة
الإنسانية بين الناس.
-ملحوظة:-
سنجد أمثلة
أخرى للتكافل الاجتماعي في باب الحياة الاجتماعية سنتحدث عنها.
-دور الدولة
في الأزمات والكوارث:-
-قال الله
تعالى:-
(يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ
بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ
وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ
(46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي
سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ
ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا
تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ
وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49))
على الدولة
دور مهم يقع على عاتقها أثناء الأزمات ومواجهتها جيداً من أجل حماية الشعب، وإدارة
الأزمات لا يكون وقت حدوثها وإنما يكون قبل حدوثها بمواجهتها عن طريق الاستعداد
الجيد لها بتوفير الخدمات اللازمة قبلها. فكل دولة على مدار التاريخ قد تتعرض
لأزمة ما مثل الإعصار، المجاعة، الزلازل، البراكين على حسب موقعها الجغرافي وتاريخ
المنطقة من هذه الكوارث سواء متكررة أو عابرة. ولكن كيف يكون الاستعداد لهذا هو
الأساس.
-يقول النبي
صلى الله عليه وسلم:-
(الناس شركاء
في الماء، الكلأ، النار).
(أيما أهل
عرصة - مجتمع أو قرية - أصبح فيهم أمرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله تعالى).
ويقول عمر
بن الخطاب:-
(لو لم يجد
الناس كفايتهم من القوت فعلى أهل كل بيت أن يستضيفوا مثل عددهم فيقاسموهم أنصاف
بطونهم فإنهم لن يهلكوا على أنصاف بطونهم).
من هنا نعلم
أن وقت الأزمات يجب أن تكون الخدمات الأساسية التي توفرها حكومة الدولة مجانية مثل
المياه والطاقة وهو المقصد من كلمة (النار) بالحديث.
أما الكلأ
وهو الطعام يجب أن تعمل الدولة على توفيره للناس بالمجان خاصة الأساسي منه كالقمح
مثلاً بالتخزين السابق له لما يتم استخدامه على فترات كما حدث بقصة سيدنا يوسف
وتخزين القمح من أجل السنين العجاف والمجاعة بالترشيد والتخطيط الاستراتيجي من أجل
مواجهة الأزمات والكوارث، وأن يساعد الناس بعضهم من أجل التكافل الاجتماعي
والتراحم بين الناس.
وتعمل
الدولة مع توفير هذه السلع والخدمات على مراقبة التجار ومحاسبتهم بقوة لعدم
استغلال أحد للأزمات والمتاجرة بها فيضيع حق الفقير بين الناس ولا يجد ما يسد
حاجته.
وتعمل
الدولة على توفير الرعاية الصحية بتوافر المستشفيات والخدمات الصحية بطريقة كبيرة
وكاملة من قبل حدوث أي أزمة صحية، فتكون الدولة مستعدة لمواجهة الأوبئة والأمراض
ورعاية صحة المواطنين.
وتشجع
الدولة على التكافل الاجتماعي بين الناس بتشجيع الجمعيات الأهلية والمدارس لتربية
الأطفال على التعاون والتضامن الاجتماعي بمساعدة المحتاجين في مقابل درجات تعليمية
أو منح دراسية، وتشجع الشركات على ادخال موظفيها في أوقات خدمية اجتماعية مدفوعة
الأجر في مقابل خصم على الضرائب. وذلك لدعم حب التعاون والتكافل الاجتماعي.
فنجد عمر بن
عبد العزيز يرسل إلى ولاته ويقول لهم: أيما رجل قدم علينا في رد مظلمة أو أمر يصلح
الله به خاصاً أو عاماً من أمر الدين فله ما بين 100 إلى 300 دينار بقدر ما يرى من
الحسنة وبعد الشقة رحم الله أمرؤ لم يتكاءوه (يبطئه) بعد سفر أجل الله يحيي به
حقاً أو يميت به باطلاً أو يفتح به من ورائه خيراً.
وعملاً بقول
الله تعالى:-
(مَنْ
عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ
حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ)
فيكون الدعم
مقابل النفع من أجل بث روح التعاون في أفراد المجتمع، مع دعم الجمعيات الأهلية
ولكن مع الرقابة على مصادر أموالها وجهة إنفاقها. ولكن يجب الوعي بنقطة أن التكافل
الاجتماعي والجمعيات الخيرية دورها مكمل لدور الدولة ومساعد ولا تحل محلها، وأن
الأساس هو أن الدولة هي المسؤولة المسؤولية الكاملة عن المواطن واحتياجاته
الأساسية كاملة وتوفرها له. فدور الدولة خدمة المواطن وليس جباية الضرائب فقط.
فبهذا تكون
مستعدة الدولة لمواجهة أي نوع من أنواع الكوارث والأزمات وإدارتها قبل حدوثها من
أجل الحفاظ على المواطن وحقوقه الإنسانية والشرعية بالدولة، فإن حدث وتفاقمت
الأزمة لا تكون الخسائر فادحة مع الاستعداد السابق لها بل تكون قليلة، ولا يضيع حق
المواطن خصوصاً الفقراء، فيشعر أن الدولة دائماً تقف بجانبه وتراعي حقوقه وكرامته.
وغير ذلك يكون جريمة في حق الفرد المواطن والدولة وهذا هو دور الدولة والحاكم
بتوفير هذه الخدمات للناس.
ومع وجود
الحرية الاقتصادية وحق كل فرد في مزاولة المهنة والتجارة التي يريدها مع وجد
التسهيلات اللازمة لهذا بمساواة بدون فرض سيطرة أو قيد أو وجود امتيازات لأحد على
الآخر أو تسهيل لاحتكار أو قروض، ومع العمل على التنمية الاقتصادية التي تجعل من
الدولة قادرة على إعانة المستضعفين والفقراء والمحتاجين، مع وجود قوانين الضرائب
العادلة بين الناس فلا يتم تقليلها على الأغنياء وزيادتها على الفقراء بل العكس
لتحقيق العدالة الاجتماعية بين أفراد الشعب (كما سنتحدث في الباب الثاني الخاص
بالحياة الاقتصادية).
فبهذا تحمي
الدولة الفقير والطبقة المتوسطة من التآكل، وتعمل على انشاء توازن بين حقوق الفرد
والمجتمع فلا تتغطى إحداهما على الأخرى فيضيع الطرف الآخر بل تحمي المجتمع بحقوق
كاملة للفرد.
وعندما
تتحقق العدالة الاجتماعية يتحقق الاستقرار السياسي والاجتماعي حتى لا ينتشر الفقر،
فيجب على الدولة دعم الفقير وتحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة،
وعليها تشجع المجتمع ليحدث التكافل الاجتماعي بين الناس.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكراً لتعليقكم