17- أهمية
وجود حاكم وتفويضه مساعدين ومتابعته لهم:-
-قال النبي
صلى الله عليه وسلم:-
(إذا خرج
ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم).
(لا يحل
لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمّروا أحدهم).
دليل على
أهمية وضرورة وجود حاكم أو قائد لكل مجموعة تؤول له السلطة ويكون هو المسئول عن
باقي المجموعة والدولة.
(كلكم راع
وكلكم مسئول عن رعيته والإمام راع ومسئول عن رعيته .....).
تأكيداً على
أهمية وجود حاكم تؤول له الأمور ويفض في النزاعات والأحكام ويرجع له الإدارة وأخذ
القرار وحفظ النظام حتى لو كان عدد الأفراد قليل. ولأهمية الحاكم ودوره في متابعة
مساعدينه وكيف أنه المسؤول الأول بمسؤولية تامة عن أفعالهم فعليه مراقبتهم، وهذا
حتى لا يتصرف الحكام والنواب والوزراء كما يشاؤون دون رقيب أو حسيب فينتشر الفساد،
وهذه المسؤولية الكبيرة تكون مع خدمتهم وتحقيق وظيفة الدولة بالأسس التي تحدثنا عنها
وما سنتحدث عنها وبجانبها مراقبة من ينوب عنه من وزراء وغيرهم.
وبالطبع
يكون الاختيار بالتوافق والترشيح أي بالانتخاب، ومن يعترض له حقوقه (الحقوق
السياسية) ولكن دون حدوث فتنة وإنما بحدوث توافق.
-فقال النبي
صلى الله عليه وسلم:-
(إذا بويع
لخليفتين فقتلوا الأخير منهما).
(إن بويع
لفرد وثار الآخر فقتلوه).
وهذا يكون
بعد حدوث الانتخابات وانتخاب الأغلبية فرداً من المرشحين فإن رفض الآخر النتيجة
وحاول إثارة البلبلة والفتنة وجب قتله أو اعتقاله إن لم يوافق بالحسنى على القبول
برأي الأغلبية من الشعب، وهذا حتى لا يحدث انقسام وفتنة بالدولة قد تؤدي إلى حروب
أهلية وكوارث.
قول أبو بكر
عندما تولى الحكم:-
(أني وليت
عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسات فقوموني. القوي فيكم ضعيف عندي حتى
آخذ الحق منه والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له).
ليبين
مسئولية الحاكم للشعب وأنه موكل له حماية كل مواطن فلذا وجب وجوده في الدولة حتى
لا يجور أحد على غيره فهو المسؤول الأول عنه، وعليه يتحمل تبعات قراراته، ويجب
محاسبته إن أخطأ.
قال الصحابي
سعيد بن زيد عن موقف السقيفة بعد موت الرسول:-
(كرهوا أن
يبقوا بعض يوم بلا إمام وفي رواية ليسوا في جماعة).
لضرورة
تولية حاكم ليتجمع عليه الناس ولا يحدث تفرقة للأمة.
فالولاية
واجب مدني قبل كل شيء لأنها تتم لمصلحة الأمة وإدارة شئونها وبالتالي لاتساع
الدولة وكثرة وظائفها ومسؤولياتها فلابد أن ينيب الحاكم من يريد على الولايات بموافقة
أهل هذه الولايات أو الوزارات لتسهيل وإسراع العمل. ولكن هنا نؤكد على أهمية اختيار
بطانة الحاكم ونوابه ومساعديه وأهمية متابعتهم والسؤال عنهم.
-فقال النبي
صلى الله عليه وسلم:-
(ما من وال
إلا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالاً -أي
لا تدخر جهداً في إفساده- فمن وقى شرها فقد وقى).
(إذا أراد
الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدق إن نسى ذكره وإن ذكر أعانه وإذا أراد الله به
غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسى لم يذكره وإن ذكر لم يعنه).
وهذا
للتأكيد على ضرورة وجود المساعدين للحاكم والاختيار الأمثل لهم لأنهم من يساعدوه
على الإصلاح أو الإفساد وأن يكون الاختيار بمعيار الكفاءة والخبرة وليس بالمحاباة
أو للقرابة.
-وقال النبي
صلى الله عليه وسلم:-
(من ولى من
أمور المسلمين شيئاً فأمر عليهم أحداً محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه
صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم).
(من ولى من
أمر المسلمين شيئاً فولى رجلاً وهو يجد من أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله
وقد باء بسخط الله).
(أيما رجلاً
استعمل رجلاً على عشرة أنفس علم أن في العشرة أفضل ممن استعمل فقد غش الله وغش
رسوله وغش جماع المسلمين).
(من ولى من
أمر المسلمين شيئاً فولى رجلاً لمودة أو قرابة بينهما فقد خان الله ورسوله).
فضرورة على
الحاكم أن يقوم باختيار نوابه ومساعديه على أساس الكفاءة والخبرة والأفضل إفادة
للدولة ومصلحة الأمة وليس على أساس الثقة أو القرابة والمحسوبية فهذا يفتح باب
الفساد والمحسوبية ومنها إلى سقوط الدولة في بئر الفساد والدمار بسبب عدم الاعتماد
على أهل الخبرة والكفاءة.
-قال النبي
صلى الله عليه وسلم:-
(إياك
وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب).
موصياً
عماله وولاته من أجل تحقيق العدل وعدم الظلم وعدم الفساد.
قال عمر بن
الخطاب:-
(افتح لهم
بابك وباشر أمورهم بنفسك فإنما أنت رجل منهم غير أن الله جعلك أثقلهم حملاً).
وبعث عمر بن
الخطاب وهو الخليفة لعمرو بن العاص والي مصر وقال له (ماذا تفعل إذا جاءك سارق؟
قال: أقطع يده. فقال له: وأنا إذا جاءني جائع من عندك قطعت يدك).
دليل على
متابعة الولاة والوزراء والضرب على أيديهم حتى يعدلوا ولا يسرقوا ومحاسبتهم بقوة.
وعندما اتخذ
عمرو بن العاص منبراً يكلم الناس من عليه كتب إليه عمر بن الخطاب:-
(أما بعد
فقد بلغني أنك اتخذت منبراً ترقى به على رقاب المسلمين أو ما يكفيك أن تكون قائماً
والمسلمين تحت عقبك؟ فعزمت عليك ألا ما كسرته).
محثاً على
التواضع وتأكيداً أن الحاكم خادم لشعبه وفكرة محاسبة النواب على كل فعل.
قال عمر بن
الخطاب لأصحابه:-
(أرأيتم إذا
استعملت عليكم خير من أعلم ثم أمرته بالعدل أيبرئ ذلك ذمتي؟ فقال أصحابه نعم فيقول
كلا حتى أنظر في عمله أعمل بما أمرته أم لا).
(أيما عامل
لي ظلم أحداً وبلغتني مظلمته فلم أغيرها فأنا ظلمته).
وخطب عمر بن
الخطاب يوماً قائلاً:-
(اللهم
أشهدك على أمراء الأمصار فقد بعثتهم ليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم ويقيموا بهم
الصلاة ويقضوا بينهم بالحق ويقسموا بينهم بالعدل ويعدلوا في معاملتهم فإن أشكل -التبس-
عليهم شيء رفعوه إلي).
وكان يجمع
ولاته دائماً ليوصيهم ويحذرهم من الانحراف والظلم وكان يخطب فيهم إحدى المرات
وقال:-
(والله ما
أرسلتكم لتضربوا أبشار الناس ولكن أرسلتكم لتعلموهم أمر دينهم والله لا أوتي بوال
ضرب رعيته من غير حد إلا ضربته).
وكان يقول
للناس:-
(إني لم
أستعمل عليكم عمالي ليضربوا أبشاركم ويشتموا أعراضكم ويأخذوا أموالكم، ولكن
استعملتهم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم. فمن ظلمه عامله بمظلمة فليرفعها إلي حتى
أقصه منه).
لمتابعة
أحكامهم في الناس وإقامة العدل بين الشعب حتى لا ينفر أحد من الأمة.
وكان يتابع
ولاته ويسأل عنهم أفراد الشعب فحدث أن زاره وفد أهل من حمص فسألهم عن واليهم (عبد
الله بن قرط) فيقولون: خير أمير يا أمير المؤمنين لولا أنه قد بني لنفسه داراً
فارهة فيرد: داراً فارهة! يتشامخ بها على الناس؟ بخ بخ لابن قرط.
ثم يرسل إليه
رسولاً ويقول له ابدأ بالدار فأحرق بابها ثم إئتني به إلي فسافر المرسال وعاد إلى
المدينة بابن قرط فيمتنع عمر عن لقائه ثلاثة أيام وفي الرابع يقابله بمكان اسمه
(الحرة) تعيش به إبل الصدقة وأغنامها وعندما جاءه أمره عمر أن يخلع حلته ويلبس
مكانها لباس الرعاة ويقول له: هذا خير مما كان يلبس أبوك. ثم ناوله العصا ويقول له:
وهذه خير من العصا التي كان أبوك يهش بها على غنمه. ثم يشر بيده إلى الإبل ويقول
له: اتبعها وارعها يا عبد الله. ثم يستدعيه بعد حين ويقول له معاتباً: هل أرسلتك
لتشيد وتبني؟ ارجع إلى عملك ولا تعد لما فعلت أبداً.
فرغم شهادة
الناس للرجل بالخير إلا أنه عندما تكبر وشيد قصراً فعل معه ما فعله ليعلمه أن لا
يتكبر على أحد أبداً وأنه موظف لدى الشعب لا ينفصل عنهم ولا يعتزل.
وجاء إلى
عمر أهل من العراق يشتكون أن واليه هناك لا يخرج لهم إلا ساعة بالنهار فأتى به
وسأله عن هذا فقال له إني أرعى أمور الناس بالنهار وبالليل أصلي ثم أغسل ثوبي وأنتظره
حتى ينشف لأخرج لهم فأرعي مصالحهم.
وعندما كثرت
الشكاوي في أحد عماله من الناس أرسل له قائلاً:-
(كثر شاكوك
وقل شاكروك، فإما اعتدلت وإما اعتزلت).
دليل على
متابعة رأي الشعب في النواب والمساعدين ومحاسبة كل فرد منهم على أفعاله في حق
الشعب وأن الحاكم هو المسؤول الأول عنهم.
وقال عمر
لولاته:-
(إنما
بعثناكم ولاة ولم نبعثكم تجاراً).
فحدث أن كتب
عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص وقال:-
(من عبد
الله بن عمر إلى عمرو بن العاص. سلام عليك... فإنه بلغني أنه فشت لك فاشة من خيل
وإبل وغنم وبقر وعبيد، وعهدي بك قبل ذلك أن لا مال لك، فأكتب إلي: من أين أصل هذا
المال؟ ولا تكتمه).
فكتب له
عمرو بن العاص:-
(إلى عبد
الله أمير المؤمنين. سلام عليك... فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما
بعد.
فإنه أتاني
كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه ما فشا لي، وأنه يعرفني قبل ذلك لا مال لي، وإني أعلم
أمير المؤمنين أني بأرض السعر فيها رخيص، وأني أعالج من الحرفة والزراعة ما يعالج
أهلها، وفي رزق أمير المؤمنين سعة، والله لو رأيت خيانتك حلالاً ما خنتك، فأقصر
أيها الرجل، فإن لنا أحساباً هي خير من العمل لك، فإن رجعنا إليها عشنا بها).
فكتب إليه
عمر:-
(أما بعد.
فإني والله ما أنا من أساطيرك التي تسطر، ونسقك الكلام في غير مرجع، لا يغني عنك
أن تذكي نفسك، وقد بعثت إليك محمد بن سلمة، فشاطره مالك، فإنكم أيها الرهط من
الأمراء جلستم على عيون المال، لم يزعكم عذر، تجمعون لأبنائكم وتمهدون لأنفسكم،
أما إنكم تجمعون العار، وتورثون النار.. والسلام).
ومع أبو
هريرة والي البحرين صادر عمر بن الخطاب ما زاد عن مرتبه، وعندما رفض أبو هريرة
نهره عمر وقال له: ليس لك ذلك.
وأيضاً فعل
مع سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن أبي سفيان، والحرث بن وهب وكل والي يحصي ماله فيجد
زيادة عن راتبه من التجارة.
وهذا لعدم اشتغال
الولاة والنواب والحكام والوزراء وكل أصحاب السلطة بالتجارة. إحصاء أموال الحكام
والولاة وموظفين الدولة كما كان يفعل عمر بن الخطاب وأن لا يتعاملوا بالتجارة حتى
لا تستخدم سلطتهم ونفوذهم ويتم الإضرار بمصالح الشعب، وحتى لا ينشغلوا بالتجارة عن
مصلحة الأمة ومحاسبتهم عليها وأخذها فكان بمثابة قانون للكسب.
وهذا لأن
علم أهل الحكم بالقوانين واستخدامهم للنفوذ يؤدي إلى تضارب المصالح واستغلال الشعب
واحتكاره للبضائع فيمنع عليهم وعلى أقاربهم من الدرجة الأولى التعامل بالتجارة
لعدم استغلال النفوذ.
فكان يندب
وكيلاً يجمع شكاوي الناس منهم والتحقيق والمراقبة على نوابه لاستيفاء البحث وعد
أموالهم ومراقبتها وكان يصادر أموالهم إن وجد فيها زيادة عن ما كان أحصاه عند
توليهم المنصب غير العقاب على أخطائهم.
وكما في موقفه
مع عمرو بن العاص حين وفد عليه من مصر فتى مكروب يقول له يا أمير المؤمنين هذا
مقام العائذ بك ويقول له أن محمد بن عمرو بن العاص قد أوجعه ضرباً لأنه سابقه
فسبقه فعلا ظهره بالسوط وهو يقول خذها وأنا ابن الأكرمين فأرسل يدعو عمرو بن العاص
ومحمد ابنه ويروى أنس بن مالك فيقول: ... فو الله إنا لجلوس عند عمر وإذا عمرو بن
العاص يقبل في أزار ورداء فجعل عمر يتلفت باحثاً عن ابنه محمد فإذا هو خلف أبيه
فنادى عمر أين المصري فقال ها أنا ذا يا أمير المؤمنين قال عمر خذ الدرة وأضرب بها
ابن الأكرمين فجعل يضربه وعمر يقول اضرب ابن الأكرمين ثم قال عمر للمصري: أجلها
على صلعة عمرو فو الله ما ضربك إلا بفضل سلطانه. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين قد استوفيت
واشتفيت وضربت من ضربني. فقال عمر: أما والله لو ضربته ما حلنا بينك وبينه حتى
تكون أنت الذي تدعه ثم التفت إلى عمرو وقال: يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد
ولدتهم أمهاتهم أحراراً، والتفت للمصري وقال له: انصرف راشداً فإن رابك ريب فأكتب
إلي.
ليطمئن
المشتكي أن لن تضره شكواه وليدلل على ضرورة عقوبة المخطئ مهما كانت مكانته فهذا
عمرو بن العاص سلطانه جعل ابنه يتكبر ويظلم فعاقبهم حتى لا يحدث هذا مرة أخرى
وتأكيداً على المساواة بين الجميع أمام القانون وعدم التجبر ومتابعة نواب ومساعدين
الحاكم وعقابهم على أفعالهم وأفعال ذويهم فتجبرهم كان بناءً على جبروت آبائهم.
وروى عن أبي وائل شقيق أسامة بن زيد أن عمر بن
الخطاب استعمل بشر بن عاصم على صدقات هوازن فتخلف بشر فلقيه عمر فقال له ما خلفك؟
أما لنا سمعاً وطاعة؟ قال بلى ولكن سمعت رسول الله يقول (من ولى شيئاً من أمر
المسلمين أتى به يوم القيامة حتى يوقف على جسر جهنم فإن كان محسناً نجا وإن كان
مسيئاً انخرق به الجسر -انشق- فهو فيه سبعين خريفاً). قال فخرج عمر كئيباً محزوناً
فلقيه أبا ذر فقال له مالي أراك كئيباً حزيناً؟ فقال مالي لا أكون كئيبا حزيناً؟
وقد سمعت بشر بن عاصم يقول سمعت رسول الله يقول (الحديث السابق) فقال أبا ذر أو ما
سمعته من رسول الله قال عمر لا فقال أبا ذر أشهد أني سمعت رسول الله يقول (من ولى
أحد من المسلمين أتى به يوم القيامة حتى يوقف على جسر جهنم فإن كان محسناً نجا وإن
كان مسيئاً انخرق به الجسر فهوى فيه سبعين خريفاً وهي جهنم سوداء مظلمة) فأي
الحديثين أوجع لقلبك؟ قال كلاهما قد أوجع قلبي فمن يأخذها (الولاية) بما فيها؟
فقال أبا ذر من سلت الله أنفه وألصق خده بالأرض أما أن لا تعلم إلا خيراً وعسا أن
وليتها من لا يعدل فيها أن لا تنجو من إثمها.
وهذا لنرى
عظم الحكم و إن الحاكم ليس أفضل من أحد ولكنه أثقل الناس هماً بها وعليه أن يعمل
على حفظ حقوق الشعب.
وكان يدور على ولاته ويزورهم حتى أن زياراته
تكون فجائية فيتوقع الوالي أن يهبط عليه عمر في أي وقت أو يرسل مكانه أحد من
معاونيه للسؤال عن الولاة فيجبره هذا على العمل بجد وصلاح طوال الوقت وكان في
مواسم الحج يسأل الولاة عن الناس في ولايته ويسأل الناس عن الولاة ليستعلم عن الحق
في أفعال الجميع.
وكان عمر
إذا استعمل عاملا: كتب له عهداً وأشهد عليه رهطاً من المهاجرين، واشترط عليه أن لا
يركب برذونا، ولا يأكل نقيا، ولا يلبس رقيقا، ولا يغلق بابه دون ذوي الحاجات. فإن فعل شيئا من ذلك، حملت عليه العقوبة.
فكان كقسم
للحفاظ على الأمة وأموالها وحقوق الشعب.
فوضع عمر
شروط للقضاة والولاة فكما رأينا برسائل عمر للقضاة نجد انه أوصى عمر الخليفة الذي
سيخلفه في قيادة الأمة بوصية قال فيها:-
(أوصيك
بتقوى الله وحده لا شريك له، وأوصيك بالمهاجرين الأولين خيرا؛ أن تعرف لهم
سابقتهم، وأوصيك بالأنصار خيرا، فاقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم. وأوصيك بأهل
الأمصار خيرا، فإنهم ردء العدو، وجباة الفيء، لا تحمل منهم إلا عن فضل منهم،
وأوصيك بأهل البادية خيرا، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام، أن تأخذ من حواشي
أموالهم فترد على فقرائهم. وأوصيك بأهل الذمة خيرا؛ أن تقاتل من وراءهم، ولا
تكلفهم فوق طاقتهم، إذا أدوا ما عليهم للمؤمنين طوعا، أو عن يد وهم صاغرون. وأوصيك
بتقوى الله والحذر منه، ومخافة مقته أن يطلع منك على ريبة، وأوصيك أن تخشى الله في
الناس ولا تخشى الناس في الله، وأوصيك بالعدل في الرعية، والتفرغ لحوائجهم وثغورك،
ولا تؤثر غنيهم على فقيرهم؛ فإن في ذلك -بإذن الله- سلامة لقلبك وحطًّا لوزرك،
وخيرا في عاقبة أمرك حتى تفضي في ذلك إلى من يعرف سريرتك ويحول بينك وبين قلبك،
وآمرك أن تشتد في أمر الله وفي حدوده ومعاصيه على قريب الناس وبعيدهم، ثم لا تأخذك
في أحد الرأفة حتى تنتهك منه مثل جرمه، واجعل الناس عندك سواء، لا تبالِ على مَنْ
وجب الحق، ولا تأخذك في الله لومة لائم، وإياك والمحاباة فيما ولاك الله مما أفاء
على المؤمنين فتجور وتظلم وتحرم نفسك من ذلك ما قد وسعه الله عليك، وقد أصبحت
بمنزلة من منازل الدنيا والآخرة، فإن اقترفت لدنياك عدلا وعفة عما بسط لك اقترفت
به إيمانا ورضوانا، وإن غلبك الهوى اقترفت به غضب الله. وأوصيك ألا ترخص لنفسك ولا
لغيرك في ظلم أهل الذمة، وقد أوصيتك وخصصتك ونصحتك، فابتغ بذلك وجه الله والدار
الآخرة، واخترت من دلالتك ما كنت دالا عليه نفسي وولدي، فإن عملت بالذي وعظتك،
وانتهيت إلى الذي أمرتك أخذت منه نصيبا وافرا وحظا وافيا، وإن لم تقبل ذلك ولم
يهمك، ولم تترك معاظم الأمور عند الذي يرضى به الله عنك، يكن ذلك بك انتقاصا،
ورأيك فيه مدخولا؛ لأن الأهواء مشتركة، ورأس الخطيئة إبليس داع إلى كل مهلكة، وقد
أضل القرون السالفة قبلك فأوردهم النار وبئس المورود، وبئس الثمن أن يكون حظ امرئ
موالاة لعدو الله الداعي إلى معاصيه. ثم اركب الحق، وخض إليه الغمرات، وكن واعظا
لنفسك. وأناشدك الله إلا ترحمت على جماعة المسلمين، وأجللت كبيرهم، ورحمت صغيرهم،
ووقرت عالمهم، ولا تضر بهم فيذلوا، ولا تستأثر عليهم بالفيء فتغضبهم، ولا تحرمهم
عطاياهم عند محلها فتفقرهم، ولا تجمِّرهم في البعوث فينقطع نسلهم، ولا تجعل المال
دولة بين الأغنياء منهم، ولا تغلق بابك دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم، هذه وصيتي إليك،
وأشهد الله عليك وأقرأ عليك السلام).
ووصى عمر بن
لخطاب ولاته أيضاً بقوله:-
اتبعوا ما
أحل الله وحرموا ما حرم، واعترفوا بحق الله تعالى، واحكموا بما أنزل، وافتحوا
للمسلمين باب الهجرة، ودعوا الناس يتجرون بأموالهم في البر والبحر، ولا تحولوا بين
عباد الله ومعايشهم، أبيحوا أرض الحمى للمسلمين عامة -أرض المراعي- وليكن حق
الأمير فيه كحق واحد منكم، الخمر باب الخطايا فحرموا كل مُسكِر، كافحوا التطفيف في
المكيال والبخس في الميزان، لا تتاجروا وأنتم ولاة، فإن الأمير إذا اشتغل بالتجارة
استأثر وأصاب ظلماً، وإن حرص على ألا يفعل، لا تأخذوا من أموال الناس إلا الحق
الذي شرعه الله، وما عدا ذلك فضعوه كله، لا أفرق بين مسلم وأهل كتاب، ضعوا السخرة
عن الناس وليكن لكل عمل أجره -عمل بلا أجر لا يوجد- ردوا المزارع لما خلقت له فإنما
جعلت لأرزاق المسلمين كافة، لا تتخذوا على أبوابكم حُجاباً يمنعون عنكم ذوي
الحاجات والمظلومين، اقمعوا صوت العصبية والقبلية، ولا تدعوا الناس يقول أحدهم:
أنا مضري وآخر أنا يمني فالمؤمنون أخوة، الخيل عدة الجهاد فلا تدعوها تركض في غير
حق، امنعوا النساء أن ينشرن شعورهن، ويخرجن نائحات على الموتى، قاتلوا هواكم كما
تقاتلون أعداءكم، سددوا المخالفين وبصروهن وارفقوا بهم وعلموهم، فإن اهتدوا كانت
نعمة من الله وفضل، وإن أبوا فتحروا الحق فيما تنزلون بهم من عقاب -هذه وصايا
للولاة- أكثروا من دعاء الله بالعافية لأنفسكم ولمن ولاكم الله أمره، فإن لكم في
إصلاحكم أكثر مما لهم، وعليكم من فسادهم أكثر مما عليهم، تعاهدوا حجابكم ورؤساء
حرسكم وشرطكم والعاملين معكم، وأكثروا المساءلة عنهم حتى تستيقنوا أنهم لا يرتكبون
غشماً ولا ظلماً، لا يأخذنكم الزهو بنظر الناس إليكم، وبحديثهم عنكم، ودعوا أعينكم
على الذي هو أمر وأتقى وأخلصوا لله رب العالمين -أي حديث الناس عليكم لا يغنيكم من
الله شيئاً-، اتركوا
أعمالكم عند حضور الصلاة فإن من أضاع الصلاة كان لما سواها أضيع، تحروا الحق ثم اعملوا
به بالغاً ما بلغ به وبكم حتى وإن ذهب بحياتنا وبمهج أنفسنا.
وقال أيضاً:
الزم خمس خصال يسلم لك دينك، وتأخذ فيه بأفضل حظك إذا تقدم إليك خصمان فعليك
بالبينة العادلة أو اليمين القاطعة، وأدن الضعيف حتى يشتد قلبه وينبسط لسانه، وتعهد
الغريب فإنك إن لم تتعهده ترك حقه ورجع إلى أهله وإنما ضياع حقه من لم يرفق به وأس
بين الناس في لحظك وطرفك وعليك بالصلح بين الناس ما لم يستدنوا لك فصل القضاء.
وكانت
رسالته لأبو موسى الأشعري وهو وال من ولاته:-
أما بعد:
فإن للناس نُفرَة من سلطاتهم، فأعوذ بالله أن تدركني وإياك عمياء مجهولة، وضغائن
محمولة، وأهواء متبعة، ودنيا مؤثرة. فأقم الحدود ولو ساعة من النهار. وإن عرض لك
أمران: أحدهما لله، والآخر للدنيا. فآثر نصيبك من الآخرة على نصيبك من الدنيا. فإن
الدنيا تنفد والآخرة تبقى. وكن من خشية الله على وجل. وأَخفً الفسّاق واجعلهم يداً
يداً، ورجلاً رجلاً. وإذا كانت بين القبائل نائرة وتداعوا: يا لفلان، فإنما تلك
نجوى الشيطان، فاضربهم بالسيف حتى يفيئوا إلى أمر الله، وحتى تكون دعوتهم إلى الله
وإلى الإسلام، واستدم النعمة بالشكر، والطاعة بالتآلف، والمقدرة والنصرة بالتواضع
والمحبة للناس. وقد بلغ أمير
المؤمنين أنّ ضبّة تدعو: يا لَضبّة، وإني والله ما أعلم أنّ ضبّة ساق الله بها
خيراً قط، ولا منع منها من سوء قط، فإذا جاءك كتابي فانتهكهم عقوبة حتى يتفرَّقوا
إن لم يفقهوا، والصق بغيلان بن خرشة من بينهم، وعُدْ مرضى المسلمين، واشهد جنائزهم،
وافتح بابك لهم، وباشر أمرهم بنفسك ، فإنما أنت أمرؤ منهم، غير أن الله جعلك أثقل
حملاً. وقد بلغ أمير المؤمنين أنه فشت لك ولأهل بيتك هيئة في لباسك ومطعمك ومركبك
ليس للمسلمين مثلها، فإياك يا عبد الله أن تكون بمنزلة البهيمة التي مرت بواد خصب،
فلم يكن لها هًمّة إلا السًّمن، وإنما حتفها في السًّمن. واعلم أنّ للعامل مردّاً
إلى الله، فإذا زاغ العامل زاغت رعيّته وإنّ أشقى الناس من شقيت به رعيته. والسلام.
فكان هذا
أساس الإدارة وحقوق المواطن وواجبات الحاكم وشروط نواب الحاكم ومساعدينه. وكيف
أنهم مسؤولين عن كل فرد بالدولة حتى في فساده فيكون الحكام هم المسؤولين، وكيفية
الرقابة على أعوانهم ومساءلتهم، وكيفية التعامل مع الناس لحماية الشعوب وحقوقهم
وإقامة العدل والمساواة بينهم.
ونجد عمر بن عبد العزيز جعل مزاحم خادمه يختبر
بلال بن أبي بردة ويقول له ماذا بي إن رميت بك (رشحتك) على أحد العراقيين فقال له
ثلاثون ألف لك وأربعون إذا قدمت البلد والأمر لك فرجع إلى عمر فقال له عدو الله.
فهذا كله تأكيداً
على أهمية أن يكون الحاكم دائماً مسئولاً عن من يعينهم نواب عنه وأنه المسئول الأول
عن أياً من قضايا الشعب التي يقف أمامها نوابه ويكون متصلاً بشعبه.
وكل هذه الأدلة
على أهمية اختيار الحاشية والوزراء والنواب والمساعدين بطريقة سليمة، لأنهم سبب
رئيسي في الفساد إن فسدوا وفي الإصلاح إن صلحوا مع ضرورة مراقبتهم ومتابعتهم
ومحاسبتهم بشدة حتى يكونون عبرة ولا يزيد بهم الأمر للتطاول على الناس واستعبادهم
إذا لم يحاسبوا على أفعالهم.
وإنه لابد
على الحاكم أن يختار فريق عمل أكاديمي على أساس الكفاءة والخبرة يعمل معه، ويكون
منتشر على مستوى سلطات الدولة وفي كل المصالح على مستوى القيادات والقواعد ليكونوا
مساعدين له قادرين على الإمساك بزمام الأمور وإدارة الدولة بطريقة أكاديمية صحيحة والانتشار
في الدولة.
والهدف من الانتشار
على مستويات الدولة هو مراقبة الإدارة بعيون للحاكم في كل أمر من أمور الدولة وهذا
يتحقق بالأحزاب ومنظمات المجتمع المدني.
وأن الحاكم
هو المسؤول الأول عن أي قرار يأخذه أو خطأ من نوابه ومساعديه فهو يعمل ويراقبهم ويحاسبهم،
وتراقبه السلطة التشريعية ومنظمات المجتمع المدني والشعب نفسه صاحب الحق والسلطة.
فيراقبهم ويحاسبهم لأن الحاكم مسؤول عن تبعات قراراته.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكراً لتعليقكم