فلسفة الفكر الإسلامي 16 (البيعة والانتخابات)


 

١٥-البيعة والانتخابات:-

 

في البداية نوضح أن الأسس في الفكرتين (البيعة، الانتخاب) واحدة من حيث ممارسة الحقوق السياسية الفردية والشفافية وأن الاختلاف في طرق التطبيق كانت على حسب ظهور الفكرة على حسب العصر التي طبقت فيه. ففي الحالتين المقصد والهدف هو حصول كل فرد بالدولة على حقوقه السياسية كاملة والوصول لصوت كل فرد في الدولة في اختيار الحاكم أو من ينوب عن الشعب في المجالس التشريعية النيابية ووجود عقد بين الطرفين الناخب والمنتخب يتفق عليه الطرفان بناءً على برنامج المرشح واختيار الناخب له ويكون صاحب الحق والسلطة (الناخب) الحق في إلغاء العقد في حالة إخلاء (المنتخب) لشروط البيعة والانتخاب بعدم تنفيذه للبرنامج المتفق عليه والذي بناءً عليه حصل على أصوات الناخبين وهذا هو حق الشعب كما وضحنا بنقطة (الشعب مصدر السلطات بهذا الباب).

 ونوضح أن البيعة كانت في وقتها هي الطريقة المطبقة للوصول إلى أصوات أفراد الشعب والحصول على موافقتهم في عصر لم يكن يحدث أن يتم أخذ برأي الشعب في تعيين الحاكم وإنما كانت بالتوريث أو التعيين وهو نفس هدف الانتخابات الحديثة.

وكما رأينا في نقطة الحقوق السياسية أن الشعب استخدم حقه السياسي في الانتخاب والاعتراض ورفض بيعة الخليفة أو قبولها كما حدث في خلافة علي بن أبي طال، وإنها كانت تؤخذ عن طريق حاكم كل مدينة بأنه يخطب بالناس ويطلب منهم البيعة للخليفة وهذا ما تحققه الانتخابات الحديثة ولكن بألية أفضل وهي الانتخاب المباشر.

وبالطبع الفكرتان تعتمدان على الدعاية والمناقشات والمناظرات بين المرشحين والتنافس بينهم كما حدث في اجتماع السقيفة كما شرحنا في نقطة (المساواة في الحقوق السياسية) بهذا الباب. فنجد أن هذا الاجتماع (السقيفة) كان بمثابة جمعية تأسيسية وطنية تتشاور في تحديد مصير أمة وانتخاب حاكم لها مستخدمة كل أساليب الانتخابات الحديثة من تقديم مرشح لنفسه واعتراضات من مجموعة وحزب آخر بتقديم مرشح ومناقشات ومناظرة بين المرشحين وبالنهاية توافق بين المتنافسين على حكومة ائتلافية (منا الأمراء ومنكم الوزراء) بقول أبو بكر.

فالبيعة هي نظام انتخابي ديمقراطي قديم على قدر المتاح من الإمكانيات للوصول إلى أصوات الناخبين فلذا هي شبيهة بالانتخابات وتكون الانتخابات بيعة حديثة بطرق أفضل وأمثل للوقت الحاضر باختلاف المسميات.

والانتخابات هي الطريقة الأفضل من البيعة في العهد الحاضر للوصول إلى صوت كل فرد ولأنها في نفس الوقت تعتمد على نفس أسس البيعة من استخدام الحقوق السياسية والشفافية وتعمل على تحقيق الشورى وحصول كل فرد على حقوقه السياسية كاملة وتحقيق المساواة فيها. وبالطبع لصحة نسبها وقدرتها على الوصول لكل أفراد الشعب فتكون هي الطريقة الأمثل للاستخدام في السياسة.

والاثنان هدفهم وضع العقد بين الشعب والحاكم من حيث إدارته لشؤون الدولة، وطاعة الشعب له طالما ينفذ هذا العقد ويحقق أهدافه، وبهذا تطبق نظرية العقد الاجتماعي بأن يختار الشعب الحاكم والنواب ويقيلهم ويرفض انتخابهم ويسقطهم حتى لو بالثورة عليهم إن أخلوا بشروط العقد والبرامج الانتخابية وتمادوا بالظلم والفساد كما أوضحنا بالسابق.

فالأهم في الموضوع هو تطبيق الطريقة الأمثل والأضمن لتحقيق أعلى نسبة صحيحة للوصول لأصوات الناخبين وتحقيق الحقوق السياسية فالغاية واحدة في الفكرتين ولكن نطبق ما هو أفضل لتحقيق الغاية وهي الانتخاب الحر بالصناديق.

فالفكر الإسلامي لم يحدد نظام بعينه بل أن فلسفة الفكر الإسلامي وضعت أسس من أجل ضمان الشفافية والمصداقية وترك الوسيلة للعقل يحددها على حسب تطور العقل والزمن. واستحداثها من الغير ليس عيباً طالما تفيد الدولة وتنظمها مثلما استحدث عمر بن الخطاب نظام الدواوين لتنظيم إدارة الدولة.

-قال النبي صلي الله عليه وسلم:-

(الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها يأخذها» وفي رواية أنى وجدها أخذ بها).

ولكن نوضح أن المنهج الإسلامي هنا لم يساوي بين رأي العالم والجاهل فإن كان أعطى الحق في الانتخاب للناس أجمعين ولكن وضع الأمر عند الإدارة والرقابة والتشريع في يد أهل الحل أو العقد والشورى (المجالس التشريعية) وهم أهل الخبرة والعلم والأمر لهم بالنهاية وهم الذين اختارهم الشعب صاحب السلطة كما شرحنا بنقطة (الشعب مصدر السلطات) مستخدماً حقوقه السياسية على أساس الكفاءة والخبرة.

فيعمل الفكر الإسلامي على جعل الناخب ذو وعي سياسي ليختار على أساس الكفاءة والخبرة والأمانة من يريد لمناصب الدولة المختلفة فتتكون بهذا حكومة تكنوقراط أي حكومة كفاءة وخبرة بطريقة ديمقراطية أي باختيار الأغلبية من الشعب على حسب المفاهيم الحديثة.

-شروط الاختيار:-

-قال الله تعالى:-

(قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)

-قال النبي صلى الله عليه وسلم:-

(قال لأبي ذرٍ رضي الله عنه، قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَلاَ تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَىَ مَنْكِبِي. ثُمّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرَ إنّكَ ضَعِيفٌ وَإنّهَا أَمَانَةٌ، وَإنّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إلاّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقّهَا وَأَدّى الّذِي عَلَيْهِ فِيهَا).

(من ولي من أمر المسلمين شيئا، فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله).

(من قلد رجلا عملا على عصابة، وهو يجد في تلك العصابة أرضى منه، فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين).

فيجب الاختيار على أساس العلم والبرنامج الانتخابي والقوة والكفاءة والخبرة والقدرة على تولي أمر وشؤون الناس، وليس على أساس المحسوبية أو القرابة والعصبية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم