فلسفة الفكر الإسلامي 21 (هدايا الحكومة، التعامل التجاري لأهل السياسة)

 


 

20- هدايا الحكومة ملك للدولة:-

 

عندما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بأن أحد الولاة أخذ مالاً كهدية قال له:-

(كيف تأخذ ما ليس لك بحق فقال له لقد كانت هدية يا رسول الله فقام إلى المنبر وقال-أرأيت لو قعد أحدكم في داره ولم نوله عملاً أكان الناس يهدونه شيئاً).

ومرة أخرى عندما قال أحد الولاة هذا لي وهذا لبيت المال فقال له عليه السلام:-

(ترى لو كنت في بيت أمك وأبيك أكان يأتيك هذا).

وعندما استعمل الرسول ابن اللتبية على الزكاة والصدقة وقال للنبي: هذا لكم وهذا أهدى لي. فصعد النبي المنبر وقال:-

(أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول: هذا لكم وهذا هدية أهديت إلي أفلا جلس في بيت أبيه أو أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً؟ والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقى الله تعالى يحمله يوم القيامة فلا أعرفن أحداً منكم الله يحمل بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر).

(من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطاً فما فوقه كان غلولاً).

(من استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول).

والمقصد أن من يتولى أمر في الدولة وينال هدية فهي ليست له لأنه إن لم يكن في هذا المنصب لم يكن أهدي بشيء فلذا تؤل ملكيتها للدولة. ومن هنا نقول أن الهدية لموظف الدولة تعتبر رشوة ومفسدة له إذا لم يعطها للدولة وأعطى في مقابلها خدمة.

 

21- التعامل التجاري لأهل السياسة وأقاربهم:-

 

نجد أن الرسول وهو حاكم الدولة توقف عن رحلاته وأعماله التجارية وأيضاً الخلفاء الراشدين وكانوا ذوي تجارة ومال. فقنن لتوقف عمل أهل السياسة عن العمل التجاري لعدم تضارب المصالح واستغلال النفوذ أو التلاعب بالقوانين لمصلحتهم الشخصية.

وعلى هذا الأساس قام عمر بن الخطاب بمصادرة أي مال زائد عن الولاة والصحابة والأغنياء لمجرد وجود شبهة استفادة من الولاة وأصحاب المناصب ومحاسبتهم ومنع عملهم بالتجارة حتى لا يحدث استغلال لنفوذهم وتضارب المصالح وتطبيقاً لمبدأ تكافؤ الفرص للجميع. وهذا لأنهم لن يجعلوا غيرهم ينال شيء بسبب سلطتهم.

1-   فحدث أن عتبة بن أبي سفيان كان حاكماً على كنانة فجاء ومعه مال كثير فسأله عمر: ما هذا يا عتبة؟ فقال عتبة: هذا مال خرجت به معي وانتفعت به في التجارة. فسأله عمر: وما لك أن تخرج هذا المال معك في هذا الوجه –يقصد التجارة- ؟ ثم أخذ منه نصف ماله.

2-   ومرة ثانية مع عمرو بن العاص عندما عينه والٍ على مصر أن علم أنه صار غنياً فأرسل له رسالة فيها الآتي:-

(أما بعد فقد ظهر لي من مالك ما لم يكن في رزقك ولا كان لك مال قبل أن أستعملك فأنى لك هذا؟ فو الله لو لم يهمني في ذات الله إلا من اختان في مال الله لكثير همي وإنتئر -تفرق- أمري ولقد كان عندي من المهاجرين من هو خير منك ولكني قلدتم رداء غنائك فأكتب إلي:-من أين لك هذا المال؟ وعجل).

فكتب له عمرو بن العاص قائلاً:-

(أما بعد فقد فهمت كتاب أمير المؤمنين فأما ما ظهر لي من مال فإنا قدمنا بلاد رخيصة الأسعار كثيرة الغزو فجعلنا ما أصابنا في الفضول التي تصل لأمير المؤمنين نبؤها و والله لو كانت خيانتك حلالاً ما خنتك وقد ائتمنتني فإن لنا أحساباً إذا رجعنا إليها أغنتنا عن خيانتك وذكرت أن عندك من المهاجرين الأولين من هو خير مني فإذا كان ذاك فو الله ما دققت لك يا أمير المؤمنين باباً ولا فتحت لك قفلاً).

فرد علية عمر بن الخطاب:-

(أما بعد فأني لست من تسطيرك الكتاب وتشقيقك الكلام في شيء ولكنكم معشر الأمراء قعدتم على عيون الأموال ولن تعدموا عذراً وإنما تأكلون النار وتتعجلون العسار وقد وجهت إليك محمد بن مسلمة فسلم إليه شطر مالك–نصفه-)

3-   كان عمر يضع راتب للقضاة كبير فكان سلمان بن ربيعة الباهلي والقاضي شريح راتبهم خمسمائة درهم شهرياً، ولم يكن يسمح لأي قاض بالبيع والشراء والتجارة حتى لا يحدث تضارب في المصالح وفي أحكام القضاء.

-       أهل الحاكم واشتغالهم بالتجارة:-

من الأساس في المنهج الإسلامي أن يتم تطبيق العدل وتكافؤ الفرص والقانون على الجميع وأن يكون أهل الحاكم قدوة لذا كان يمنع على الحكام الاشتغال بالتجارة وبالتالي أبنائهم لعدم استغلال النفوذ عن طريق آبائهم.

وفعل هذا عمر بن الخطاب بابنه عبد الله عندما وجده يملك النوق السمان وقال له: وضعت بالسوق ليقال أسقي وأرعي نوق ابن أمير المؤمنين، فأمره أن يتبرع بها كلها لبيت المال. حتى لا يتم استغلال اسم ونفوذ الأب في زيادة المال.

وحدث أن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبيد الله بن عمر بن الخطاب خرجا في جيش إلى العراق فلما رجعا مرا على أبي موسى الأشعري حاكم البصرة فرحب بهما وأكرمهما وقال لهما: إني أخبركما بأمر ينفعكما إن هنا مالاً من مال الله أريد أن أرسله معكما إلى أمير المؤمنين وأستطيع أن أسلفكما هذا المال ويمكنكما أن تشتريا به بضاعة مما في العراق ثم تبيعا ما تأخذان من التجارة في المدينة وبذلك تربحان منها فتدفعان رأس المال إلى أمير المؤمنين وتأخذان الربح لكما. فقالا: إننا نحب ذلك. ولما وصلا المدينة باعا ما أحضروه من بضاعة وربحا في التجارة وأخبرا أباهما بهذا وردا له رأس المال. فسألهما عمر بن الخطاب:-هل أعطى أبو موسى سلفة لكل من كان بالجيش. فأجاباه: لا إنه لم يعط أحداً غيرنا. فقال عمر: إنه أعطاكما السلفة لأنكما ابنا أمير المؤمنين عمر ويجب أن تدفعا المال والربح الذي حصلتما عليه. فقال عبيد الله: لا ينبغي لك هذا يا أمير المؤمنين لأننا لو خسرنا في التجارة ونقص هذا المال أو ضاع منا لدفعناه وكنا ضامنين إياه. فقال عمر: ادفعا المال وما كسبتاه. فقال أحد الحاضرين: يا أمير المؤمنين هل يمكن أن تأخذ رأس المال ونصف ربحه؟ فقبل عمر هذا الحل.

فمنع الفكر الإسلامي أهل السياسة وأقاربهم من الدرجة الأولى بالعمل بالتجارة والصناعة وأي عمل يمكنهم من استغلال نفوذهم وأموال الدولة والشعب في التجارة ويدر عليهم أموال باسم مناصبهم الحكومية فلا بد أن يمنعوا عن العمل بها حتى لا يحدث استغلال نفوذ وتضارب مصالح لأن علم أهل السياسة بالقوانين مسبقاً غير نفوذهم يؤدي إلى استخدامها لمصلحتهم الخاصة إن كان لهم عمل تجاري. وهذا أيضاً ليسهل مراقبة دخولهم وأموالهم فيكون دخلهم الوحيد من الحكومة وليس من التجارة لأن دخولها متغيرة وضخمة فلا يسهل مراقبة ذمتهم المالية ومحاسبتهم عنها.

فكان هذا أساس قانون من أين لك هذا؟ ومحاسبة الحكام ونوابهم ومساعديهم وعدم اشتغالهم بالتجارة وأيضاً أولادهم وأقاربهم من الدرجة الأولى لعدم استغلال نفوذهم ونفوذ أهلهم.

فلم يدع الفكر الإسلامي ما لقيصر لقيصر بل كان من شأنه أن يحاسب قيصر على ماله ويأخذ على يده في عمله وماله.


22- الشفافية وعدم غش الحاكم للشعب:-

 

-قال النبي صلى الله عليه وسلم:-

(من غشنا فليس منا).

(يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة).

(كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته).

(إيما راع غش رعيته فهو في النار).

(من استرعاه الله رعيه ثم لم يحطها بنصحه إلا حرم الله عليه الجنة).

(ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: ....، الملك الكذاب، ...).

(ما من وال يلي رعيته فيموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة).

(من أخون الخيانة تجارة الوالي في رعيته).

(لا غادر أعظم من أمير عامة).

(لكل غادر لواء يوم القيامة وأكبر لواء غدر أمير عامة).

ونجد موقف النبي في غزوة بدر عندما اختار مكان للعسكرة وسأله (الحباب) عن ما إذا كان اختيار المكان من عند الله أم من عند النبي فكانت إجابة النبي إنه من عنده هو من سبيل المصارحة والشفافية في اتخاذ القرار.

فالمواجهة أفضل من التدليس في اتخاذ قرارات الدولة وهذا لمواجهة الصعاب والسعي الجماعي مع الأمة لإصلاحها باتخاذ القرار الأصوب. وعدم قول الحق للشعب معناه الكذب والغش وتعاظم الخطأ وبهذا يبدأ طريق الانحدار للأمة وبعدها عن بناء الحضارة والتقدم.

وللحاكم أن يجتهد في حكمه ولكن إن أخطأ فعليه بمصارحة الشعب حتى يتداركه ولا يزداد البلاء فقال النبي صلى الله عليه وسلم:-

(إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر).

واجتهاده يكون في الحق والعدل ومحاولة لتنمية وتقدم الدولة.

ولأن الحاكم مؤمن على الشعب فلابد أن لا يخون الأمانة ويحافظ عليها ويصارح الشعب بكل ما في الدولة من أمور ومشاكل لمواجهتها بقوة موحدة وبعمل جماعي مع ضمان حرية نقل المعلومات وتبادل المعلومات بكل مصداقية لحل المشاكل وحرية الرأي وإن فعل غير ذلك فلابد من عزله ومحاكمته لأنه خان أمانة الشعب صاحب السلطة وعهده لهم في وقت انتخابه. فالشفافية تجعل من حرية نقل المعلومات السليمة والمعطيات الصحيحة للمشاكل أن يتم وضع حلول سليمة للمشاكل والبناء الحضاري السوي.

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم