18- الحاكم
قدوة للشعب ومسئول عنه ودوره تجاه الأمة:-
-قال الله
تعالى:-
(لَّسْتَ
عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ).
للتأكيد على
أن الحاكم خادم عند الشعب لا يتحكم فيهم ولا يستبد بهم ولا يعلو عليهم. فدور
الحاكم هو في الأساس دور الدولة ولأن الحاكم هو من يمثلها فلابد أن يحافظ على هذا
الدور ويقوم بتنفيذه على أكمل وجه. ولابد أن يكون الحاكم مثل أعلى وقدوة لشعبه فلا
يصح أن يتمتع الحاكم بالملذات ويترك شعبه يجوع ولنا في رسول الله أسوة حسنة بأفعاله
وأن
لا يعلو على أحد بسلطة أو جاه ويسيطر عليهم.
-يقول النبي
صلى الله عليه وسلم:-
(ما من أمتي
أحد ولى من أمر الناس شيئاً لم يحفظهم بما يحفظ به نفسه إلا لم يجد رائحة الجنة).
(ما من إمام
يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة إلا غلق الله أبواب السماء دون خلته
وحاجته ومسكنته).
(من ولى من
أمر الناس شيئاً فاحتجب عن أولي الضعف والحاجة احتجب الله عنه يوم القيامة).
(من ولاه
الله شيئاً من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته
وخلته وفقره يوم القيامة).
(اللهم من
ولى من أمر هذه الأمة شيئاً فرفق بهم فأرفق به ومن شفق عليهم فأشفق عليه).
(كلكم راع
وكل راع مسؤول عن رعيته، والأمام راع ومسؤول عن رعيته).
ويظهر من
الأحاديث قول النبي كلمة (من ولى أمر الناس، المسلمين، الأمة) وهذا ليعي الحاكم
أنه ليس موجوداً ليحكم الناس وإنما ليدير ويتولى أمورهم كما يرتضوا ولا يتولاهم هم
أنفسهم.
فكان عليه
السلام يعمل ككل البشر ويأكل من عمله متساوياً مع الناس ولأنه كحاكم عليه واجب
للأمة بالعمل. وكان لا يدخل بيته اللحم لمدة شهور بقول السيدة عائشة (لم يكن النار
توقد في دار الرسول لأشهر). وهذا حتى لا يحس الفقراء بفقرهم فعندما يجدون حاكمهم
مثلهم فلا يحبطون.
فيؤسس
المنهج الإسلامي لمبدأ أن الحاكم خادم لشعبه ولابد أن يكون بابه مفتوح له دائما
ويشدد على دور الحاكم لحماية الدولة والضعفاء وطالبي الحاجة من الشعب ويحافظ عليهم
كما يحافظ على نفسه ويكون مثلهم وقدوة لهم. فإن الحاكم مسئول مسئولية كاملة عن
الناس أمام الله فلا يحتجب عنهم ولا يبتعد عنهم ولا يجعل بينه وبينهم باباً مغلقاً
ليستمع منهم عن مشاكلهم وأحوالهم ليدري عنهم كل شيء. فأوجب على الحاكم أن يخدم الأمة
وخاصةً المحتاجين والضعفاء ليدلل على مسؤوليته وربطها بالقيمة الروحية بإرضاء الرب
والرغبة في نيل الجنة وضرورة الاهتمام بهم وعدم الاحتجاب عنهم أبداً لأن الحاكم
خادم للشعب.
فكان النبي
يردد أنه بشر مثل الآخرين مآله الموت وبأنه يطلب العفو والمغفرة من الله عز وجل
وقبل مماته أراد أن يطهر ضميره من كل هفوة أتاها فوقف على المنبر مخاطباً:-
(أيها
المسلمون إذا كنت قد ضربت أحداً فها كم ظهري فليأخذ ثأره أو سلبته مالاً فمالي
ملكه). فوقف رجل معلناً أنه يدينه بثلاثة دراهم. فرد الرسول قائلاً: أن يشعر
الإنسان بالخجل في دنياه خيراً من آخرته) ودفع للرجل دينه في التو.
فضرب المثل
للناس في أهمية رد الحق وإعطاء كل ذي حق حقه ليكون مثلاً لهم وأن الحاكم عليه
للشعب مثل أي فرد وحق محاسبته.
ونجد الرسول يقول لأبا ذر عن الولاية عندما
طلبها:-
(يا أبا ذر إنك
لضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها و أدى الذي
عليه فيها).
لمسئوليتها
الشديدة أمام الله ولأن دور الحاكم مهم ويحتاج لقوة لإدارة الدولة.
-وقال صلى
الله عليه وسلم:-
(من ترك
ضياعاً فإلي وعلي).
(من ترك
كلاً فليأتني فأنا مولاه).
(ابغوني في
ضعفائكم إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم).
لحماية الضعفاء
والمساكين والفقراء والعجزة، فهو حاكم الدولة وكل مواطن بالأمة مسئول منه فيكون هو
الحاكم للدولة المسئول عن المعسور والمديون والمحتاج.
وعندما أمر
أبو بكر بمحاربة مانعي الزكاة وراجعه عمر بن الخطاب حيث أن هؤلاء الناس مسلمين لا
يصح محاربتهم. فاحتج أبو بكر بقوله في الحديث (إلا بحقها) لأن الزكاة حق من حقوق
المسلمين وللحفاظ على أموال الأمة وقال له: لو منعوا عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول
الله لقاتلتهم من أجله.
فعلى الحاكم
أن يتخذ قرارات قوية فيكون الحاكم قوي لمصلحة الأمة. لأن منع الزكاة وانفصال إقليم
من الدولة هو تدمير لها.
وعندما تولى
أبو بكر قال:-
(الضعيف
فيكم قوي حتى أخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى أخذ الحق منه إن شاء الله).
تأكيداً
لدور الحاكم على تحقيق العدل بين الناس وهو المسؤول الأول عنه.
وعندما تولى
عمر بن الخطاب عاهد الناس بقوله:-
(لكم علي
ألا أجتني شيئاً من خراجكم ولا ما أفاء الله عليكم إلا من وجهة -سبب- ولكم علي إذا
وقع من يدي ألا يخرج مني إلا من حقه ولكم علي أن أزيد عطاياكم وأرزاقكم إن شاء
الله وأس ثغوركم-يحميهم من هجوم الأعداء-ولكم علي ألا ألقيكم في المهالك ولا
أجرمكم -أحبسكم- في ثغوركم وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا إليهم فاتقوا
الله عباد الله وأعينوني على أنفسكم بكفها عني وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر وإحضاري النصيحة فيما ولاني الله من أمركم).
فكان هذا
قسماً من الحاكم لشعبه بحفظ أموالهم وحقوقهم وحريتهم وأراضي الدولة وكرامتهم
محدداً دور للأمة ودورهم بمراقبته ومعاونته وتقويمه ومحدداً لدور الحاكم ومحافظاً
على حقوق الشعب فهو المسئول عنهم وعن حقوقهم.
وقوله (...
في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا إليهم...).
وقالها عمر
لإحساسه بالمسئولية تجاه أفراد الأمة عند سفر من يعولهم.
وقال (... فأما
أهل السلامة والدين والقصد فأنا ألين لهم من بعضهم لبعض ولست أدع أحداً يظلم أحداً
أو يعتدي عليه حتى أضع خده على الأرض حتى يذعن للحق إني بعد شدتي تلك أضع خدي على
الأرض لأهل العفاف وأهل الكفاف...).
لحماية حقوق
المستضعفين ورد الحقوق إلى أهلها.
وللمساواة
بين الحاكم وأفراد الشعب قال عبد الله بن عامر بن ربيعة:-
(صحبت عمر
بن الخطاب من المدينة إلى مكة في الحج ثم رجعنا فما ضرب له فسطاط ولا كان له بناء
يستظل به إنما يلقى كساء على شجرة فيستظل تحته).
(فأيما رجل
كانت له حاجة، أو ظلم مظلمة، أو عتب علينا في خلق، فليؤذني –يعلمني- فإنما أنا رجل
منكم).
وعندما حدث
القحط في عام الرمادة وغلا الطعام والسمن ساوى عمر بن الخطاب نفسه بالناس ولم يأكل
سوى الزيت وعندا تقرقر بطنه كان يقول: قرقر ما شئت، فو اله لا تأكل السمن حتى
يأكله الناس.
ودخل يوماً على
امرأة عجوز خيمتها يسألها عن حالها فقالت له: لا جزى الله عمر عني خيراً. فقال لها:
ولم أصلحك الله؟ فشكت له أنها لم تتلق منه شيئاً منذ توليه الخلافة. فقال لها: ما
يدري أمير المؤمنين بأمرك وأنتِ لم تبلغيه بشكواك؟ قالت له: ما حسبت أن أحداً يولى
أمر المسلمين إلا ويعلم بين مشرقها ومغربها. فجعل عمر يبكي ويقول: ويحك يا عمر كم
أضعت حقوق المسلمين. وذهب وأحضر لها كل حقوقها من بيت مال المسلمين حتى مر عليه
جماعة وهو يسلمها حقها فقالوا: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فصاحت المرأة وقالت:
واسوأتاه سببت أمير المؤمنين في وجهه وقد أكرمني. فقال لها: لا عليك.
وموقفه
عندما سمع بكاء أطفال فسأل أمهم عن سبب بكائهم قالت لأنهم جوعى فلا يدري بهم عمر
فقال لها وما أدراه بهم قالت تولى أمرنا ولم يعرف أمرنا فشعر بالمسئولية وحمل شوال
الدقيق وصنع الطعام لهم ثم سهم لها من بيت المال.
ليؤكد على
ضرورة شعور الحاكم برعيته ومعرفة أحوالهم وظروفهم حتى يسعى لتحسين أحوالهم
ومعيشتهم ولا ينفصل عنهم، وأن كل فرد بالدولة له حق في مالها طالما محتاج له.
ونجده أثناء
عسسه بالليل يجد امرأة تحمل قربة كبيرة فيسألها فيعلم أنها ذات عيال وتنتظر الليل
حتى تخرج لتملأ الماء فيساعدها حتى تصل دارها ثم يقول لها:-
(إذا أصبح
صباح غد فأقصدي عمر يرتب لك خادماً قالت إن عمر كثير شغله وأين أجده؟ قال اغدي
عليه وستجدينه إن شاء الله وعندما تذهب إليه تجده من ساعدها فيأمر لها بخادم ونفقة).
فهنا تلتزم
الدولة بتوفير الخدمات للمحتاجين والعاجزين وأيضاً توفير دور الإقامة لهم إن كانوا
لا يملكون.
ونجد عمر بن
الخطاب يحافظ على مال الأمة وشديد الحرص عليه لأنه مسئول عنه أمام الله: عندما أطل
عثمان من بناية له عالية فرأى رجلا يسوق بعيرين صغيرين وكان اليوم صائف قائظ
والهواء ساخن جداً فقال لنفسه ما على هذا الرجل لو أقام بالمدينة حتى يبرد وأمر
خادمه أن ينظر من هذا الرجل فعندما اقترب منه وجده عمر بن الخطاب فصاح لعثمان إنه
أمير المؤمنين فأخرج عثمان رأسه في كوة صغيرة ليتقي الحر وقال له ما أخرجك هذه
الساعة يا أمير المؤمنين؟ فأجابه بكران من إبل الصدقة تخلفا عن الحمى-المرعى- فخشيت
أن يضيعا فيسألني الله عنهما فقال له هلم إلى الظل والماء ونحن نكفيك هذا الأمر
فقال عد إلى ظلك يا عثمان فرد عثمان عندنا من يكفيك هذا الأمر يا أمير المؤمنين؟
فأعاد كلامه وقال عد إلى ظلك يا عثمان.
وكان يخصص
للماشية التي ملك لبيت المال (ملك للدولة) أرضاً نادراً ما كان يمر يوماً دون أن
يرى الناس عمر يراقبها ويقول لخادمها ويحذره من أن يسمح لأحد أن يعضد شيئا من
شجرها أو أن يضرب فيها فأساً. فكان يراقب مال الدولة مراقبة شديدة خوفاً من حساب
الله وحفاظاً على المال وحقوق الشعب والدولة.
وأيضاً دور
الحاكم بحماية أموال الدولة حددها عمر بن الخطاب في أفعاله بأنه كان يطلي بيده إبل
الصدقة إذا أصابها الجرب ويضع يده على مكان مرضها ويقول (والله إني لأخشى أن
يسألني الله عما بك).
ونجده يعدو
ويهرول وراء بعير أفلت من معطنه (مربطه) ويلقاه علي بن أبي طالب فيسأله إلى أين يا
أمير المؤمنين؟ فيجيبه بعير ند-هرب-من إبل الصدقة أطلبه فيقول له علي لقد أتعبت
الذين سيجيئون بعدك فيجيبه عمر بكلمات متهدجة والذي بعث محمداً بالحق لو أن عنزاً
ذهبت بشاطئ الفرات لأخذ بها عمر يوم القيامة.
ليكون قدوة
لمساعديه في الحفاظ على مال الأمة والخوف من الحساب والإحساس الشديد والخوف من
المسئولية التي على عاتقه.
ونجده عندما
زاره يوماً حفص بن أبي العاص وكان عمر جالساً إلى طعامه فدعا إليه حفص ولكن حفص
رأى القديد اليابس الذي يأكل منه عمر فلم يشأ أن يكبد نفسه عناء ازدراده ولا أن
يجشم معدته مشقة هضمه فاعتذر شاكراً وأدرك عمر سر عزوفه عن الطعام فرفع بصره إليه
وسأله: ما يمنعك عن طعامنا؟ فقال إنه طعام جشب غليظ وأني راجع إلى بيتي فأصيب طعاما
ليناً قد صنع لي. فقال عمر: أتراني عاجزاً عن أن أمر بصغار المعزى فيلقى عنها
شعرها وأمر برقاق البر فيخبز خبزاً رقاقاً وأمر بصاع من زبيب فيلقى في سمن حتى إذا
صار مثل عين الحجل صب عليه الماء فيصبح كأنه دم غزال فأكل هذا وأشرب هذا؟ فقال له
حفص وهو يضحك إنك بطيب الطعام لخبير. فاستأنف عمر حديثه وقال: والذي نفسي بيده
لولا أن تنقص حسناتي لشاركتكم في لين عيشكم ولو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأرفهكم
عيشاً ولنحن أعلم بطيب الطعام من كثير من آكليه ولكننا ندعه ليوم تذهل فيه كل مرضعة
عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وإني لأستبقي طيباتي لأني سمعت الله تعالى يقول
عن أقوام أذهبتهم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها.
وكان ينام
وسط الفقراء فتحكم الدولة بوجود الحاكم وسط الشعب وليس بالانعزال عنهم ليشعر بهم
وبمعاناتهم ويستطيع أن تصل إليه أحاسيسهم الحقيقية ومطالبهم وحاجاتهم لاتخاذ
التدابير الصحيحة لدولة عادلة حقاً. فكان يوماً نائم على الأرض فآتاه رسول كسرى
وسأل عنه فوجده نائم على الأرض بجانب الفقراء ولم يتبهرج بأموال الدولة حفاظاً
عليها وعلى حقوق الشعب فيها.
وكان له
جلباباً واحداً يلبسه ويغسله فينتظره حتى ينظف ليخرج للناس.
وهذا ليس
معناه أن يكون الحاكم مقطع ومهلهل الملابس، وإنما المعنى له بعيد بأن يكون الحاكم
قريب إلى شعبه وقت الجوع والشبع والفقر والرفاهية حتى لا يشعر الناس بأن من يحكمهم
يأخذ أموالهم لنفسه.
وكان يقول
دائماً (كيف يعنيني شأن الناس إذا لم يصيبني ما يصيبهم).
فحين حرم على
نفسه أكل اللحم عام المجاعة حتى يشعر بما يشعر به الناس ولا يلهى عنهم وعن معاناتهم
واحتياجاتهم. ودخل يوماً بيته فوجد لحماً في أيام المجاعة وعلم إنها هدية فحزن وأخرجها
لبيت المال لتعطى للفقراء. وكان لا يأكل غير الزيت عندما جاء عام الرمادة والمجاعة
وتأزم الملمون باللحم والسمن ويقول (أيها البطن لتمرنن على الزيت مادام السمن يباع
بالأواق).
وهذا حتي
يؤكد على ضرورة إحساس الحاكم بشعبه وعدم الانفصال عن مشاكلهم وحياتهم. فعندما عرف
عمر بن الخطاب بغلو السمن واللحم منعه على نفسه وبيته وأهل بيته فالأولى بالحاكم
وأهله أن يكونوا القدوة للشعب ولا يتنعمون والشعب بمجاعة أو فقر بالدولة.
وفي أحد
أيام الرمادة وجد أمامه بالغذاء سنام الجزور وكبده فقال من أين هذا؟ قيل له من
الجزور الذي ذبح اليوم فقال وهو يزيحه بخ بخ بئس الوالي أنا إن طعمت طيبها وتركت
للناس كراديسها (عظامها) ونادى لخادمه وقال له يا أسلم ارفع هذه الجفنة وإئتني
بخبز وزيت.
وذات يوم
عندما استقبل هدية من الحلوى أرسلها إليه عامله على أذربيجان فيسأل الرسول الذي
جاء بها أوكل الناس هناك يأكلون هذا فيجيبه الرجل قائلاً كلا يا أمير المؤمنين إنها
طعام الصفوة فيختلج عمر ويقول للرجل: أين بعيرك ... احمل هديتك وارجع بها إلى
صاحبها وقل له عمر يأمرك ألا تشبع من طعام حتى يشبع منه قبلك جميع المسلمين.
لإحساسه
بالناس ويكون قدوة للأغنياء عند تشبهه بالفقراء ولا يطعم من طعام إلا بعد أن يطعم
منه الشعب فلا يكون أعلى منهم.
وكان يقول:-
(إن تعثرت
شاة بالعراق لسئل عنها عمر).
(إذا أكل
الذئب شاة بالشام لسئل عنها عمر).
فيضع بهذا
قاعدة دستورية وهي أن الحاكم مسئول مسئولية تامة عن كل من في الدولة وهو المسئول
الأول عن الشعب مع أعوانه وأي ضرر يقع على أي فرد أو لحقوق الحيوان يكون الحاكم هو
الملام الأول عليه. ويحدد أيضاً دور الحاكم والدولة في المحافظة على طرقات الدولة
وإصلاحها وتأكيداً على الحفاظ على الأمن والأمان حتى للحيوانات.
وعندما قال
له البعض ألا تكسي الكعبة قال:-بطون المسلمين أولى.
والمقصد أن
الأموال بالدولة توجه للمكان الأمثل لمصلحة الشعب وليس لبناء الأماكن المقدسة فقط.
وتدليلاً على دور الحاكم في منع الجوع عن الشعب و حتى لو كان المال لكسوة الكعبة
فالأولى أن يشعر كل فرد بالدولة بحقه ويناله ولا يجوع ولا يحتاج لشيء.
وعندما قال
لعمر بن العاص وهو والي مصر:-
(ماذا تفعل
إن جاءك سارق قال له أقطع يده فقال له وإن جاءني جائع من عندك قطعت يدك).
فإن الحاكم
إن جاع شعبه يكون بسبب أنه مشغول بالسرقة والنهب مع أعوانه لمال الأمة فيستحق
العقاب الشديد في التفريط وسرقة حقوق الشعب.
وكان يمر
بالأسواق يدور بها ليطمئن على أحوال الشعب مباشرةً وكان يقول:-
(لئن عشت إن
شاء الله لأسيرنا في الرعية حولاً فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع دوني أما ولاتهم فلا
يرفعونها إلي وأما هم فلا يصلون إلي أسير إلى الشام فأقيم شهرين وبالجزيرة شهرين
وبمصر شهرين وبالبحرين شهرين وبالكوفة شهرين وبالبصرة شهرين والله لنعم الحول
هذا).
ليدلل على
دور الرقابة من قبل الحاكم والدولة لحقوق الناس والبحث عن مشاكلهم ومحاولة
متابعتها وحلها.
وموقفه
عندما جاءه قبطي من مصر يشتكي ضرب ابن عمرو بن العاص والي مصر له لأنه سبقه في
سباق بينهم فأرسل إلى عمرو وابنه وجعل القبطي يأخذ بحقه ويرد الضرب إلى ابن عمرو
بن العاص بل وطلب من القبطي أن يضرب رأس عمرو بن العاص لأن لولا سلطته ما استطاع ابنه
أن يقوم بهذه الفعلة وأن يعلو على الناس كما شرحنا الموقف بنقطة (العدل، متابعة
الحاكم لنوابه).
فأكد من هنا
أن القانون يطبق على الجميع ويشد على أصحاب السلطة حتى لا يستبدوا بها ورد المظالم
لأفراد الشعب جميعاً. كدور للحاكم في تحقيق العدل دون الاهتمام لعلو مكانة أحد.
ويقول
الأحنف بن قيس: كنت مع عمر بن الخطاب فلقيه رجل فقال يا أمير المؤمنين انطلق معي
فأعدني على فلان فقد ظلمني فرفع عمر درته وخفق بها رأس الرجل وقال له تدعون أمير
المؤمنين وهو معرض لكم مقبل عليكم حتى إذا شغل بأمر من أمور المسلمين أتيتموه
أعدني... أعدني...
فانصرف
الرجل غضبان أسفاً فقال علي بالرجل.. فلما عاد ناوله مخفقته وقال له خذ وأقتص
لنفسك مني...قال الرجل لا والله ولكني أدعها لله وانصرف وعدت مع عمر إلى بيته فصلى
ركعتين ثم جلس يحاسب نفسه ويقول:-ابن الخطاب؟ لقد كنت وضيعاً فرفعك الله وكنت
ضالاً فهداك الله وكنت ذليلاً فأعزك الله ثم حملك على رقاب الناس فجاءك رجل
يستعديك فضربته فماذا تقول لربك غداً إذا أتيته.
دليل على
عدم إهمال حقوق الشعب ومسئوليته في رقبة الدولة والحاكم.
مراقبة نوابه ومحاسبتهم ومراقبة أموالهم وإحصائها كما
شرحنا بأمثلة سابقة في نقطة (مراقبة نواب الحاكم رقم 16) لمنع الإضرار بالشعب أو
الظلم أو تضارب المصالح.
وكان يأمر بإعطاء مخصصات للشيوخ في السن تكفيهم للحياة
الكريمة وخصوصاً أهل الذمة تأكيداً على دور الدولة تجاه المسنين فإن كان لهم بيتهم
ومن يخدمهم فتتكفل الدولة بمصاريفهم وكما أمر للمرأة العجوز بخادمة تقضي لها
حاجتها وجعل نفقتها على بيت المال. وإن لم يملكوا بيت فتخصص لهم الدولة الدور
اللازمة لإيوائهم دليل على إنشاء الدولة لمنازل تخص غير المقتدرين على الزواج ومن
لا يملكون المال لبناء البيوت.
وقال:-
(وإني لأرجو إن عمرت فيكم يسيرا أو كثيرا أن أعمل بالحق
فيكم إن شاء الله. وألا يبقى أحد من المسلمين وإن كان في بيته إلا أتاه حقه ونصيبه
من مال الله، ولا يعمل نفسه، ولا ينصب إلا يوماً).
ليحقق العدالة الاجتماعي والتوزيع العادل للثروة على
الناس.
قال على بن أبي طالب:-
(أقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في
مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في خشونة العيش).
فلا يرضا على نفسه أن يقال أنه الأمير والحاكم ولا
يتساوى في عيشة الناس في حياتهم بصعوبتها فيريد أن يكون قدوة لهم.
ولخوف عمر بن عبد العزيز من شدة مسئولية الإمارة بكى
وقال لزوجته:-
(يا فاطمة إني تقلدت أمر أمة محمد أسودها وأمرها فتفكرت في
الفقير الجائع والمريض الضائع والعاري المجهود والمظلوم المقهور والغريب الأسير
والشيخ الكبير وذي العيال الكثير والمال القليل وأشباههم في أقطار وإطراف البلاد
فعلمت أن ربي سائلني عنهم يوم القيامة وأن رسول الله حجيجي فيهم فخشيت ألا تثبت لي
حجة مع رسول الله وألا يقبل الله مني معذرة فيهم).
خوفاً من شدة المسئولية تجاه الشعب ودوره في تحقيق العدل
والأمان وحقوق الشعب.
شدد عمر بن
عبد العزيز على صون أموال الأمة فأوقف الإسراف والتحايل والتبديد وكان يردد دائماً
(أنا حجيج المسلمين في أموالهم) لأن الحاكم هو خادم الأمة وحارس أموالها حتى أن له
مواقف قمة في العدل لحماية أموال المسلمين إحساساً منه بالمسئولية تجاه شعبه
فمثلاً:-
1- إيقاف مخصصات الأموال التي قد فرضت للأسرة الحاكمة من بني
أمية ورد أصول المال أي لا مخصصات لأهل بيت الحاكم أو بطانته من موال الدولة لعدم
أحقيتهم فيها ولترشيد النفقات وأن الشعب أولى بأمواله.
2- كان يستخدم المصابيح أثناء العمل ويطفئها عند التحدث في الأمور
الشخصية حفاظا على مال الدولة واستخدامه لخدمة الدولة وأهدافها وليس للخدمة
الشخصية بالصرف على مكاتب وملابس ووسائل نقل الحكام أي التقشف الحكومي والترشيد
بالمصروفات لابد منه في أي وقت حفاظاً على مال الدولة.
3- اعتذر عن مال كسوة الكعبة وقال (إني أرى أن أجعل هذا المال
في أكباد جائعة فإنها أولى به من الكعبة).
أي أن مال
الدولة أولى به أفراد الشعب فتحسن حياتهم المعيشية عن تجميل وإنشاء القصور
والهيئات الحكومية.
4- أمر بترميم جزء مصدع من المسجد ولا يتجاوز المرمم عن هذا
الجزء لأنه مال المسلمين حتى لا يضيع هباء.
أي أن الصرف
على الحكومة يكون بالترشيد وبمقدار الحاجة حتى يوضع كل قرش بموضعه لخدمة أهداف
الدولة في التقدم وبناء الحضارة.
5- قال عمر بن الخطاب:-
(لا حاجة
للمسلمين فيما أضر ببيت المال عندما طلبوا ترميم بيت المال).
للتقشف
الحكومي وعدم الإنفاق على الهيئات وتجميلها فالأهم مرافق التنمية والبنية الأساسية
والتحتية للدولة.
6- أبعد شعراء النفاق وأوقف مخصصاتهم.
أي أن تكون
وسائل الإعلام والبطانة تنقل الصورة الحقيقة من وإلى الحاكم والشعب.
7- زاد مرتبات عماله وقال (أردت أن أغنيهم عن الخيانة).
وكان
يحاسبهم على التقصير في نفس الوقت فزاد المرتبات لحمايتهم من الفساد بسد حاجاتهم.
8- قال إن إصلاح المدن ليس بالمال وإنما بالعدل لعلمه أن إصلاح
وصيانة وترميم المدن وسيلة للسرقة (إن الإصلاح والترميم ليس له فائدة بل نشر العدل
بين الناس هو الفائدة).
9- شدد على الإسراف الحكومي وعندما طلب أموال للورق رد وقال
(إذا جاءك كتابي هذا فارق القلم واجمع الخط واجمع الحوائج الكثيرة في الصحيفة
الواحدة فإنه لا حاجة للمسلمين في فضل قول (كلام زائد) أضر ببيت مالهم والسلام.
للتقشف
الحكومي وعدم الإسراف هباء.
10- خصص ألوف
الدنانير للفلاحين لاستصلاح الأراضي.
للتشجيع على
استصلاح الأراضي لتوفير المحاصيل وتنمية الاقتصاد.
11- رفع
الضرائب عن الناس ورد المظالم السابقة، لنشر العدل لإشعار المواطن بالانتماء.
12- شمل
المواطن بالكفل المالي (للمسكن والأثاث والزواج والعلاج والفرس) لتحقيق الضمان الاجتماعي.
13- شق
الطرق وإرسال البعثات.
فتحسين
خدمات الدولة وتنمية البنية الأساسية وتوفير الخدمات للشعب تؤدي لانتماء المواطن
إلى وطنه بشعوره أن أموال الدولة تنفق على تنمية خدماته.
14- حماية
الأراضي العامة من استغلال الأفراد.
15- استصلاح
الأراضي البور وكان يقول لولاته (دعوا الناس يتاجروا بأموالهم في البر والبر لا
يمنعون ولا يحبسون) تشجيعاً للاستثمار.
16- منع السخرة
وإعطاء العامل حقه عملاً بقول الرسول (أعطي الأجير حقه قبل أن يجف عرقه) لحفظ حق
العامل.
17- ضبط
المعاملات التجارية بالأسواق والرقابة عليها وعلى الأسعار.
18- حماية
الدين والنفس والعقل والنسل والمال لكل مواطن بالعدل والمساواة فيشتد على العتاة
ويترفق بالضعفاء ويرد المظالم.
19- ونجد
موقفه عندما أتوا إليه بمال الزكاة:-
قال: أنفقوا
على الفقراء. قالوا: ما عاد في أمة الإسلام فقراء
قال: فجهزوا
بها الجيوش. قالوا: جيوش الإسلام تجوب الدنيا
قال: فزوجوا
الشباب. قالوا: من كان يريد الزواج زوجناه
قال: أقضوا
الديون على المدينين. فقضوها وبقى مال
قال: أنظروا
إلى المسيحين واليهود من كان عليه دين فسددوا عنه. ففعلوا ذلك وبقي مال
قال: أعطوا
أهل العلم. فأعطوا وبقي مال
قال: اشتروا
بها قمحاً وانثروه على رؤوس الجبال لكي لا يقال جاع طير في بلاد المسلمين.
فما نجد في
هذا الحدث والحوار إلا تحديد لدور الدولة وطرق صرف أموالها بالأولوية المطلوبة
لتحقيق العدالة الاجتماعية حتى للطيور ونثر لها الحبوب على الجبال التي سوف تنبت
بعدها وتزيد من إنتاجية الزروع في الدولة.
فنجد أن
يحيى بن سعد عامل عمر بن عبد العزيز في أفريقيا جمع الزكاة وأراد توزيعها فلم يجد
فقيراً يقبلها فأرسل للخليفة يقول:-
(إن عدلك
أغنى الجميع ولم يبق فقير يستحق الزكاة. فسأله عمر:-كيف حال الشعب؟ فقال يحيى:-غنيهم
موفور وفقيرهم مجبور وظالمهم مقهور ومظلومهم منصور. ففرح عمر وقال: لو لم تتحقق
خصلة من هذه الخصال الأربع إلا ببتر عضو مني لفعلت. ثم أمر العامل أن يشتري بالمال
الأرقاء ثم يعتقهم) حتى تتحقق المساواة.
ونرى عمر بن
عبد العزيز وهو الخليفة لا يملك سوى جلباب مرقع ليكون قدوة وأسوة للأغنياء ويكون
عبرة للفقراء.
قال ابن خلدون
في مقدمته:-
إن البلاط
الملكي عليه تحفيز النشاط الاقتصادي والإنفاق على الأشغال العامة وضمان الزراعة
والصناعة وهذا دور الحاكم للأمة.
وقال نظام
الملك:-
إن من واجب
الملك الانشغال في إنشاء مجار تحت الأرض وحفر القنوات وبناء الجسور وتأهيل القرى
والمزارع وإشادة الحصون وبناء بلدات جديدة وهو يأمر ببناء خانات على الطرق
الرئيسية ومدارس للذين يسعون وراء المعرفة.
فكما دور
الحاكم الحفاظ على مال الشعب هو أيضاً ملزم أن لا يحتاج المواطن للمال وللمسكن
والملبس والمأكل فيوفر له احتياجاته من هذا المال وتحقيق العدالة الاجتماعية كما
وضحنا في دور الدولة والحاكم وعليه تحقيق العدالة القضائية والقانونية والمساواة
بين جميع الأفراد دون تفرقة على أي أساس ومراقبة نوابه ومساعديه وإقامة العدل
وتحقيق التنمية للدولة وتوفير الخدمات للمواطن.
-أهل الحاكم
قدوة:-
لابد أن لا
يقوم الحاكم بمحاباة أهله عن أحد من الشعب حتى لا يطول الفساد الأمة وحتى لا يشعر
الشعب بوجود طبقة أعلى منه تحصل على مالا يحق لهم.
فحدث أن علي
من أبي طالب وفاطمة أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له علي بن أبي طالب: يا رسول
الله والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري. وقالت فاطمة: قد طحنت حتى نحلت يداي. وقد
جاءك الله بسبي وسعة فأخذ منا فقال صلى الله عليه وسلم:
(والله لا
أعطيكم و أدع أهل الصفة تطوي بطونهم من الجوع ولكن لتبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم).
وسار
الصحابة من بعده على نهجه في عدم موالاة ذويهم وعدم تعيينهم كما ذكرنا أحاديث
النبي في بداية النقطة.
وكان عمر بن
الخطاب عندما يحظر أمر يجمع أهله ويقول لهم:-
(أني قد
نهيت الناس عن كذا وكذا وإن الناس ينظرون إليكم كما ينظر الطير إلى اللحم فإن
وقعتم وقعوا وإن هبتم هابوا وإني والله لا أوتي برجل منكم وقع فيما نهيت الناس عنه
إلا ضاعفت له العذاب لمكانه مني ... فمن شاء منكم فليتقدم ومن شاء فليتأخر).
وعندما دخل
يوماً دار ابنه فوجده يأكل شرائح اللحم فغضب وقال له (ألأنك ابن أمير المؤمنين
تأكل اللحم والناس في خصاصة؟ ألا خبزاً وملحاً ألا خبزاً وزيتاً).
ليضرب المثل
أن يتساوى الحاكم وأهله بالفقراء فيكون قدوة للغني في الإحسان والرحمة ويجعل
الفقير يزداد صبراً وقوة بل ويضاعف العقاب على أهل الحاكم عند ارتكابهم للخطأ
لأنهم قدوة ينظر لها.
وذات يوم
كان يدور بالسوق في إحدى جولاته التفتيشية فيرى إبلاً سماناً تمتاز عن بقية الإبل
بنموها وامتلائها فيسأل:-إبل من هذه؟ قالوا إبل عبد الله بن عمر. فانزعج وقال:-عبد
الله بن عمر! بخ بخ يا ابن أمير المؤمنين. وأرسل يطلبه وسأله عندما جاءه: ما هذه
الإبل يا عبد الله؟ فقال له: إنها إبل أنضاء (هزيلة) اشتريتها بمالي وبعثت بها إلى
الحمى (المرعى) أتاجر فيها وأبتغي ما يبتغي المسلمون فتهكم عمر وقال: فيقول الناس
حين يرونها...أرعوا إبل ابن أمير المؤمنين...اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين...وهكذا
تسمن إبلك ويربو ربحك يا ابن أمير المؤمنين. ثم صاح به وقال:-يا عبد الله خذ رأس
مالك الذي دفعته في هذه الإبل واجعل الربح في بيت مال المسلمين.
فقنن لعدم
تملك الحاكم أو أهله من الدرجة الأولى (الزوجة والأبناء) أو العمل التجاري طوال
فترة حكمه لعدم استغلال نفوذ وسلطة القريب الذي بالسلطة لعدم تضارب المصالح.
وعندما أفاء
الله على المسلمين وامتلأ بيت المال فطلب من الصحابة أن يحصوا الناس ويرصدوا
أسمائهم ليجعل لهم رواتب سنوية فبدأوا ببني هاشم ثم آل أبا بكر ثم بنو عدي آل عمر
وعندما عرضوا عليه الكتاب فرده إليهم وأمرهم أن يقدموا على آل عمر كثيرين غيرهم
وقال: ضعوا آل عمر موضعهم. وعندما علم أهله ذهبوا إليه وقالوا ألسنا أهل أمير المؤمنين؟
فأجابهم:-بخ بخ بني عدي أردتم الأكل على ظهري وأن أهب حسناتي لكم لا والله لتأخذن
مكانكم ولو جئتم آخر الناس.
فأكد على أن
لا يأخذ أهل الحاكم من المال المخصص للشعب قبل باقي الشعب ولا أكثر منهم.
ونجده عند
موته يقول له المغيرة بن شعبة أنا أدلك عليه يا أمير المؤمنين-يقصد من يعهد له
بالخلافة-إنه عبد الله بن عمر فانتفض وقال:-لا أرب لنا في أموركم أني ما حمدتها –الخلافة-
فأرغب فيها لأحد من أهل بيتي إن كانت خيراً فقد أصبنا منه وإن كانت شراً فبحسب آل
عمر أن يحاسب منهم رجل واحد ويسأل عن أمر أمة محمد...إلا أني قد جهدت نفسي وحرمت
أهلي وإن نجوت كفافاً لا وزر ولا أجر إني لسعيد.
وكان قد رفض
توليته الكوفة عندما رشحه أحد جلسائه لها ووضع مبدأ سياسي وردد حديث النبي صلى
الله عليه وسلم (من استعمل رجلاً لمودة أو قرابة لا يحمله على استعماله إلا ذلك
فقد خان الله ورسوله والمؤمنين)
بأن لا يعين
الأقارب في أي منصب طالما القريب على رأس الحكم.
وصى عمر
أصحابه قبل موته أن لا يحملوا أقاربهم على رقاب المسلمين إن تولوا حكمهم فقال
لعلي:-
(يا علي إذا
وليت من أمور الناس شيئاً فأعيذك بالله أن تحمل بني هاشم على رقاب الناس).
ولعثمان:-
(يا عثمان إذا
وليت من أمور الناس شيئاً فأعيذك بالله أن تحمل بني أمية على رقاب الناس).
ولسعد بن
أبي وقاص:-
(يا سعد إذا
وليت من أمور الناس شيئاً فأعيذك بالله أن تحمل أقاربك على رقاب الناس).
وحدث أن
عاتكة زوجة عمر سألته عن عزل أحد الولاة بقولها: فيم وجدت عليه. فقال لها: يا عدوة
الله، وفيما أنت وهذا؟
لعدم تدخل
أهل بيت الحاكم في شئون الدولة.
فهذه كانت
أدلة على أن الحاكم مسئول عن الشعب في كل شيء وكيفية عمله وأن يكون هو وأهله قدوة
للشعب ولمساعديه في الحكم ولا يترف في النعيم وينسى الشعب. ونجد تحديد لمسئولية
الحاكم والدولة تجاه المواطنين وأن لكل مواطن حق في رقبة الحاكم والدولة لتحقيق
العدالة الاجتماعية. وهذا هو أساس مسئولية الحاكم والدولة ودورهم تجاه الأمة
وواجبه الذي يحمله شقاء الاهتمام بكل مواطن وأن يحاول بقدر الإمكان أن يقابل أكبر
عدد من الشعب والاستقصاء عنهم ولا يجعل بينهما حائل أبداً وتنمية ما تقدمه الدولة
لأبنائها من المستضعفين والفقراء وغيرهم من خدمات أساسية وتحقيق العدل والمساواة
وأن يكون قدوة بأفعاله هو وأهله للشعب وخاصته لأصحاب السلطة والمال حتى لا يتجبر
أحد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكراً لتعليقكم