١٤-المواطنة:-
المواطنة
تعني أن لكل فرد في الدولة حقوق وعليه واجبات وأن الطرفان ملزمان بتنفيذ ما عليهم
وأن تصل للمواطن كل ما يستحقه من خدمات في كل أرجاء الدولة. وأسس المواطنة محددة
لأنها تهدف لإقرار التساوي في الحقوق وفي التسليم بحقوق المواطن في الحياة الاجتماعية
والسياسية والحرية والسلام وهي تأكيد على المساواة الاجتماعية والسياسية. ولابد أن
يشارك المواطن بالدولة بالعمل سواء في المجتمع المدني أو المجتمع السياسي ويمارس
حقوقه بشكل كامل حتى ينال مواطنته وحقوقه فيؤدي واجبه للدولة ويراقب الحكومة عن
قرب.
ونجد أن
كلمة مواطنة جاءت من كلمة مواطن ووطن والترابط بينهم في حدود الوطن الواحد الذي
يجمع الناس والشعب فيه فيصبحون مواطنون متساوون وأمة واحدة.
فالواجب على
الدولة مراعاة حقوق كل المواطنين ولا تفرق في الخدمات اللوجستية والأساسية بين
أحياء الدولة وعدم التفرقة على أساس الفقر أو الغنى وبين الأطراف النائية بالدولة
والمدن الداخلية فالكل سواء في نظر الدولة دون النظر لدين أو لون. فيخلق بهذا
ترابط وانتماء الفرد للدولة بشعوره بأنه ينال حقوقه كاملة ويعطي للدولة حقها عليه.
فالأساس هو العدل والمساواة في الحقوق والواجبات بين الناس سواء سياسية، اجتماعية،
اقتصادية، قانونية، خدمية كالتعليم والصحة.
فنجد مثلاً
أن أول مرصد في الدولة الإسلامية تم بنائه في سمرقند وليس بالمدينة أو مكة. وقد تم
نشر المدارس والعلم والخدمات في كل أطراف الدولة بلا استثناء.
وكان عمر بن
الخطاب يقول:-
(لو تعثرت
دابه في العراق لسئل عنها عمر).
دليل على أن
من حق المواطن والحيوان بالدولة في تمهيد الطرق له حتى لو كان في أبعد حدود الدولة
كما قال وكانت في وقتها العراق. وتأكيداً على أن كل أفراد الدولة ومناطقها من
خارجها لداخلها واحد دون تفرقة بينهم على أي أساس وحقهم في الحصول على جميع
الخدمات دون تقاعس من الدولة بسبب بعد المناطق أو قلة سكانها.
وأكد الفكر
الإسلامي على وحدة الأمة والمواطنة في وثيقة المدينة والعهدة العمرية وعهد عمرو بن
العاص لأقباط مصر وأن حقوقهم وواجباتهم واحدة. فعندما كان المسلمين يفتحون المدن
الجديدة لم يكن يعاملون أحد فيها على أنه غريب أو مواطن درجة ثانية بل كان يعامل
على أنه فرد من الأمة مهما كانت ديانته وإن له نفس حقوقهم وعليه نفس واجباتهم فينال
حقوقه كاملة مثل حق الحياة والاعتقاد والحرية السياسية والتعليم والخصوصية
والرعاية والعدل والحرية الشخصية. ويعطي واجباته تجاه الدولة والمجتمع والأسرة
ونفسه. فيشعر بالانتماء للدولة لتكامل حقوقه وعدم التفرقة بينه وبين أحد. فالمواطن
يجب أن تهتم به الدولة لأنه هو الاساس بالدولة وهيبتها من هيبته وحقوقه المكتملة،
وهذا هو الاستثمار في الانسان بالتعليم والصحة والحقوق السياسية المكتملة.
ونجد موقف
عمر بن الخطاب مع اليهودي الذي رآه يشحت ويسأل الناس من أجل دفع الجزية وسد حاجة
أسرته، فقام عمر وأخذه من يده، وقال للقائم على بيت المال (وزارة المالية) أن يفرض
له مال أي كل شهر ما يسد حاجته وأسقط عنه الجزية. دليل على المواطنة وحق الفرد في
مال الدولة دون النظر إلى دين أو جنس، وهذا يتم تحقيقه بتحقيق ما تحدثنا عنه من
الأسس السياسية السابقة وسيتحدد باقي حقوق وواجبات الفرد في النقاط والأبواب
القادمة.
-أسس ومبادئ المواطنة:-
أ-
إعمال ما جاء بالشريعة أنه لا فرق بين أحد بالمساواة:-
وقد تحدثنا
عنها في نقاط (المساواة والعدل) بين الأفراد حتى مع أصحاب الديانات الأخرى دون
تفرقة.
ونذكر هنا
التأكيد على أنه لابد من عدم التفرقة بين أحد على أساس الدين أو اللون بل المساواة
بين الجميع في الحقوق والواجبات وأمام القانون كما وضحنا بنقاط توحيد الأمة والعدل
بهذا الباب. وهذا تأكيداً على ضرورة وأهمية التعايش السلمي بين جميع الأديان وهذا
لأنهم من مكونات كل أمة وضرورة التعامل والتعاون بينهم من أجل ازدهار هذه الأمة
وعدم وجود بغضاء بينهم لتكوين العامل المشترك لبناء الحضارة.
ب- قبول
المشاركة في الدار والجوار والأخوة وتقبل الآخر:-
-قال الله
تعالى:-
(يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ).
دليلاً على
قبول المشاركة بين الناس في الجوار والسكن والدولة وبين الدول في سلام.
ووصى الرسول
على الجار في أحاديث عديدة ولم يحدد ما هي ديانة هذا الجار بقوله:-
(أوصيكم
بالجار).
(ثلاثة
يحبهم الله...والرجل يكون له الجار يؤذيه جاره فيصبر على أذاة حتى يفرق بينهما
الموت).
(الجار قبل
الدار).
(مازال
جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أن سيورثه).
(والله لا
يؤمن والله لا يؤمن قيل من هو؟ قال الذي لا يؤمن جاره بوائقه).
(من يؤمن
بالله واليوم الأخر لا يؤذي جاره).
(خير
الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبة وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره).
(والذي نفسي
بيده لا يؤمن العبد حتى يحب لجاره أو لأخيه ما يحب لنفسه).
(إذا استعان
بك فأعنه، إذا إستقرضك أقرضه، إذا افتقر عُدت عليه، إذا مرض عدته، إذا أصابه خير
هنأته، إذا أصابته مصيبة عزيته، إذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبنيان
فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذه بقتار ريح قدرك إلا أن تفرق له منها وإن اشتريت
فاكهة فأهد له فأن لم تفعل فأدخلها سراً ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده).
(جار الدار أحق
بدار الجار).
وهذا لعروض
البيع فالجار أولى بالبيع له قبل أي أحد حتى من الأقارب.
فتوصية
الرسول بالجار وتكريرها يجعلنا نحتمل حتى إيذائه ودون أن يحدد دينه وهذا من سماحة المنهج
الإسلامي وقبوله للجار والتعددية في المجتمع والدولة، فالجيرة ليست في البيت فقط
وإنما بالدولة كلها وهذا لتوحيد الأمة في قالب واحد. فلا تقتصر على المنازل فقط ولكن
على الجيرة الدولية والجغرافية أيضاً لها حق طالما لا اعتداء من الغير على ديارنا
وحقوقنا.
وفعلها
الرسول مع اليهود عندما أتى إلى المدينة وكتب معهم وثيقة المدينة (دستور الدولة) وأكد
على أنهم أمة واحدة لا تتجزأ يحاربون معاً من يحاربهم ويصالحون من صالحهم ولا يغدر
أحدهم بأحد وتكون الدولة للكل ولا يخون أحد الوطن ويكون المرد في الخيانة أو الاعتداء
إلى الحاكم في النقاط التي تقول:-
(أن اليهود -الذي
عدد الرسول بنوهم- على نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم وإن بينهم النصر على من حارب
أهل هذه الصحيفة وإن الجار كالنفس غير مضار ولا أثم وأنه لا تجار حرمه إلا بإذن
أهلها وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى
الله عز وجل وإلى محمد رسول الله -بصفته الحاكم للدولة- وإن الله على أتقى ما في
هذه الصحيفة وأبره وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها وإن بينهم النصر على من دهم
يثرب وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه).
وهذا يؤكد
على معنى مشاركة الدار والجار بين المسلمين وغيرهم دون التفرقة على أي أساس، وعلى
هذا المنوال سار الصحابة والخلفاء الراشدين من بعده في فتوحاتهم وفي كل مدينة دخلوها
لتوحيد الأمة بمفهومها الذي شرحناه بنقطة (مفهوم الأمة) وبهذا التسامح انتشر الإسلام
لما وجد الناس فيه من روح المحبة بين المسلمين وغيرهم.
وموقف الرسول من اليهودي الذي كان يؤذيه وكان
يسبه ويلقي أمام بيته القمامة وعندما لم يجد الرسول القمامة يوماً ما ذهب ليسأل عنه
فوجده مريضاً فزاره ودعا له بالشفاء.
وهذا للتأكيد
على سماحة الفكر الإسلامي حتى وإن أذاني جاري.
التعامل التجاري
والمشاركة مع كل الناس حتى إن كانوا أصحاب ديانة مختلفة فكان الرسول يشتري ويبيع
مع غير المسلمين، وهذا لنتعامل مع الكل لمصلحة الدولة بالتبادل التجاري وتبادل
المصالح والمنفعة.
ومقولة (الدين
لله والوطن للجميع) لا يوجد ما يعيبها أو يجعلها ضد الفكر الإسلامي بل هي من صميم
المنهج الإسلامي، فالتعايش السلمي بين مجتمع الدولة الواحدة بمختلف أديانه وطوائفه
وجعلهم أمة واحدة لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات كما في وثيقة المدينة في
نقطة (أن اليهود أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم) فيعني أن الدولة
تجمعهم جميعاً (الوطن للجميع) ولكل طائفة وصاحب دين ما يعتقد به (الدين لله) دون
تدخل من الدولة أو من أحد وللتأكيد على المشترك العام للمواطنين لبناء الدولة. فيجب
أن يتعلم الجميع تقبل الآخر والمشاركة معه بالوطن لتحقيق المواطنة والمدنية.
ج- إعمال روح الإخوة الإنسانية:-
-قال الله
تعالى:-
(إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ۚ ...)
(يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا...)
والتعارف
لنشر أصول المحبة والأخوة بين الناس أجمعين.
والإخوة شيء
ملزم للمسلم المؤمن وللناس جميعاً فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:-
(لا يؤمن أحدكم
حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
فما أروع وأعظم
من ربط الإيمان بحب الآخرين وهذه قمة الحالة الروحية وإعلائها عن الحالة المادية
من أجل التعامل مع الآخر بحب وود كما نحب لأنفسنا إعلاءً لروح الأخوة الإنسانية.
-قال الرسول
صلى الله عليه وسلم:-
(كل المسلم
على المسلم حرام دمه وعرضه وماله).
(من يسر على
معسر في الدنيا يسر الله عليه في الدنيا والأخرة والله في عون العبد ما كان العبد
في عون أخيه من أنظر معسراً أو وضع له-تنازل عن دين- أظله الله يوم القيامة تحت ظل
عرشه يوم لا ظل إلا ظله).
(الإنسان
للإنسان أخ لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره).
(المسلم أخو
المسلم لا يظلمه ولا يسبه).
(المؤمن
للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً).
(تبسمك في
وجه أخيك صدقة).
(لا يؤمن
أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
(يا أيها
الناس: أفشوا السلام)
(ثلاثة
يحبهم الله...والرجل يكون له الجار يؤذيه جاره فيصبر على أذاة حتى يفرق بينهما
الموت).
(مازال
جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أن سيورثه).
(والله لا
يؤمن والله لا يؤمن قيل من هو؟ قال الذي لا يؤمن جاره بوائقه).
(من يؤمن
بالله واليوم الأخر لا يؤذي جاره).
فكان تكرار
كلمة (أخيك) في الأحاديث لزيادة التأكيد على روح الأخوة الإنسانية وعدم التفرقة
بين أحد. وكلمة (الجار) بطريقة عامة دون تحديد لدين أو جنس أو عرق أو لون للتأكيد
على الإخوة الإنسانية وعدم التفرقة والتعايش السلمي.
وكان أول ما
فعله الرسول عند دخول المدينة هو توحيد الأمة فأخا الرسول بين المسلمين من الأوس
والخزرج (المتناحرين) وبين المسلمين من المهاجرين والأنصار ووحد بين المسلمين واليهود
سكان المدينة والدولة الجديدة لتأكيد معنى الأخوة الإنسانية التي أكد عليها في
دستور المدينة.
وجعل الفكر الإسلامي
من حق كل مسلم أن يتزوج كتابية وهذا من أجل الأخوة والجيرة والوحدة وانتشار النسب
والدين في الذرية الجديدة.
وأيضاً
الوقوف لجنازة الذميين واجب احتراما للحق الإنساني فقد فعلها الرسول عندما مرت
جنازة يهودي على مجلسه مع أصحابه فوقف للجنازة فقال له الصحابة أنه يهودي يا رسول
الله. فقال: أليست روح، وعندما جلس بكى. فقال له الصحابة: لما تبكى يا رسول الله؟
قال: إنها نفس ذهبت مني دون أن أهديها.
وهنا نجد أن
الموقف الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم له شقين شق إنساني وشق نبوي.
-الشق الإنساني:-
وقوف الرسول
للجنازة لأنه روح لا تختلف عن أرواح باقي البشر الإنسانية فوقف تكريماً للأخوة
الإنسانية.
-الشق النبوي:-
بكائه لأنه
لم يستطع أن يهدي هذا الرجل إلى سواء السبيل وهذا لأنه رسول من الله ملزم بتبليغ
الدعوة.
ومن الأخوة أيضاً
أن الرسول سمح لوفد نصارى نجران عند وجودهم بالمدينة بالصلاة في المسجد. وموقف عمر
بن الخطاب في القدس فكان له أن يصلي بالكنيسة ولكن خوفه من اتخاذها إسوة من بعده
ويغلبهم المسلمون عليها فلم يفعلها خوفاً على حقهم. وهذا من باب الأخوة الإنسانية
والتعايش السلمي، وأن كلها بيوت الله وهذه الصلوات كلها لله.
وأكثر ما يثير الجدل دائماً هو تهنئة الذميين بأعيادهم فتجد من يقول أنه من
الحرام شرعاً مشاركتهم في أعيادهم لأنها مخالفة عن عقيدتنا. ولكن نجدها إنها من
باب السماحة وحسن الجوار والأخوة الإنسانية فكل مناسبة لأحد من الجيرة هي مناسبة
شخصية لنا نشاركه فيها سواء كانت حزينة أو سعيدة ومن باب مبادلته تهنئته لنا في أعيادنا.
وإن الفكرة في التهاني بفرحة الأعياد وليست مشاركة الطقوس الدينية.
هذا غير أنه من المسموح التزاوج بالكتابيات فكيف لنا أن لا نهنئ زوجتنا
بعيدها وهي في بيتنا مثلاً.
فقد تزوج الرسول بسيدتين كانتا كتابيتين إحداهما قبطية والأخرى يهودية بعدما
أسلموا فقال الله تعالى:-
(الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ
مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ وَمَن
يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ
الْخَاسِرِينَ).
دليل على الأخوة الإنسانية وتقبل الآخر والمحبة وتوحيد الأمة في المأكل
والملبس والمشرب والزواج.
فالأخوة الإنسانية تجعل من كل فرد يشعر بأنه غير مختلف عن غيره وغير مميز
عنه، وهي عامل مهم لنشر العدل والمساواة والمحبة والسلام بين الناس وشعوب العالم.
د- معيار الاختيار هو الكفاءة والخبرة للمناصب حتى للولاية:-
أكد المنهج الإسلامي على هذه الفكرة منذ بداياته الأولى فنجد:-
-قال الله تعالى:-
(فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43).
والسؤال هنا ليس للدين فقط وإنما للعلم الديني والدنيوي فكل منهم له أهل لذكر
علمه ومعرفته وهذا تثبيتاً لمبدأ التخصص في العلوم. فنجد أن معيار الاختيار للمناصب
السياسية والولاية وغيرها من أمور الإدارة وليست التقوى فقط أو غيرها بقدر الاختيار
لأهل الكفاءة والخبرة.
-قال النبي صلى الله عليه وسلم:-
(من أستعمل
رجلاً من عصابة وفيهم من هو أرضا لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين).
(من أستعمل
رجلاً لمودة أو قرابة لا يستعمله إلا لذلك فقد خان الله ورسوله).
(إذا ضيعت الأمانة
فأنتظر قيام الساعة قالوا وكيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال إذا وسد الأمر إلى غير أهل
فأنتظر الساعة).
(من ولى رجل
أمر وهو يعلم من هو أقدر منه فقد خان الله ورسوله).
(من ولى من
أمور المسلمين شيئاً فأمر عليهم أحداً محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه
صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم).
(من ولى من
أمر المسلمين شيئاً فولى رجلاً وهو يجد من أصلح للمسلمين منه فقد خان الله
ورسوله).
(أيما رجلاً
استعمل رجلاً على عشرة أنفس علم أن في العشرة أفضل ممن استعمل فقد غش الله وغش
رسوله وغش جماع المسلمين).
(من ولى من
أمر المسلمين شيئاً فولى رجلاً لمودة أو قرابة بينهما فقد خان الله ورسوله).
وهذا أكبر
دليل على وجود وأهمية معيار الكفاءة والخبرة في المنهج الإسلامي وهو أساس اختيار الأشخاص
للمناصب لأن رضا الله لا يأتي بالصلاة والصوم فقط وإنما بإتباع أحكام وفلسفة
المنهج الإسلامي في الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والقانوني.
وقوله عليه
الصلاة والسلام في النهي عن استعمال الأقارب لأنه لم يكن اختياره لأن هو الأفضل في
التعيين وإنما التعيين للقرابة والثقة وليس للكفاءة والخبرة والعلم مما يخالف
تعاليم الفكر الإسلامي. وأكد أن يكون التعيين والاختيار للقدرة أي للكفاءة والخبرة
والعلم ولم يحدد قرابته أو ديانته أو جنسه وإنما حددت قدرته وكفاءته الإدارية
فيتولى الأقدر للمنصب وليس لدينه.
فلابد من اختيار
أهل الخبرة والكفاءة في كل أعمال الدولة ولا نختار أهل الثقة لأنها خيانة لله
ورسوله وللدولة وحق الشعب وحق ذوي الكفاءة والعلم لأن بهذا تضيع الحقوق والأمانة
إذا أستخدم من لا يعي قدر مكانه وليس به علم فلن يستطيع أن يوفي حق الشعب وحق
منصبه من العمل لعدم فهمه به وعدم قدرته لأنه لا يمتلك الخبرة به وستضيع الأوطان
وتهدم، أما استخدام واختيار أهل الكفاءة والأمانة والخبرة والضمير الحي في أماكنهم
السليمة هذا هو العامل الأساسي لبناء الأوطان والحضارات.
-الأمثلة:-
1- في حادثة
النخل قال الرسول عندما سمع أصواتاً قال: ما هذا؟ قالوا: يلقحون النخل. فقال: لو
تركوه فلم يلقحوه لصلح. فتركوه فلم يلقحوه فخرج شيصاً (بدون ثمر). فقال الرسول:
مالكم؟ قالوا: تركوه لما قلت فقال صلى الله عليه وسلم: (إذا كان شيء من أمر دنياكم
فأنتم أعلم به فإذا كان من أمر دينكم فإلي).
فأسس بهذا لمبدأ
أهل الكفاءة والخبرة فيكون كل فرد هو أعلم بمجاله ويستخدم فيه لصلاحه وخبرته وكفاءته
وعلمه بأنهم أعلم بأمورهم وقال كلمته الشهيرة (أنتم أعلم بأمور دنياكم).
2- عند اختار
الرسول لخالد بن الوليد لقيادة الجيش بعد إسلامه ببضعة أيام فأستاء بعض الصحابة من
هذا ولكن اختاره الرسول لخبرته وقدرته العسكرية وقلده لها على صحابة كبار أمثال
أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب لخبرته وقدرته وكفاءته العسكرية عنهم ولم يستعمله
على ولاية ما ولا في شورى إدارة الدولة لقلة خبرته وعلمه في هذا المجال وإنما استعمل
أبا بكر وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان و علي بن أبي طالب وأخرين لخبرتهم الإدارية
والسياسية. ورفض طلب أبا ذر الغفاري للولاية رغم صلاحه وتقاه وقال له (إنها
لكبيرة) فتحتاج القوي وهو رجل طيب ولين القلب.
فلكل فرد
خبرته وكفاءته في مجاله لابد أن يستخدم فيها ولا يتم استخدام الفرد على أساس
المعرفة أو الثقة أو الدين فقط.
فكان الرسول
يستعين بأهل الخبرة في مجالاتهم فأستعان بسلمان الفارسي في غزوة الخندق لعلمه
بكيفية عمل الخنادق دون النظر إلى أنه غير عربي.
3- وفي غزوة بدر عندما عسكر المسلمون سأل (الحباب) النبي عن
قرار العسكرة في المكان الذي أختاره
النبي فقال له: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدمه
أو نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة فقال الرسول بل هو الرأي والحرب والمكيدة
فقال له (الحباب) إن هذا ليس لك بمنزل فأنهض بنا حتى نأتي أدنى ماء من القوم (قريش)
قاصداً ماء بدر فأني أعرف غزارة مائه وكثرته فتنزله ونغور ما عداه من الآبار ثم
نبني عليه حوضاً فنملأه ماء فنشرب ولا يشرب القوم فقال له النبي لقد أشرت بالرأي
أي الصواب فننزله وفعل كما قال.
وهذا تدليلاً
على الأخذ بالرأي الأسلم لأنه الأفضل للدولة ولم يقل أن قراره من عند الله لأنه رسوله
فوضح بهذا التمايز بين الرسالة النبوية وبين الحكم والرئاسة الدنيوية وعدم وجود
ثيوقراطية والأخذ برأي أهل الخبرة.
4- أرسل
النبي أصحابه للتعلم والتداوي من طبيب بالطائف وكان الوحيد وقتها الذي يمتهن هذ
المهنة وكان يدعو (الحارث بن كلده) وكانوا يذهبون لدجالين الطب. وهذا اعترافاً
بالتخصص، ولم يرفض أن يتعلم المسلمين من أحد بسبب الاختلاف بالدين بل بالعكس شجعهم
على التزود من العلوم.
5- حتى أن
الرسول أمر أصحابه بالهجرة إلى ملك الحبشة النصراني لأنه عادل وقال: فيها ملك لا
يُظلم عنده أحد وعادل في حكمه كريماً في خلقه
وعلى هذا
سار الصحابة فوظف عمر بن الخطاب أسرى قيسارية النصارى. وأستعان عمرو بن العاص
بأطباء من الأقباط لإدارة مدرسة الطب في الإسكندرية لعلمهم بها عن الأطباء العرب. وكان
طبيب معاوية بن أبي سفيان نصراني هو ابن أثال لكفاءته وعلمه. وكان مدير دار الحكمة
للطب في بغداد من المسيحيين وهذا لقدرتهم الطبية عن غيرهم في هذا الوقت وكان
رئيسها هو حنين بن أسحق. وكان معلمين أولاد الخلفاء من الذميين لعلمهم بأمور
المنطق والفلسفة. وكان المترجمين للكتب من اللغة اليونانية إلى العربية من الأقباط
والمسيحين بالشام لعلمهم باللغتين من أجل أن يتعلم العرب من هذه الكتب. وكان كاتب
أبي موسي الأشعري نصراني.
فيقول
الإمام بن تيمية:-
(فالواجب في
كل ولاية الأصلح بحسبها فإذا تعينا رجلان أي رشحا أحدهما أعظم أمانه والآخر أعظم
قوه قدما أنفسهما لتلك الولاية وأقلهما ضرراً فيها فيقدم في إمارة الحرب الرجل
القوي الشجاع وإن كان فيه فجور على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أميناً).
وكما سئل الإمام
أحمد بن حنبل عن أي الرجلين يكونان أميناً للجيش وأحدهما التقي الضعيف والآخر القوي
الفاجر فقال الإمام:-
(القوى
الفاجر فقوته للمسلمين وفجره لنفسه وأما التقي الضعيف فتقاه وصلاحه لنفسه وضعفه
على المسلمين فنغزى مع القوي الفاجر).
وقال الإمام
الشافعي:-
(إن كانت
الحاجة في الولاية إلى الأمانة أشد قدم الأمين لبيت المال مثلاً وللقضاء الأعلم والأروع
والأكفأ).
فإن كان في
المرء الكفاءة ثم تواجد معه الدين فلا ضرر بذلك ولكن الأهمية لعنصر الكفاءة له
والأولوية في اختياره.
فاستخدام عنصر
الكفاءة والخبرة كشرط يؤدي إلى التنافس الحر الجاد ومحاولة التعلم والفهم والتثقيف
المستمر وإثراء الحياة العملية حتى يسعى كل فرد بنفسه إلى امتلاك الكفاءة والمقدرة
الأفضل فيتم اختياره لتولي القيادة والمناصب سواء في منصب سياسي أو إداري ويكون
الناتج عن هذا هو تولية المناسبين في أماكنهم السليمة ومنها الخروج منهم بأفضل عمل
يفيد الدولة والمجتمع ومع المساواة بين الجميع يضمن بهذا حصول كل الأفراد على حقهم
في تولية المناصب بالدولة.
ومع الكفاءة
يختار صاحب الأمانة حتى يكون أهل للثقة مع المراقبة والمحاسبة أيضاً. فالأوطان والحضارات
تبنى بوجود أهل الكفاءة والخبرة في أماكنهم السليمة مع وجود الأمانة حتى لا يكونوا
لعبة بيد فاسد، بل يكونوا سيف الشعب عليه إن حاول الفساد والاستبداد بالدولة. أما
بدون استخدام أهل الكفاءة والاعتماد فقط على أهل الثقة قد يكون هذا باب لوصول
الجهلاء والفاسدين للتحكم بالدول ومن ثم تدميرها.
-المرأة
ودورها العملي والسياسي:-
وعن تولى
المرأة يقول البعض أن الرسول قال:-
(لن يفلح
قوم ولوا أمرهم امرأة).
نقول إن هذا
الحديث نزل في حدث معين وهو تولي بنت كسرى أمر أهل فارس ومن المعلوم أن الأمر
الخاص لا يؤخذ بالمطلق لأنه يوجد سيدات حكمت دول ونجحت (أنديرا غاندي وميركل
ومارجريت تاتشر) ولا يمكن أن يخطئ الرسول بأمر ديني فهو لا ينطق عن الهوي إلا هو
وحوياً يوحى. وقد أسهبنا في شرح هذه النقطة بالنقطة السابقة (المساواة بالحقوق
السياسية).
ولأن هذا
قيل استنكار لموقف معين وليس بنهي وتحريم تام لتولي المرأة (مثلما استنكر الله صوت
الحمار ولم يحرمه، وكعدم أكل الرسول من مال الصدقة ولكنه لم يحرم أكله منها وإنما
حدث هذا تعفف منه).
فلذا الأمر
المطلق أنه يمكن تولي امرأة ولنفس الأسباب يتولى الذمي للمناصب المختلفة، لأن كلاً
منهم سيأتي على أسس ولوائح وقوانين ثابتة وإن الدولة دولة مؤسسية وليست خلافة لأن
الحاكم لم يعد هو كل شيء القاضي وأمير الجيوش والشرطة وما غير ذلك وإنما هو رئيس
لمجموعة من المستشارين الذين يحددون خطوات الإدارة بالدولة ويأمر بها الرئيس
الهيئات ومساعديه للتنفيذ لأن الرئيس لا يمكن أن يكون عالم بكل شيء وكذا جميع
المناصب. هذا غير أن توليها مشروط بعدم وجود رجل أكفأ منها وأن معيار الاختيار بينهم
هو الكفاءة والخبرة والقدرة على العمل والإدارة. والتحديد يرجع للدستور واختيار
الشعب لمن يراه الأصلح في تولي المناصب المختلفة.
وكانت
للمرأة مشاركات سياسية وعسكرية فكان بنات الرسول وزوجات الصحابة يشاركونهم في
الغزوات من أجل التمريض وإسقاء الجنود وتشجعيهم وتحميسهم بالشعر ومنهم من حاربت
بالفعل مثل (نسيبة بنت كعب الأنصارية) وكانت من المحاربين مع النبي ودافت بقوة عنه
في غزوة أحد، وكانت من ضمن الامرأتان اللتان بايعا النبي في بيعة العقبة الثانية، وحتى
إن الرسول استشار زوجته (أم سلمة) في صلح الحديبية بل وأخذ بمشورتها وفعلها، هذا
غير اشتراكهم بالبيعة التي بايع فيها الرجال والنساء الرسول على السواء قبل دخوله
إلى المدينة ليؤسس الدولة من خلالها تأكيداً على حقها الانتخابي والسياسي فكان
عددهم 72 رجلاً وامرأتان.
فقال الله
تعالي:-
(يَا
أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا
يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ
أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ
وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ۙ
فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ۖ إِنَّ
اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
فإذن من
حقها المشاركة السياسية الكاملة كما كان أبان عهد الرسول والصحابة كما شرحنا بنقطة
(المساواة بالحقوق السياسية).
وأستعمل عمر
بن الخطاب على السوق الشفاء بنت عبد الله المخزومية العدوية كمراقبة للأسواق وقضاء
الحسبة بالسوق، واستعملت أيضاً سمراء بنت نهيك الأسدية في نفس المنصب كمحتسبة على
الأسواق.
ونجد موقف
السيدة التي عارضت عمر بن الخطاب بالمسجد في أحد الأمور الدينية التي أراد أن يسن
بها قانون وقال (أصابت امرأة وأخطأ عمر) ولم ينكر دورها السياسي وحقها في الاعتراض.
وأيضاً خروج
الصحابة تحت إمرة السيدة عائشة في موقعة الجمل للمطالبة بدم عثمان بن عفان وكان
لها دور ريادي بالأحداث السياسية.
هذا غير أن
القرآن أشاد بامرأة ملكت قوماً وهي ملكة سبأ وإنها بنت حضارة ضخمة بقيادتها لشعبها
تأكيداً على أحقية تولي القيادة طالما لديها الجدارة في هذا.
وهذا هو
أساس التصنيف بالكفاءة، ولم تصنف على أساس جندري أي من حيث الجنس بل من حيث
الكفاءة والقدرة على العمل والأداء. إذن بهذا في رأيي أنه لا يوجد مشكلة في تولية
الأصلح للمناصب سواء كان رجلاً أو امرأة أيا كانت ديانتهم المهم الاختيار على أساس
الكفاءة ويحددها الدستور بأغلبية ديانة الشعب، فالاختيار للأكفأ وذوي القدرة
والخبرة دون النظر للدين أو الجنس أو اللون.
و- عدم التفرقة
العنصرية والعبودية:-
- قال الله
تعالى:-
(وَهُوَ
الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ
فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ)
- قال النبي
صلى الله عليه وسلم:-
(...ولو
أستعمل عليكم عبد حبشي يقودكم بكتاب الله فأسمعوا له وطيعوا).
(لا فرق بين
عربي على أعجمي إلا بالتقوى).
تأكيداً على
إلغاء التفرقة العنصرية بأن من حق كل فرد الولاية والحكم والطاعة أيضاً واجبة له.
ونجد أن المنهج الإسلامي لغى التفرقة العنصرية أو العرقية والرق والاستعباد وحرم
التجارة بالناس لأن هذا ضد التعاليم الأخوية والإنسانية للمنهج الإسلامي وما ينادي
به من مساواة بين الناس. فعمل الإسلام على تحرير العبيد وإعطائهم حقوقهم ومساواتهم
بالجميع كما فعل النبي مع بلال الحبشي وأصبح مؤذن النبي وأول مؤذن بالإسلام.
وقد أنكر
النبي صلى الله عليه وسلم على أبي ذر الغفاري. رضي الله عنه عندما عيَّر
بلالاً بقوله: يا ابن السوداء، فما كان من النبي صلى إلا أنه غضب غضباً شديداً
وأنكر على أبي ذر حيث قال: طف الصاع أي: طفح الكيل يا أبا ذر ليس لابن البيضاء على
ابن السوداء فضل إلا بالتقوى وبالعمل الصالح.
وقول النبي
له (فيك جاهلية) هي معنى لعدم التحضر والعنصرية تجاه الأعراق لأن كان حال الناس
بالعالم وبالجزيرة العربية ألا وهو العنصرية تجاه الغير. والمقصد من التقوى هي
إتباع تعاليم الفكر الإسلامي السليم والأخلاق والمحبة والسلام والمساواة بين
الجميع، وهذا هو أساس توحيد الأمم وإلغاء العنصرية.
وكان صهيب الرومي
يقول عنه الرسول أنه من آل البيت ونجد بلال الحبشي هو مؤذن الرسول وأول مؤذن بالإسلام.
وأخذ النبي برأي سليمان الفارسي في حفر الخندق وقت غزوة الأحزاب لحماية المدينة.
ووجدنا من
أسس عدم التفرقة هي المؤاخاة وإلغاء العبودية فتزوج النبي من السيدة (جويرية) فبعد
أن تم أسرها قام بزواجها ليضرب مثلاً أن لا فرق بين أحد ولا عنصرية أو عبودية.
وأن بلال
مؤذن النبي كان عبداً قبل الإسلام فحرره الإسلام وأصبح أول مؤذن بالإسلام ومن كبار
الصحابة.
وأيضاً موقف
النبي بالوقوف لجنازة اليهودي عندما مرت كما ذكرنا بالسابق. كلها ادله للكرامة
الإنسانية وعدم العنصرية أو التفرقة على أساس عرقي أو ديني، وهذا لتوحيد الأمة.
وأيضاً من
الأمثلة التي ذكرناها في نقطة العدل هو عدم التفرقة على أساس ديني بين أفراد الأمة
كموقف النبي مع اليهودي الذي أتهم بالسرقة وبرأه الله والنبي وأظهر الحق. ووجدناها
في تعامل النبي مع جاره اليهودي الذي كان يؤذيه فرغم هذا زاره حينما مرض تأكيداً
لعدم وجود أي نوع من أنواع العنصرية والتفرقة. وسنجدها بالتفصيل في نقطة حقوق أهل
الذمة بهذا الباب.
وقال عمر بن
الخطاب:-
(متى
استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً).
فكانت كلمة
أكدت على حقوق الفرد والإنسان وعدم وجود للعبودية والعنصرية بين الناس في فلسفة
الفكر الإسلامي من أجل التأكيد على التعايش السلمي وروح الأخوة الإنسانية
والمساواة بين الجميع.
فالعنصرية
والتعصب يهدد وحدة الأمة ويفتتها وهو ما لا يريده الفكر الإسلامي الذي يعمل على
توحيد الناس والآلفة والمحبة بينهم وتقبل الآخر والمشاركة في الوطن معه دون أي
تفرقة على أي أساس ديني أو عرقي. فالكل متساوي ولا فضل لأحد على الآخر إلا بالتقوى
والعمل.
ه- تمكين
الشباب:-
هو مبدأ من
سبل تجديد الدماء بمواكبة العصر وإعطاء الثقة للشباب من أجل أن يكتسبوا الخبرة
اللازمة ليستخدموها فيما بعد ولكن على أساس أن يكون لهم القدرة الفعلية على
القيادة ومن ثم إعطاءهم الراية لقيادة جديدة.
-أمثلة:-
1- اختار النبي
قبيل موته أسامة بن زيد رغم صغر سنة وكان عمرة 17 عاماً لقيادة جيش إلى الشام به كبار
الصحابة أمثال أبو بكر وعمر بن الخطاب وهذا لتحفيز الشباب على الجهاد طالما بهم
القدرة على القيادة.
2- زيد بن
ثابت كان كاتب الوحي للنبي وهو في عمر13 عاماً وتعلم اللغة السريانية والعبرية
فكان ترجمان النبي لمقدرته وكفاءته.
3- عتاب بن
أسيد ولاه النبي مكة بعد فتحها وكان عمرة 18 عاماً.
ن- الحق في
تكافؤ الفرص والخدمات:-
-قال النبي
صلى الله عليه وسلم:-
(كلكم
سواسية كأسنان المشط).
(لا فرق بين
عربي على أعجمي ولا أبيض على سود).
من منطلق
تحقيق المساواة في الحقوق والواجبات وعدم التفرقة وعدم أفضلية أحد علي الآخر
وأحاديث النبي وباستخدام الوسائل المتاحة لتحقيق الفرص الكاملة للتعليم والسكن
والعمل بصرف الزكاة وغيرها من وسائل إلزامية للدولة لتحقيق المساواة مع حقوق الامتلاك.
نصل إلي مرحلة تكافؤ الفرص والخدمات للجميع للحصول علي تعليم جيد وسكن يليق
بالإنسان ورعاية صحية شاملة وحياة كاملة فلا يقل حق أحد عن أحد بحصول فرد علي
وسائل أكثر من غيره بسبب قدرة مالية أو تسلط مجتمعي أو معارف سلطوية أو محسوبية أو
أي وسيلة أخرى تحقق أفضلية لأحد علي آخر.
وبالتالي
حصول كل فرد في الدولة على حق العمل في مجاله على حسب قدره التعليمي دون التفرقة
على أساس ديني أو جنسي أو مجتمعي فهذا يجعل من الفرد يعمل بقدر أكبر لتحصيل العلم
من أجل أن يفيد المجتمع والدولة ونفسه بالحصول على مناصب أكبر. فينمي هذا بداخله
الإحساس بالطموح والرغبة بالتعلم والانتماء للدولة وإزالة أي فوارق بين الناس.
هذا غير
الحق في وصول الخدمات إلى كل فرد في الدولة من قلبها إلى أطرافها كمقولة عمر بن
الخطاب (لو تعثرت دابه في العراق لسئل عنها عمر).
فالمقولة لا
تعني مسؤوليته فقط وإنما تعني أيضاً حق كل فرد في الدولة أن تصل إليه كافة الخدمات
سواء تمهيد الطرق وتعليم وصحة أو غيرها من بنية تحتية وأساسية لأقصى أقاليم الدولة
لتحقيق أعلى مستوى من حصول الفرد على حقوقه لتتكافأ فرص الجميع بتساوي حصولهم على
حقوقهم في الخدمات.
-تربية
الفرد على المواطنة:-
إشعار كل
فرد بالدولة بحقوقه كمواطن وتنمية بداخله حقه على هذا والعمل الدائم للحصول
والحفاظ عليه وهذا لبناء الحضارة بالمشاركة مع كل أبناء الدولة عن طريق:-
1- الحرية الكاملة للفرد واستخدامه لها.
2- المساواة لجميع أبناء الدولة في الخدمات والفرص.
3- الاحترام والتسامح بين الجميع.
4- المؤاخاة بين أفراد الوطن الواحد.
5- الحوار الفعال للعمل بمشترك عام لبناء الدولة وليس
بالخلاف والتناحر.
فنجد أن المواطنة
إذا تم تفعيلها بحق تؤدي إلى توحيد وتماسك الأمة و انتماء كل فرد إليها بقوة وعدم
شعور أي فرد في الأمة بغربة أو وحشة أو اضطهاد أو تفرقة على أي أساس. فالهدف هو
انصهار الجميع في بوتقة واحدة في الدولة والوطن دون إي نزعات عرقية أو طائفية أو
مذهبية ودون تمييز.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكراً لتعليقكم