كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 11 (العدل)

 


 

9-العدل وعدم الظلم والقضاء:-

 

العدل هو أساس توحيد الأمة وينمي شعور كل فرد فيها بحقوقه أنها محفوظة ولا يتعدى عليها أحد مهما كان منصبه وقوته وهو ميزان المساواة.

-قال الله تعالى:-

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).

(وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ)

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا).

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ).

(إِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ).

(فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ۖ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ).

(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)

(إِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ...)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)

تأكيداً على ألا تمنعنا العداوة مع أحد على عدم تطبيق العدل أو التعدي عليهم وعلى حقوقهم.

(وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولً)

دليل على قمة العدل الإلهي للناس والإنذار قبل الحرب على أحد إلا في حالة رد العدوان.

-قال النبي صلى الله عليه وسلم:-

(إن أحب الخلق إلى الله إمام عادل وأبغض الخلق إلى الله إمام جائر).

(إن شئتم أنبأتكم عن الإمارة وما هي فناديت بأعلى صوتي وما هي يا رسول الله قال أولها ملامة وثانيها ندامة وثالثها عذاب يوم القيامة إلا من عدل وكيف يعدل مع قريبه).

(المسلم أخو المسلم لا يخذله ولا يكذبه ولا يظلمه ولا يسلمه ولا يحقره).

(عدل ساعة أفضل عند الله تعالى من عبادة ستين سنة قيام ليلها وصيام نهارها ويا أبا هريرة جور ساعة في حكم أشد وأعظم عند الله تعالى من معاصي ستين سنة).

(الإمام العادل يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله).

(ما من أمير عشرة إلا يؤتي به يوم القيامة مغلوله يده إلى عنقه إما أطلقه عدله أو أوبقه جوره).

(المقسطون على منابر من نور الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا).

(أتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة).

(إياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب-موصياً عماله-).

(من ظلم معاهداً أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة).

(إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد).

والمعاهد هو من عاهدنا في الحرب أو أهل الذمة أو من يعمل لدينا بعهد مكتوب كل هؤلاء حذر الإسلام عن ظلمهم بالعهد سواء بالقول أو الفعل.

والواجب على الحاكم العدل لعدم تفشي الظلم والكره للدولة والحاكم وللتأكيد أن العدل واجب على الحاكم والقاضي بين أفراد الأمة دون تفرقة على أساس الدين أو الشرف أو اللون أو الجنس أو أي أساس آخر لتوحيدها وعدم ضياع حقوق أحد من الأمة للاختلاف في الدين أو غيرة لغرس الوحدة والمساواة والتماسك بين أفراد الدولة ولا ييأس أحد في عدل الدولة.

-وأوصى الرسول بالعدل في أجور العمال فقال:-

(قَالَ اللّه: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ إسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفي مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِه أَجْرَهُ)

(أعط الأجير حقه قبل أن يجف عرقه).

ليعدل لكل واحد في حقوقه فهذا هو قمة العدل لحفظ حقوق العمال والمستضعفين.

وكان يدعو للعدل والمساواة بين الأبناء حتى لا تحدث ضغينة بينهم. فقال النعمان بن بشير:-

(نحلني أبي نحلة أي عطية وهدية فقال النبي أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال: لا. فقال الرسول: فأرجعه. وقال: اتقوا الله واعدلوا في أولادكم).

وقمة العدل أن الرسول يعدل مع الحيوانات ويرتجف عندما يجد دابة حملت فوق طاقتها ومنع تعذيبها وضربها أو حتى أن ترى السكين عند الذبح.

-وقال النبي صلى الله عليه وسلم:-

(لو فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).

تشديداً على إقامة العدل حتى على أقرب الناس طالما أخطأ وتأكيداً على فكرة دولة القانون الذي يطبق على الجميع وأنه لا أحد فوقه مهما كانت مكانته وأن لا فرق أمام القانون ويجب تطبيقه على الجميع سواء شريف أو غني وفقير فالكل سواسية والمساواة أمام القانون وتطبيقه على الجميع. وحتى لا يأمن أحد العقاب فيسيء الأدب ويتدمر القانون والعدل والمجتمع.

وقد قال هذه المقولة عندما حاول أحد الصحابة (أسامة بن زيد) الشفاعة لدى النبي لإحدى السيدات السارقة لأنها سيدة من أعالي القوم (السيدة المخزومية) فرفض تأكيداً على أن القانون يطبق على أكابر القوم قبل الفقراء حتى تتم منظومة العدالة ولا يأمن أحد العقاب فمن يأمن العقاب يستفحل جرمه. وقال له أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام مخاطباً الناس:-

(يا أيها الناس إنما هلك الذين من قبلكم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).

ودليل على العدل دون النظر إلى أي قرابه أقر النبي صلى الله عليه وسلم في دستور المدينة:-

(وإن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى منهم أو ابتغى دسيعة –كبيرة- ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين وأن أيديهم عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم).

للتعاون على عدم الظلم وأحقاق الحق حتى لو على أولادهم.

وفي فقه السياسة الشرعية أن الحاكم العادل غير التقي أفضل للأمه من الحاكم المسلم الظالم فعدله على الأمة وفسقه لنفسه أما الظالم ظلمه على الأمة وتقاه لنفسه.

-فقال بن تيمية:-

(إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة).

-وعن الحكم بالعدل للقضاة قال صلى الله عليه وسلم:-

(ليأتين على القاضي العدل يوم القيامة ساعة يتمنى أنه لم يقض بين أثنين في تمرة قط).

لضرورة التشديد على الحكم بالعدل من القضاة وتحري الحق القصوى حتى لا يحدث ظلم.

-وقال صلى الله عليه وسلم:-

(لا يحكم أحد بين أثنين وهو غضبان).

حتى لا تؤثر حالته النفسية على حكمة بالعدل بين الناس وتشوش على تفكيره لكي يتوخي العدل في الأحكام.

-وقال صلى الله عليه وسلم:-

(إن الله لا يقدس أمة لا يأخذ الضعيف حقه من القوي وهو غير متعتع).

أي لا يصيب أحد أذى من طلب حقه وحفظ أمنه وحقه من قبل الدولة حتى يستتب الأمن والعدل بين الناس.

-وقال صلى الله عليه وسلم:-

(خمسة غضب الله عليهم إن شاء أمضى غضبه عليهم في الدنيا و إلا أمر بهم في الآخرة إلى النار :أمير قوم يأخذ حقه من رعيته ولا ينصفهم من نفسه ولا يدفع الظلم عنهم وزعيم قوم يطيعونه ولا يساوي بين القوي والضعيف ويتكلم الهوى ورجل لا يأمر أهله وولده بطاعة الله ولا يعلمهم أمر دينهم ورجل استأجر أجيراً فأستوفي منه العمل ولم يوفه أجرته ورجل ظلم امرأة صداقها).

كل هذا تدليل على أهمية العدل ودور الحاكم والدولة في تحقيقه و إنه إذا ابتعد عن الأمة ضاعت وضاع معه حقوق الضعفاء وأكلهم الأقوياء وتولدت الكراهية بسبب الظلم بين الناس وضاع الانتماء للدولة فلابد من تشديد العقوبة على القوي أكثر من الضعيف ليكون عبره لغيره من الأقوياء والضعفاء أيضاً حتى لا يستبد أكثر. وإن العدل يكون بين الرجل و أهل بيته وبين الأفراد في المعاملات وفي حقوق العمال وفي كل جوانب الحياة وعلى الدولة مراقبة حقوق الناس وتحقيق العدل.

-أمثلة لتطبيق العدل بالمساواة على الجميع:-

حدث أن رجلاً من المسلمين الذين رق إسلامهم وضعف إيمانهم يقال له (طعمة بن أبريق) سرق درعاً من جاره ثم خبأها عند يهودي وحامت الشبهة حول (طعمة) فالتمست الدرع عنده فلم توجد وحلف بالله ما أخذها وما له علم بها ثم وجدت الدرع عند اليهودي فسأل عنها فقال دفعها إلي (طعمة) وستحفظني عليها وشهد له بذلك أناساً من اليهود فاهتم قوم طعمة للأمر وأخذوا فيما بينهم يتناجون في وسائل تبرئة صاحبهم وإلصاق السرقة باليهودي دفعاً للعار الذي يلحقهم بين الناس (يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم).

وبيت قوم طعمة ما بيتوا وانطلقوا إلى الرسول وأخذوا يثيرون نفسه على اليهودي بما يعرفه من عداوة اليهود للمسلمين وبأن صنيعتهم في هذه الحادثة ليس إلا من كيد اليهودية المعروف وبأنهم لا يعلمون عن صاحبهم طعمة إلا خيراً وأقسموا جهد أيمانهم على براءته وسرقة اليهودي وسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يخاصم ويدافع عن صاحبهم في سبيل تبرئته وإنقاذه من تهمة السرقة وأكثروا عليه في هذا الشأن حتى كاد بحكم الطبيعة البشرية التي ليس لها من سبيل إلى معرفة بواطن الأمور يتأثر بخدائعهم وتلبيسهم فبادره الوحي من السماء يكشف له حقيقة الأمر وينزل عليه قول الله تعالى فحكم النبي بالعدل بعدما أراه الله الحق ولم يفرق في عدل الله على أي أساس.

فأكد الفكر الإسلامي على العدالة حتى لغير المسلمين فقال الله تعالى:-

(إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (106وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (110وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (112وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا  (113)).

فكانت هذه الآيات التي نزلت في حادثة سرقة الدرع وإلصاق التهمة ليهودي وعندما علم الرسول الحقيقة رفض أن يبرأ المسلم ويتهم اليهودي بل فعل العكس لتحقيق العدالة فبرأ اليهودي وأقام حد السرقة على المسلم وهذه قمة العدالة بين المجتمع دون تفرقة على أي أساس.

وحدث أن رجل مسلم قتل ذمياً فرفع الأمر للرسول صلى الله عليه وسلم فقال:-

(أنا أحق من وفي بذمته).

وأمر بإقامة الحد على القاتل ليطبق القانون على المعتدي وإقامة العدل دون عنصرية أو تفرقة على أساس ديني أو جنسي أو عرقي.

ونسمع الخليفة الراشد أبو بكر يجهر بأنه سيعطي الضعيف أكثر وسيعطي القوي أقل فقال:-

(الضعيف فيكم قوي حتى أخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى أخذ الحق منه إن شاء الله).

تأكيداً لدور الحاكم على تحقيق العدل بين الناس وهو المسؤول الأول عنه، وذلك حتى يأخذ للأول حقه ويأخذ من الثاني حق الغير عليه. فهذا الذي قرره الخليفة الراشد يكشف عن قصد اختلاف المعاملة باختلاف أوضاع البشر بهدف تحقيق التساوي في الواقع من بعده. وهنا نجد العدل وهو قيمة إيجابية ونحن مأمورين بإقامة العدل بنص أمر الإيجاب الموجة إلينا في القرآن الكريم (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ...).

وحتى لا يضيع حق الضعيف ولا يقوى أحد عليه ولا يأمن أحد العقاب.

ونرى سوياً عمر بن الخطاب يسترعي العدل في الشهادة على شخص فسمع لثلاثة شهدوا عليه وأنتظر الرابع ليستوجب كل الشروط لإقامة الحد وعندما سمع الرابع يشهد بأنه لم يرَ شيئاً فيتهلل ويقول ظهر الحق ويقيم حد القذف على الثلاثة الآخرين لأنهم قالوا عن المتهم أنه يزني ولإقامة حد الزنا عليه لابد أن يشهد أربعة بهذا تدليلاً على التأكد من الجرم والحرص على العدل.

وكان يقول:-

(لأن أعطل الحدود في الشبهات خير من أن أقيمها في الشبهات).

حرصا منه على إقامة العدل والحرص على توخيه.

حتى أنه أقام على ابنه حد شرب الخمر رغم أنه شربه وهو لا يعرف أن هذا خمر بعد أن خدعه بعض المصريين وعندما أفاق ذهب لوالي مصر عمرو بن العاص وطلب منه إقامة الحد عليه وإلا أخبر أباه فأقام عليه الحد ولكن ليس أمام الناس ولكن لأن هذا شرط مهم في إقامة الحدود وهو العلن في إقامة الحد أرسل له عمر بن الخطاب أنبه على فعلته وطلب ابنه في المدينة وأقام عليه الحد أمام الناس كما تنص الشريعة حتى لا يقول أحد أنه أفلت من العقاب لأنه ابن الخليفة الحاكم.

ونجد دليل على أهمية العدل وأن الجميع متساوي أمام القضاء والعدالة عندما اشتكت سيدة مصرية فقيرة لعمر بن الخطاب أن عمرو بن العاص والي مصر أخذ بيتها رغم أنه عرض عليها شرائه بأضعاف ثمنه، وكان يريده ليضمه إلى المسجد ويوسعه ولكنها رفضت. فلذا أمره عمر بن الخطاب برد البيت إلى صاحبته ولامه على فعلته.

 وموقف آخر لعمر بن الخطاب يدل على العدل في الحكم حيث كان الفاروق يحب أخاه زيداً، وكان زيد قد قُتل في حروب الردة عن دفع الزكاة، وذات نهار بسوق المدينة يلتقي الفاروق وجهاً بوجه بقاتل زيد وكان قد أسلم وصار فرداً في رعيته، فخاطبه الفاروق غاضباً : والله إني لا أحبك حتى ‏تحب الأرض الدم المسفوح . فيسأله الإعرابي متوجساً : وهل سينقص ذاك من حقوقي يا أمير المؤمنين. فيُطمئنه أمير المؤمنين قائلاً: لا. فيغادره الإعرابي قائلاً: إنما تأسى على الحب النساء. أي مالي أنا وحبك إذ ليس بيني وبينك غير ( الحقوق والواجب)  ولم يغضب أمير المؤمنين بل طبق العدل وأن لا يخلط بين حقوق الشعب وأي شعور انساني آخر تطبيقاً لقول الله تعالي:-

(وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ)

لكي يتم تحقيق العدل للشعب وتوفية حقوقهم كاملة، فلا تمنع الخصومة مهما كانت من تطبيق العدل فكان كقسم ديني على تحقيقه كقسم المهنة مهما كان الاختلاف مثلاً.

وقال عمر بن الخطاب لواليه أبي موسى الأشعري:-

(اجعل الناس عندك سواء لا تبال على من وجب الحق ولا تأخذك في الله لومة لائم وأياك والمحاباة فيما ولاك الله).

تشديداً على إقامة العدل دون النظر إلى القرابة أو الصداقة أو غيرة من أي صلة.

وكان يقول:-

(من لم يصلحه إلا العشم أي القسوة فلا يصلح والله لا أصلح الناس بهلاك ديني).

فبالعدل تقوي الدول ويثق الشعب بحكامة.

ولما عين يحيى الغساني على الموصل عاملاً له ووجد السرقة منتشرة فيها ونقب البيوت فأرسل إليه يحيى يسأله أخذ الناس بالظن وأضربهم على التهمة أو أخذهم بالبينة وما جرت عليه السنة فرد عليه أن أخذ الناس بالبينة وما جرت عليه السنة فإن لم يصلحوا بالحق فلا أصلحهم الله قال يحيى ففعل ذلك فما خرجت من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد وأقلها سرقة ونقباً.

وكان يقول لولاته:-

(إن أرسلت لكم أمرأ يخالف الحق فأضربوا به الأرض واستمسكوا بالحق وحده).

لتطبيق العدل والحق حتى لو كان يخالف، الحاكم فالحق أحق أن يتبع.

وحدث وقت عمر بن الخطاب أن رجل من بني بكر قتل ذمياً فأمر بتسليمه لأهل المقتول لقتله.

وحذر عمر بن الخطاب ولاته من الخوارج بقوله:-

(إذا أرادوا إن يصيحوا في الأرض من غير أذى لأهل الذمة وفي غير أذى للأمه فليذهبوا حيث شاءوا وإن نالوا أحدهم حاكمهم الله).

وقال علي بن أبي طالب:-

(من كان له ذمتنا فدمه كدمنا وديته كديتنا).

(إنما قبلوا عقد الذمة لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا).

فقال فقهاء الأحناف:-

(إذا أتلف المسلم خمراً لذمي أو قتل له خنزيراً غرم ثمنه).

فحتى فيما حرمة الدين وهو حلال لغير المسلمين لا يحق لأحد التعدي عليه فيه.

فالدية واحدة حتى إذا قتل مسلم ذمي فلابد أن نحافظ على دمائهم وعرضهم وأموالهم طالما لهم ذمتنا ولهم أيضاً حق كف الأذى ورد الغيبة كالمسلم وهذا للترابط وتوحيد الأمة ولا يشعر أي فرد بهدر حقوقه بالدولة ولإقامة العدل بين الناس.

وفي أحد الأيام مر عمر بن الخطاب برجل يهودي يتسول فجعل رزقه من بيت المال أي أن جعل له مرتب يعيش منه وقال:-

(أكلنا شيبته فإن تركناه في هرمه فما أنصفناه أجعلوا رزقه في بيت المال).

فإن المنهج الإسلامي جعل لهم مال من بيت مال المسلمين أيضاً لأنهم من الأمة نفسها فلهم نفس الحق.

وحين وفد عليه من مصر فتى قبطي مكروب يقول له يا أمير المؤمنين هذا مقام العائذ بك ويقول له أن محمد بن عمرو بن العاص قد أوجعه ضرباً لأنه سابقه فسبقه فعلا ظهره بالسوط وهو يقول خذها وأنا ابن الأكرمين فأرسل يدعو عمرو بن العاص ومحمد ابنه ويروى أنس بن مالك فيقول :-

(...فو الله إنا لجلوس عند عمر وإذا عمرو بن العاص يقبل في أزار ورداء فجعل عمر يتلفت باحثاً عن ابنه محمد فإذا هو خلف أبيه فنادى عمر أين المصري فقال ها أنا ذا يا أمير المؤمنين قال عمر خذ الدرة وأضرب بها إبان الأكرمين فجعل يضربه وعمر يقول اضرب ابن الأكرمين ثم قال عمر للمصري (أجلها على صلعة عمرو فو الله ما ضربك إلا بفضل سلطانه).

فقال الرجل يا أمير المؤمنين قد استوفيت واشتفيت وضربت من ضربني. فقال عمر: أما والله لو ضربته ما حلنا بينك وبينه حتى تكون أنت الذي تدعه ثم التفت إلى عمرو وقال (يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا). والتفت للمصري وقال له (انصرف راشداً فإن رابك ريب فأكتب إلي).

وهذا ليحقق العدل لكل مشتكي دون النظر لمكانته أو مكانة الخصم أو لدين أحدهما، فيطبق العدل على الجميع ولا يهاب المشتكي من أن يقدم شكواه في أحد لعلو مكانته. ولمسؤولية الحاكم على تطبيق العدل لكل أفراد الشعب من أقصى الدولة إلى أدناها.

وموقف أخر لعمر بن الخطاب في تحقيق العدل والمساواة بين الجميع في تحقيقه أن جبلة بن الأبهم كان أميراً نصرانياً وأسلم هو وأهله، وكان في يوم وهو سائر بين الناس في الحج وطأ أعرابي إزاره فلطمه جبلة على الملأ بين حجاج البيت الحرام، فقضى عمر للأعرابي أن يلطم الأمير على الملأ. حتى لا يكون تفرقة بين الناس بسبب مكانة أحدهم في تطبيق العدل.

ودليل آخر هو قصة درع الإمام علي بن أبي طالب الذي سقط منه في معركة صفين وكان في وقتها أميراً للمؤمنين أي الحاكم للدولة فعندما كان بالسوق وجد الدرع مع يهودي يبيعه بالسوق فقال له الإمام أن هذا الدرع ملكه فرفض اليهودي كلامه وطلب الاحتكام للقاضي وعندما ذهبا إلى القاضي ومثلَ أمامه طلب القاضي من علي دليل على صحة كلامه فقال أبني الحسن يشهد على هذا فقال القاضي أن شهادة الابن لا تجوز لأبيه وأقر القاضي بأحقية اليهودي في تملك الدرع.

فعندما وجد اليهودي قمة العدل فقال لعلي أما الدرع فهو فعلاً لك وأما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وإن محمد رسول الله فقال له الإمام علي أما الدرع فهو لك هدية.

فهذه هي قمة العدل بين الناس أن يمثل الحاكم أمام القاضي في أي خصام مثل أي فرد في الأمة ويقام العدل بينه وبين الخصم حتى لو لم يكن بحق الحاكم. فما نراه إلا أقامه العدل الإلهي دون تفرقة وأن لا أحد فوق القانون.

وقام عمر بن عبد العزيز برد أرض إلى ذمي أغتصبها أحد الأشخاص من بني أمية ليرد الحق لأهله وأقامه العدل.

 ورد عمر بن عبد العزيز حقوق النصارى عندما شكوا له الوليد بن عبد الملك أنه كان قد هدم جزء من كنيسة يوحنا لتوسيع المسجد الأموي بدمشق فأمر بهدم هذا الجزء ورده إلى أصحابه.

وعندما كتب له عاملة على خراسان بن عبد الله أن أهل خراسان قد ساءت رعيتهم وأنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن له في ذلك فرد عليه:-

(..... كذبت بل يصلحهم العدل والحق فأبسط في ذلك فيهم).

وقال لآخر (حصنوا المدن بالعدل).

 وفي موقف آخر للقضاء العادل بأنه حدث أن استعصى على جيش المسلمين فتح إحدى المدن وهي سمرقند فعقدوا الصلح مع أهلها بشروط عدم دخول الجيش إلى المدينة ويظلون خارجها ولكن القائد المسلم (قتيبة) جدت عليه بعض الأمور العسكرية فأضطر إلى دخول المدينة وأحتلها فرفع أهل المدينة أمره للقاضي المسلم ويدعى (شريح) فقضى أن ينسحب الجيش الإسلامي من المدينة عدلاً لأهل سمرقند.

وهذا لأن الفكر الإسلامي في العدل بالحرب (كما سنأتي لشرحه في موضعه بعد ذلك بالتفصيل بالقسم الثاني بهذا الباب) يؤكد على ضرورة إنذار من سنحاربه قبلها عند فتح المدن وأن يختار إما الدخول في الإسلام أو دفع الجزية أو القتال فبتظلم أهل المدينة إلى القاضي شريح بأن القائد قتيبة لم ينذرهم وعلل القائد بأن كل المدن السابقة لها لم تسلم ودخلت في حرب وكان يوجد حاجة عسكرية لها بالتحصن لذا دخلها دون إنذار فحكم القاضي المسلم بخروج المسلمين من المدينة بعد عدة أشهر كانوا قد بدأوا البناء والتشييد في المدينة وبالفعل خرج المسلمون منها وعندما وجد أهل المدينة الخراب الذي بدأ يحل على المدينة بعد خروج المسلمين وقمة العدل هذه خرجوا إلى معسكر المسلمين خارج أسوار المدينة وطلبوا منهم الدخول مرة إلى المدينة ووجدوا أن الإسلام حكم بحقهم في هذا الإنذار وجاء في صفهم رغم أن القاضي مسلم ولكن لأنه يخاف الله فوقف في صف الحق والعدل.

فكان المسلمين عندما يدخلون لبلد كانوا يقيمون فيها العدل والمساواة ولا يفرق بين أحد حتى في التجارة كما منع عمر بن الخطاب الولاة من التجارة وأخذ ما يزيد عن مالهم من التجارة حتى يحقق العدالة التجارية ولا يسيطر أهل السياسة على الاقتصاد ويحرم منا الضعيف وهذا تحقيقاً للعدل. مما كان يدفع أهل البلاد للدخول في هذا الدين العادل والسمح فلم ينتشر الإسلام بالقوة كما يقال أبداً وإنما كان ينتشر في البلاد التي يحكمها الإسلام بالعدل و العلم لكل الناس على اختلاف أديانهم وأعراقهم ولم يفرق بين أحد وكان يعامل الكل على أنهم من الأمة الإسلامية حتى لو كانوا أصحاب ديانات أخرى عملاً بما سنه النبي بالوثيقة مع اليهود في المدينة لتوحيد الأمة. وليس كما كان يفعل الاستعمار في الدول التي يحتلها فكان يقمع الشعوب فكان هذا السبب الأساسي لترحيب أهل مصر والشام بالمسلمين بدلاً من الروم الذين كانوا يذلونهم ويسومونهم سوء العذاب بل ونبغ علماء من خارج الدين الإسلامي وازدهرت العمارة المسيحية والأدب اليهودي في عهد الخلافة الإسلامية.

وكان خير دليل على توحيد الأمة بالعدل والمساواة وثيقة الرسول مع يهود المدينة كما ذكرناها في مفهوم الأمة في النقطة السالفة الذكر والعهدة العمرية مع أهل بيت المقدس وعهد عمرو بن العاص لأهل مصر ونصهم كالآتي ولكن قبلها نذكر أمثلة من العدل والمساواة لأهل الذمة فعدل وساوى الفكر الإسلامي بين المسلم والذمي في حدود القتل وغيره عدا الأحوال الشخصية والخمور فتركهم يحتكموا لشرائعهم وهذا من أسس العدالة القانونية. و لابد أن يوفي عهدهم والدفاع عن الوطن حق على المسلمين طالما يدفعون الجزية أو إن اشتركوا في الدفاع عن الدولة فتسقط عنهم الجزية كوضع الدول الإسلامية حالياً. ولا يكلفوا فوق طاقتهم ولا يشدد عليهم في الجزية إذا فرضت عليهم وطبعاً حرية العبادة الكاملة.

 ورأينا في وثيقة المدينة في النقطة الفائتة قمة العدل والمساواة بين أفراد الأمة فلا مساواة وعدل أفضل من كل هذا.

وسنجد ما قام به الخليفة الراشد في عهده لأهل الذمة في القدس ومصر تحقيقاً للعدل

 

-       العهد للقدس ومصر:-

 

أولا العهدة العمرية:-

كتبها عمر بن الخطاب عندما فتح بيت المقدس

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 عن عبد الرحمن بن غنم : كتبتُ لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صالح نصارى الشام، وشرَط عليهم فيه:-

ألا يُحدِثوا في مدينتهم ولا فيما حولها ديراً ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب، ولا يجدِّدوا ما خُرِّب، ولا يمنعوا كنائسهم من أن ينزلها أحدٌ من المسلمين ثلاث ليالٍ يطعمونهم، ولا يؤووا جاسوساً، ولا يكتموا غشاً للمسلمين، ولا يعلّموا أولادهم القرآن، ولا يُظهِروا شِركاً، ولا يمنعوا ذوي قرابتهم من الإسلام إن أرادوا، وأن يوقّروا المسلمين، وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس، ولا يتشبّهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم، ولا يتكنّوا بكناهم، ولا يركبوا سرجاً، ولا يتقلّدوا سيفاً، ولا يبيعوا الخمور، وأن يجُزُّوا مقادم رؤوسهم، وأن يلزموا زيَّهم حيثما كانوا، وأن يشدّوا الزنانير على أوساطهم، ولا يُظهِروا صليباً ولا شيئاً من كتبهم في شيءٍ من طرق المسلمين، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يضربوا بالناقوس إلا ضرباً خفيفاً، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين، ولا يخرجوا شعانين، ولا يرفعوا أصواتهم مع موتاهم، ولا يَظهِروا النيران معهم، ولا يشتروا من الرقيق ما جَرَتْ عليه سهام المسلمين. فإن خالفوا شيئاً مما شرطوه فلا ذمّة لهم، وقد حلّ للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق.

هذا ما أعطى عبد الله، عمر، أمير المؤمنين، أهل إيلياء من الأمان.. أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقمها وبريئتها وسائر ملتها.. أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينقص منها ولا من حيِّزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يضارّ أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود.

وعلى أهل إيلياء أن يُعطوا الجزية كما يُعطي أهل المدائن. وعليهم أن يُخرِجوا منها الروم واللصوص. فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا أمنهم. ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية. ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بِيَعهم وصلبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بِيَعهم وصلبهم حتى يبلغوا أمنهم. فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية. ومن شاء سار مع الروم. ومن شاء رجع إلى أهله، فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم.

وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين، إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية.

كتب وحضر سنة خمس عشرة هجرية.

شهد على ذلك- خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان.

وبينما كان عمر رضي الله عنه يملي هذا العهد حضرت الصلاة، فدعا البطريرك عمر للصلاة حيث هو في كنيسة القيامة، ولكن عمر رفض وقال له: أخشى إن صليت فيها أن يغلبكم المسلمون عليها ويقولون هنا صلى أمير المؤمنين.

ليحافظ على حقهم وتحسباً لعدم التعدي عليهم.

 

ثانياً عهد عمرو بن العاص لأهل مصر:-

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان وملتهم وكنائسهم وصلبهم وبرهم وبحرهم. لا يدخل عليهم شيء من ذلك ولا ينتقص ولا يساكنهم النوب. وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف. وما عليهم ما جنى لصوتهم فإن أبر أحد منهم أن يجيب رفع عنهم من الجزاء بقدرهم. وذمتنا ممن أبى بريئة. وإن نقص نهرهم من غايته إذا انتهى رفع بقدر ذلك.

ومن دخل في دخل في صلحهم من الروم والنوب فله مثل ما لهم، وعليه مثل ما عليهم. ومن أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه أو يخرج من سلطاننا عليهم ما عليهم أثلاثاً في كل ثلث جباية ثلث ما عليهم.

على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمته وذمة رسوله وذمة الخليفة أمير المؤمنين وذمم المؤمنين.

وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأساً وكذا وكذا فرساً على أن لا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة.

شهد الزبير وعبد الله ومحمد بناة وكتب وردان وحضر.

 

فقمة العدل في الفكر الإسلامي تجبر الحاكم بالتطبيق على الرعية دون النظر لجنسهم أو لونهم أو ديانتهم ونجد في وثيقة المدينة والعهدة العمرية تأكيداً على ترابط الأمة وتوحدها مع العدل فيرتبط العدل وتحقيقه مع النقطة السابقة بتحقيق توحيد الأمة بوجود لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات دون تفرقة وسيرتبط كل هذا بالنقاط التالية من تحقيق المساواة والمواطنة وغيرهم مما سنقرأه سوياً.

فبالعدل يتوحد الشعب وتتلاشى الكراهية والضغائن وتحيا الأمم فالعدل قوام العالمين ويغرس في المواطن الإحساس بالانتماء للدولة لأن حقه لا يضيع فيها.

ويقول الإمام بن تيمية:-

(الدولة العادلة أفضل عند الله ولو كانت كافرة من الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة).

وهذا تشديداً على أهمية إقامة العدل في الدولة فبالعدل تنشأ وتستقر الأمم و تتوحد.

ونجد أن تطبيق مبدأ المواطنة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية واختيار أهل الكفاءة والخبرة وأيضاً حق الجميع في التملك للأراضي والمشاريع دون تفرقة وهذا ما حدث في العراق والشام ومصر كما رأينا ولم يتم انتزاع أياً من ملكياتهم هو تطبيق للعدل بحذافيره وسنتحدث عن كلاً منها في نقاط منفردة لشرحها تالياُ وأثباتها في المنهج الإسلامي.

وسنجد في السياسة الاقتصادية تجريم الربا والاحتكار هو قمة العدل الاقتصادي للحفاظ على مبدأ تكافؤ الفرص والمنافسة الحرة الشريفة التي تسمح للأشرف والأفضل والمشروعات الصغيرة للوصول للقمة ولا تجعل من أحد محتكر للسلع فيتفوق على غيرة بدون عدالة اقتصادية. وأيضاً تجريم بخس حقوق الناس والغش بالميزان وجودة المنتج هو قمة العدل الاقتصادي من أجل أن ينال كل فرد حقه في البيع والشراء بدون غش.

وهذا ما سنقابله بالتفصيل في باب الاقتصاد.

وأيضاً العدل في حقوق أهل الذمة سنجدها بالتفصيل بالنقطة الخاصة بها تأكيداً على أهميتها.

والعدل أيضاً سنجده في حقوق المرأة سواء في اختيار الزوج والطلاق وهذا في باب الحياة الاجتماعية بالتفصيل.

فالعدل ليس بالقضاء فقط ولا بالسياسة فقط وإنما في كل أشكال المعاملات بالحياة وسنراه في كل ألوان الحياة (الاقتصادية والاجتماعية والعلمية) لضمان حقوق المواطن وتوحيد الأمة واستقرارها.

فالعدل يجعل من المواطن يشعر بالأمان والانتماء لوطنه بتحقيق العدالة والمساواة في تطبيق القانون، ويزيد ثقته في القانون والوطن ويشعر الضعيف بحقه في وطنه وأنه ليس مهدور الحق بها. فلابد من المساواة في تحقيق العدل والقانون على الجميع حتى لا يأمن أحد العقاب بسبب حصانته أو قوته أو نفوذه فيسيء الأدب وهذه هي دولة القانون.

فمن أهم أسس تحقيق الدولة المدنية هو تحقيق العدالة والقانون وتحقيق هيبة الدولة بوجود قانون يعطي للضعيف حقه ويحميه من القوي، ولا يأمن أحد العقوبة فيسيء الأدب. فتأتي هيبة الدولة من هيبة القانون وتحقيق العدل والمواطن يشعر بها ويزيد من انتماءه لها.

فيجب أن تعمل الدول بكل سلطاتها على حماية أفراد الشعب بالقانون وتحقيق العدل وسيادة القانون والمساواة للجميع أمام القانون، وتحقيق العدالة الناجزة ليشعر الشعوب بالأمان والانتماء والحماية القانونية لهم، ويتحقق هيبة القانون والدولة بهيبة المواطن.

فإن حدث هذا يشعر المواطن بانتمائه لوطنه ويعمل على الالتزام بالقانون، وإن لم يحدث تجد الفوضى تعم لأن المواطن قد فقد الأمان وفقد الشعور بالقانون والدولة ومنها يفقد انتماءه للدولة.

 

فالعدل والحق يقوم الشعوب فعندما قيل لعمر بن عبدالعزيز: إن الناس قد فسدت أخلاقهم ولا يقوّمهم إلا السوط. فقال: كذبتم يقوّمهم العدل والحق.

 

-القضاء:-

-قال الله تعالى:-

(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)

(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)

(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)

(وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)

-قال النبي صلى الله عليه وسلم:-

(القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاضي في الجنة فقاضي عرف الحق أتبعه فهو في الجنة وقاضي عرف الحق وعدل عنه فهو في النار وقاضي حكم على جهل فهو في النار. فقالوا: ما ذنب الذي يجهل؟. قال عليه السلام: ذنبه أن لا يكون قاضياً حتى يعلم).

(ليأتين على القاضي العادل يوم القيامة ساعة يتمنى إنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط).

(لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان).

(القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة: رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جَارَ في الحكم فهو في النار).

(مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ).

القضاء هو أداة تنفيذ العدل من الدولة بين الناس ويقوم به من هم مخول لهم الحكم بين الناس فكان يقوم به النبي لصغر حجم الدولة في البداية وتواصل هذا يحدث حتى ازدادت أثقال الحاكم فخول الحاكم نواب عنه للحكم بما يروا ما هو أصلح على أساس الشريعة والقوانين والحدود بالفكر الإسلامي.

ويفصل القضاء أيضاً بين مؤسسات الدولة لذا لابد أن يكون قراره مفصولاً عن الحاكم وهذا ما تم التعرض له بالشرح والتفصيل في نقطة (التمايز بين السلطات) في هذا الباب.

-وقال النبي صلى الله عليه وسلم:-

(إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض فأقضي بنحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار).

وهذا للتأكيد على أن القاضي يحكم بما هو أمامه ومعروض عليه من أدلة وقرائن فلا لوم عليه إن أخطأ إلا إذا كان قاصداً الحكم بالخطأ لمصلحة أحد الأطراف. ولذا فعلى القاضي توخي وتحري الدقة في أحكامة.

 

-وكانت رسالة عمر بن الخطاب في القضاء تأكيداً على العدل وهي:-

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

من عبد الله عمر بن الخطاب امير المؤمنين إلي عبد الله بن قيس

سلام عليك أما بعد:-

فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة فأفهم إذا أدلى أليك فأنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ. له أس -ساوي- بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك حتى لا يطمع شريف في حيفك -ميلك مع شرفه ونسبه- ولا ييأس ضعيف من عدلك. البينة على من ادعى واليمين على من أنكر. والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً. لا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق فإن الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل الفهم الفهم فيما تلجلج -تردد- في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة ثم أعرف الأشباه والأمثال فقس الأمور عند ذلك وأعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق. وأجعل لمن ادعى حقاً غائباً أو بينة أمداً ينتهي أليه فإن أحضر بينته أخذت له بحقه وإلا استحللت عليه القضية فأنه أنفي للشك وأجلى للعمى. المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً في حد أو مجرباً علية شهادة زور أو ظنياً -متهم- في ولاء أو نسب فإن الله تولى منكم السرائر ودرأ -دفع- بالبينات والأيمان. وأياك والقلق والضجر -ضيق الصدر وقلة الصبر- والتأذي بالخصوم والتنكر عند الخصومات فإن الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن به الذخر فمن صحت نيته وأقبل على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس ومن تخلق للناس –أظهر لهم في خلقة خلاف نيته- بما يعلم الله بأنه ليس من نفسه شانه الله فما ظنك بثواب غير الله عز وجل في عاجل رزقة وخزائن رحمته.

والسلام.

فكانت الآيات والأحاديث والرسالة في القضاء مبينة وموضحة لأسس إتباع الحق والعدل بطرق محددة للقضاة لتنفيذها وهي:-

1- بأن يتكلم بالحق دون خوف فلا يخاف من صاحب منصب أو جاه.

2- المساواة بين الناس أمام القضاء حتى لا ييأس الضعيف من العدل. ولا يأمن أحد العقاب فيسيء الأدب.

3- على المدعي إظهار دليله والقسم على من ينكر ويكذب فيعاقب.

4- أن كل صلح جائز طالما لا يحل حراماً.

5-   إن وجد القاضي حكماً يشعر فيه بالتردد فله أن يرجع عنه و يراجعه ليصل إلى الحق فهذا أفضل من التمادي في الحكم الخطأ.

6-   إعطاء الفرصة للمدعي بجلب دليله.

7-   أن المسلمون والناس لهم في بعض حقاً إلا من ظلم وشهد زوراً.

8-   أن يكون القاضي واسع الصدر وذو رحابة حتى يستمع للجميع ويتوخى العدل في أحكامة.

9-   لا يحكم القاضي وهو في حالة نفسية سيئة أو غضب حتى لا يؤثر هذا على حكمه.

10- تحري الدقة والحق في الحكم.

12- يجب أن يتم تحديد تاريخاً معيناً لتقديم الدعوى.

13- إذا لم يحضر المدعي عليه في التاريخ المحدد يمكن أن يحكم في القضية غيابياً.

14- كل مسلم يصلح للشهادة عدا من وقع عليه عقاب أو ثبت كذبه في الشهادات.

15- السرعة في الحكم وعدم تعطيلها ولا يأخذ القاضي وقتاً طويلاً بالحكم وتنفيذه، حتى لا ييأس الناس من تحقيق العدالة الناجزة.

16- قد فرض عمر للقضاة رواتب فكان راتب سلمان بن ربيعة الباهلي والقاضي شريح خمسمائة درهم شهرياً، ولم يكن يسمح لأي قاض بالبيع والشراء والتجارة لعدم تضارب المصالح وفي أحكام القضاء.

فكان كل هذا تأكيداً على العدل والقضاء وأهميته وكيفية تطبيقه والتشديد عليه، من أجل صلاح الدول وشعور المواطن بحقه بوطنه والانتماء لها من أجل بناء الحضارة.

 

أينما يكون العدل، فثم شرع الله

ابن القيم الجوزية

 

فساد القضاء يفضي إلى نهاية الدول

ابن خلدون


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم