-التمايز بين السلطات وعدم تدخل
السلطات فيما بينها واستقلال القضاء:-
نوضح في
البداية الفارق بين كلمتي (تمايز وفصل) بين السلطات لما يحدث من خلط بينهم:-
أ-التمايز بين
السلطات:-
تعني أن كل سلطة سواء كانت رقابية أو تنفيذية أو قضائية
يعينها الحاكم بعد اختيار الشعب وموافقة واختيار أهل الشورى (المجلس التشريعي نواب
الشعب) لهم وتكون كلاً منهم قائمة بذاتها في العمل باستقلال كامل، ولكن تكون بينهم
صلات في التعامل ونقل المعلومات وتداولها بشكل كامل وشفاف وهذا من أجل مصلحة
الدولة.
ب-الفصل بين السلطات:-
تعني كل سلطة بعيدة عن الأخرى في العمل وحريتها في نقل
المعلومات ومساعدة الأخرى مما يؤدي إلى احتمالية وجود تعنت في بعض الأحوال إذا كانت
تسيطر على كل سلطة حزب غير الآخر وبهذا تتعطل مصالح الدولة.
وهنا أوجد منهج الفكر الإسلامي الحل بأن يوافق الحاكم على
تعيين رؤساء السلطات القضائية وغيرها بعد ترشيحات واختيار الشعب لهم بطريقة مباشرة
أو عن طريق نواب المجالس التشريعية على أساس الخبرة والكفاءة ويتم تعينهم بعد
موافقة الهيئات والسلطات المختصة بها كمجلس القضاء لتكون هيئات مستقلة وليست
تابعة، فمثلاً يعين أعضاء الهيئات القضائية دون تدخل من الحاكم حتى يكون قراراتها
وأحكامها مستقلة ولا يتم التأثير عليهم لأنه من عينهم بل يكون ولائهم للشعب وهيئاتهم
المختصة ولا تتدخل أي سلطة في عمل الأخرى ولكن كل سلطة تساعد الأخرى رغماً عنها
لأنها تخدم مصلحة الشعب والدولة وتنقل لها بيانات ومعلومات المساعدة إن احتاجت لها
الأخرى.
وتكون السلطة القضائية هي المنوط بها مراقبة تنفيذ
القانون وتطبيقه وتحكم فيما إذا كانت متناسبة مع الشريعة من خلال المحكمة
الدستورية العليا وليست أي جهة دينية أخرى حتى لا يوجد حكم كهنوتي أو سيطرة دينية
على القرار القانوني والسياسي والمدني.
وتستمد السلطة القضائية شرعيتها من انتخاب الشعب لها
بطريق مباشر أو بترشيحات المجالس القضائية المستقلة لنواب الشعب بالمجلس التشريعي
الذي يوكل له مهام الرقابة القضائية.
فلا تتدخل سلطة في عمل سلطة أخرى ولا تحاول التأثير
عليها وخاصهً الحاكم والسلطة التنفيذية لا تتدخل في أحكام القضاء ولا التشريع أو
غيرها هذا غير أن السلطة التشريعية تراقب السلطة التنفيذية والحاكم وأعوانه ويحق
للمجلس مسائلة الحاكم ونوابه ومساعديه لأنها السلطة الأعلى والممثلة للشعب صاحب
السلطة العليا في الدولة فلا يحق للحاكم حل المجلس وتراقبهم السلطة القضائية وتفصل
في نزاعاتهم وتنظيم العمل بينهم، ولا تعلو سلطة على الأخرى ولا تخضع إحداهما
للأخرى وخصوصاً القضائية والتشريعية لا تخضع للسلطة التنفيذية حتى لا يحدث إخلال
بقواعد الحكم المدني والديمقراطي ولا تستخدم السلطة التنفيذية السلطات الأخرى
لمصلحتها.
فتكون
السلطة التشريعية عين الشعب على السلطة التنفيذية، وتكون السلطة القضائية فاصل
بينهم وبين الشعب فلا يصح أن تعلو التنفيذية عليهم وإلا أصبحت تملك الدولة وتقتل
فيها الديمقراطية والشورى والعدل.
فكما وجدنا
أن السلطة التشريعية أيضاً منفصلة عن السلطة التنفيذية بتعيينها واختيارها من
الشعب صاحب السلطة وإن رأيها ملزم للحاكم وهي من تراقبه وتحاكمه وتوافق على تعيينه
بعد انتخاب الشعب له ويقسم أمامها لأنهم ممثلين الأمة تكون السلطة القضائية منفصلة
وفاصلة بينهم ومحددة لقوانين عملهم أيضاً ومراقبة للقانون ومدى دستوريته وتنفيذه
من قبل السلطة التنفيذية.
-الأمثلة:-
1- عندما
أراد عمر بن الخطاب بعام المجاعة تعطيل حد السرقة ولكن أهل الشورى (المجلس
التشريعي) قام بتخفيض حد السرقة ولم يعطله تماماً. فالحاكم له تقديم القانون ولكن
الموافقة للمجلس والشورى هي الأساس دون تدخل من الحاكم. لعدم سيطرة السلطة
التنفيذية على السلطة التشريعية ولكن التعاون بينهم لمصلحة الدولة.
2- في يوم
لقي عمر بن الخطاب وهو الخليفة وقتها العباس وقال له لقد سمعت رسول الله قبل موته
يريد أن يزيد في المجلس وإن دارك قريبة من المسجد فأعطنا إياها نزدها فيه وأقطع لك
أوسع منها فقال العباس لا أفعل فقال عمر إذن أغلبك عليها فقال العباس ليس ذلك لك
فأجعل بيني وبينك من يقضي بالحق فقال عمر من تختار؟ قال العباس حذيفة بن اليمان
فذهبا إليه فقضا بينهما بقول أن الله قال لداود عندما أراد أن يزيد في بيت المقدس
وأخذ بيت يتيم مجاور له قهراً (إن أنزه البيوت عن الظلم لهو بيتي) فتركه داود.
ثم قال لعمر
ألا تزال تريد أن تغلبني على داري؟ قال لا فرد العباس ومع هذا أعطيك الدار لتزيد
المسجد.
3- موقف عمر
بن الخطاب عندما أراد تعين قاضي ليقضي بين الناس لكثرة مشاغله فطلب من علي بن أبي
طالب أن يكون القاضي فوافق علي بشرط أن لا يراجعه في أمر قضا فيه فعندما عينه
قاضياً وسأله علي (ما تفعل لو حكمت بما لا تراه) فقال عمر (لست أبطل حكماً قال
فيها أبو الحسن يقصد علي).
4- امتثال علي بن أبي طالب أمام القاضي وهو الخليفة وقتها
بل وحكم القاضي كان ليس لمصلحة علي وإنما لمصلحة خصمه اليهودي ولم يؤثر الحاكم عليه
أو يتدخل في عمله. فعندما وجد علي بن أبي طالب درعه الذي سقط منه في معركة صفين مع
يهودي بالسوق وقال له أنه ملكه فطلب اليهودي الاحتكام للقاضي وعندما ذهبا إلى
القاضي ومثلَ أمامه طلب القاضي من علي دليل على صحة كلامه فقال أبني الحسن يشهد
على هذا فقال القاضي أن شهادة الابن لا تجوز لأبيه وأقر القاضي بأحقية اليهودي في
تملك الدرع.
فكان هذا دليل على استقلال القضاء في قراره دون تأثير من
الحكام.
1- حادثة شكوى أهل إحدى المدن (سمرقند) التي دخلها المسلمين
بعد معاهدة أهلها على ألا يدخلها الجيش ولكن بعد نقض العهد حكم القاضي (شريح) بخروج
الجيش منها ولم يتدخل الحاكم في هذا الأمر في الإفتاء فيه أو منعه رغم أنه الذي
عين القاضي ورغم أن هذا نصر وفتح مدينة جديدة له ولكن عملاً بمبدأ العدل والحق
وعدم التدخل في سلطة القضاء من قبل الخليفة أو أي أحد بل ساعدته السلطة التنفيذية
بتنفيذ أمر الحكم والانسحاب من المدينة.
فحكم القاضي
شريح بخروج جيش المسلمين من مدينة دخلوها عدواناً ولم ينذر أهلها ووعد بعدم دخول
الجيش لها للحفاظ على العهود التي وعدنا الناس بها فكان قتيبة بن مسلم الباهلي فتح
أرض سمرقند من غير أن يخيرهم بين الأمور الثلاثة (السلم الدائم أو الوقتي ونشر
الدعوة أو القتال) فاختاروا الوقتي وعدم دخول الجيش للمدينة فشكا أهل المدينة
قتيبة وقالوا ظلمنا قتيبة وغدر بنا وأخذ بلادنا وقد أظهر الله العدل والإنصاف
وطلبوا أن يؤذن لهم ليقدموا على عمر بن عبد العزيز ويسطوا قضيتهم فأذن لهم ولما
قدموا عليه وأستمع إليهم كتب إلى واليه يقول له إن أهل سمرقند شكوا ظلماً وتحاملاً
من قتيبة عليهم فلينظر في أمرهم فإن قضا لهم فأخرج العرب إلى معسكرهم قبل أن يظهر
عليهم قتيبة فأجلس لهم الوالي القاضي وهو شريح فقضا أن يخرج عرب سمرقند إلى
معسكرهم أو ينابذونهم على سواء فيكون صلحاً جديداً أو ظفراً عنوة.
فكان كل هذا
تأكيداً علي الفصل بين السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية وعدم التدخل في
أحكامها وترسيخاً لمبدأ التمايز بين السلطات وإعلاء السلطة القضائية على التنفيذية
حتى لا يتم التسلط منها على القضائية واستخدامها لمصلحتها.
وتأكيداً
على علو السلطة القضائية على السلطة التنفيذية. بل وتنفيذ أحكامها تأكيدا على
التمايز بين السلطات والتعاون بينهم وعدم توغل وسيطرة إحداها على الأخرى حتى لا
يحدث تلاعب في السلطات بالدولة واستقلال السلطة التشريعية وعدم سيطرة السلطة
التنفيذية عليها.
ففيما وجدنا
من امتثال الحاكم أمام القاضي ليفصل في نزاع بينه وبين فرد من أبناء الوطن دون
النظر إلى دينه بل والحكم لصالح المواطن ووجدنا أيضاً الحكم لأهل المدينة بخروج
المسلمين منها رغم أن هذا نصر وفتح جديد للدولة ولكن امتثلت السلطة التنفيذية (الحاكم
والجيش) لحكم القضاء دون أن يتدخل في أحكامه من أجل إقامة العدل بين الناس.
فلابد أن تكون
الهيئة القضائية هيئة مستقلة لا تتدخل السلطة التنفيذية في تعيناتها لتكون قرارتها
مستقاه حتى لا يحدث أدنى تأثير أو ولاء من القضاة للحكام عندما يعينوهم وضمان عدم
تسيسهم وتبعيتهم للحاكم بل يكون ولائهم للشعب الذي عينهم واختارهم بموافقة نواب
الشعب أعضاء المجلس التشريعي. وهكذا السلطة التشريعية كما تحدثنا في نقطة (المجالس
النيابية).
فالقضاء فوق
الحاكم وأحكامه تسير على الكل ولا يتدخل بها أحد والتمايز بين السلطات (التنفيذية،
التشريعية، القضائية) موجود كما وضحنا هنا وبنقطة (الشورى، المجالس النيابية، رد
أهل الشورى) فنادى بهذا منهج الفكر الإسلامي وأقامها الخلفاء الراشدين كما رأينا
قبل أن ينادي بها أحد.
وهذا لأنه
لو حدث سيطرة من السلطة التنفيذية على باقي السلطات ستقوم بالاستبداد ولن يكون لها
رقيب أو حسيب على أفعالها. وبالتالي سيحدث حكم شمولي وضياع لحقوق الناس وعدم وجود
رقيب أو حسيب على القرارات والتصرفات التي يتم اتخاذها من قبل الحكومة التنفيذي.
هذا غير
ضياع العدل وعدم المساواة في الحقوق والواجبات، وخلق مجتمع مدمر. وبالتالي سيدمر
التعليم والصحة والأخلاق. وهذا ما لا يريده الفكر الإسلامي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكراً لتعليقكم