5-أهل الحل
والعقد:-
ذهبت بعض الآراء
أن أهل الحل والعقد هم من يقومون بكل الأدوار في الدولة من اختيار الحاكم والرقابة
عليه والتشريع والتطبيق للحدود ومحاسبة الولاة ومشاورة الحاكم لهم وقسموهم إلى
قسمين مكونين لها:-
-أولاً:-
أولياء أمور
الأجناد والزعماء والعسس وكبير التجار والصناع (أصحاب الخبرة العملية بالدولة).
-ثانياً:-
أهل العلم والاجتهاد
الديني.
وهكذا يكون تكوينهم
ووظيفتهم كما ذكرنا هي التشريع على ضوء الشريعة وأيضاً مساعدة الحاكم في تدبر أمر
الدولة ومراقبته.
وهنا نقول أن
أهل الشورى وأهل الحل والعقد لا يختلفان عن بعضهم البعض وإنما الاثنان يحملان نفس
المعنى مع اختلاف المسميات واختلاف مسميات أعضائهم حتى أن المسميات اختلفت الآن إلي
مجلس (الأمة، الشورى، النواب، الشيوخ......الخ)
فكلاهما به
فقهاء الدين وخبراء الدولة في المجالات المختلفة بل وإن الوظيفة التشريعية
والرقابية واحدة وإنهم يؤخذ رأيهم فيما يخص أمور الدولة ورأيهم ملزم للحاكم.
ولكن الاختلاف
هنا في طريقة الاختيار فيرى البعض أن أهل الحل والعقد هم من يفرضون أنفسهم على
الدولة أو على الأقل يختارهم الحاكم لخبرتهم.
ويرى آخرون أن
أهل الشورى يختارهم الناس كما فعل النبي وعمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز في
المدينة كما ذكرنا، وهذا هو الأساس والأصح لتطبيق الشورى وحرية الرأي بطريقة سليمة
وضمان ولائهم للشعب صاحب السلطة.
وهنا نقول أن
العصر قد اختلف في كلتا الحالتين وإن توافقت مع الحالة الثانية أن الأمر يرجع إلى أصحابه
وهم الناس والشعب لأن منطق أن أهل الشورى يفرضون أنفسهم قد يدخل به بعض الشبهة
الآن في حب البعض للسلطة.
هذا فضلاً عن
أن في الزمن الأول كان أهل الحل والعقد من الصحابة التي يتفق أهل هذا العصر على
ثقة لهم لا حدود لها أما الآن ليس كل الأشخاص موثوق بهم.
وفي حالة أن
الحاكم يعينهم كما قلنا كان هذا بزمن الصحابة الذين لم يكونوا يخافون في الحق لومة
لائم، أما الآن فمن يعين أحد يوجد به شبهة أن يدين له بالولاء وليس للأمة.
وفي الحالة
الثانية التي أتفق معهم أن الاختيار يعود للشعب كان وقتها بالتوافق العام. أما الآن
لزيادة العدد السكاني والمساحة أصبح الانتخاب أفضل وسيلة للوصول إلى كل أفراد
الشعب في حقه بالاختيار وممارسة العمل السياسي. ويشترط في اختيارهم أن يكونوا
أصحاب خلق وعلم ورأي وصدق وأمانة وعدم الخوف من مواجهة الحاكم و إخلاص للأمة.
والنهاية أن
أهل الحل والعقد وأهل الشورى شيء واحد ووجودهم ضروري ولكن بالانتخاب الحر المباشر
من الشعب لهم أو بأي وسيلة تضمن حق اختيار الشعب لهم بطريقة سليمة وممارسة حقه
السياسي. كما ذكرنا بقيام النبي صلى الله عليه وسلم بطلبه من الأنصار أن يقوموا
باختيار نقباء عنهم من أهل المدينة برغبتهم وبحرية مطلقة.
6-المجلس
النيابي وأهل الشورى وأهل الحل والعقد:-
نرى أن
المجلس النيابي والتشريعي هو أيضاً مكون من أهل الدنيا وعلومها من القانونيين
والعلماء والمثقفين والسياسيين وغيرها من العلوم، وأيضاً معهم أهل العلم الديني
وهذا للتشريع الديني والمرجعية السليمة ويختارهم الشعب ليكونوا نواب عنه.
ووظيفة
المجالس التشريعية النيابية تتلخص في مراقبة الحاكم والسلطة التنفيذية ومحاسبتها
والوظيفة الثانية هي التشريع القانوني والوظيفة الثالثة هي استشارتهم في الأمور
الخاصة بالدولة ورأيهم يكون ملزم له.
فنجد أن
وظيفة وتكوين ودور ووظيفة أهل الشورى وأهل الحل والعقد والمجلس التشريعي أو
النيابي واحدة فما هي إلا مسميات اختلفت مع اختلاف العصور.
وتكون شروط اختيارهم
هي الأخلاق والعلم وأصحاب الفكر والرأي وهي نفس شروط اختيار أهل الشورى أو أهل
الحل والعقد.
وكما قلنا في
السابق أن لمطابقة وظيفة أهل الحل والعقد مع أهل الشورى مع المجالس النيابية وشروط
اختيارهم فلا خلاف بينهم، وإنها ما هي إلا مسميات مختلفة مع كل عصر ولكن المهم هو
تطبيقها وتفعيلها.
وأكدت فلسفة
الفكر الإسلامي على أنه لابد من أن يكون الشعب هو الذي يختار نوابه بالمجلس
النيابي، وكان الرسول هو واضع أساس فكرة اختيار الشعب والأمة لنوابها، ومستشارين
الحاكم قبل أن يدخل إلى المدنية كما وضحنا في نقطة (الشورى) وإلزامه برأيهم ورأي
الأغلبية في نقطة (رد أهل الشورى ملزم للحاكم) بهذا الباب. فكان حق اختيار النواب
من الشعب نفسه دون تدخل من الحاكم في اختيار أو تعين أحد وهذا هو الأساس. فيستمد
النواب شرعيتهم من اختيار الشعب لهم وإن أخلوا بعملهم من حق الشعب المطالبة بعزلهم
من مناصبهم.
وهذا يؤكد
على عدم تعيين الحاكم لأي فرد في المجالس التشريعية النيابية عن الشعب التي هي جزء
من عملها مراقبته حتى يكون ولائهم للشعب صاحب السلطة في تعيينهم وليس لأي فرد آخر.
فتكون هذه
المؤسسات عين الشعب وهي التي تراقب الحاكم ومعاونيه وتقر القوانين فكما رأينا عمر بن
الخطاب يأخذ رأي أهل الشورى في حد السرقة، وتعطيله في عام المجاعة وهم بدورهم
يسألون الناس رأيهم عن هذا.
وبالطبع كما
كان رأي أهل الشورى ملزم للحاكم كما شرحنا سابقاً فيكون رأي المجلس التشريعي ملزم
للسلطة التنفيذية المراقبة له، وتكون هي السلطة الأعلى والرقيب على السلطة التنفيذية
مع حرية التصرف للسلطة التنفيذية بالرقابة منها والمحاسبة حتى لا يحيد أصحاب
السلطة التنفيذية ويستبدوا بالقانون والدستور.
وهنا نقول أن
وجود المجلس النيابي التشريعي وحده من أجل الشورى لا يكفي لأن الصفقات السياسية
عديدة غير أن السياسيين عادةً يكونون بعيدين عن الشعب من حيث متطلباته الأساسية
فلذا وجب أن يوجد بجانبه مؤسسات رقابية ومؤسسات مجتمع مدني منفصلة عن الدولة لها
حقوق رقابية من خلال سلطة الشعب وحددها الرسول في وثيقة المدينة بأن كل فرد يمنع
الخطأ إن شاهده يحدث ومن منطلق حديثه الكريم:-
(من رأى
منكم منكراً فليغيره...).
والتغير
باليد ليس بالعنف ولكن بالعمل السياسي والمجتمعي الذي يجعل من الشعب صاحب السلطة أن
يحافظ عليها بالرقابة والعمل عليها.
ومن هنا أيضاً
ننطلق بفكرة المؤسسات المدنية التي توجب على أهل الشورى والمجالس التشريعية والنيابية
بأخذ رأيهم قبل كل مشروع قانون أو توجه اقتصادي أو سياسي أو عسكري عام يستحق الاستفتاء
والمشورة وبالتالي لقرب هذه المؤسسات من الشارع ستتفهم الوضع الجيد وتوصل المعلومة
بشكل أدق للشعب والدولة والمجلس الذي سيعدل رأيه بناءً على إرادة الشعب من باب المصلحة
العامة. ومن هنا يكون رأيه ملزم بطريق غير مباشر وتتحدد قوة المجتمع المدني ويكون
هو المحرك الأساسي للمجتمع السياسي.
وبهذا يصل
رأي الشعب ومتطلباته بطريقة سليمة من الأسفل إلى الأعلى وليس العكس فيكون عينه على
الحكومة ويده ومعها وأذنه لها.
والشورى في
النظام الإسلامي موازية للنظام البرلماني ولكنها مستقرة عنه لأنها منضبطة بضوابط
العقيدة والشريعة وأخلاقيات الفكر الإسلامي في السياسة وملامح الشخصية الإسلامية
بمجلس منتخب من الشعب مراقب للحكومة ومحرك لها مع رقابة المؤسسات المدنية للسلطتين
التنفيذية والتشريعية وموجه لها بإرادة الشعب وبآرائه.
ويتوجب هنا
أن نبين أنه على الناخب أن يختار أهل العلم الذي تحتاجهم الدولة لقدرتهم على
مراقبة الحكومة ومناقشة القوانين والموازنة العامة ومشاريع البنية التحتية
والأساسية للدولة وليس من هم لا يعلمون القراءة والكتابة وهذا من أساس المنهج الإسلامي
لاختيار النواب والمستشارين، فعندما طلب الرسول من أهل المدينة أن يختاروا له
مستشارين طلب أن يختاروا من فقهائهم وعلمائهم وكذا فعل خلفائه. والفقيه ليس بالدين
فقط وإنما بالعلوم كلها التي تحتاجها الدولة سواء دنيوية أو دينية التي نحتاجها في
إدارة الدولة وتقضية أمور وأحوال الشعوب بما يتطلبه العصر والحياة .
فلا يوجد أي
مانع شرعي أو عقلي يقول أن المجالس النيابية لا تتفق مع الشورى بل تتوافق معها
تماماً في التكوين والمهام والأهمية وفي الدور الوظيفي التي تؤديه من تشريع
ومراقبة للحاكم ومعاونيه. وقد يكون الاختلاف في شكل مجالس الشورى وتسميتها
وتطبيقها متروك للعقل الذي يتفكر في كيفية تطبيقها على حسب الزمان والمكان ليس إلا
مع اختلاف متطلبات العصر والشعوب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكراً لتعليقكم