كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 10 (مفهوم الأمة)

 


 

8- مفهوم الأمة والدولة في المنهج الإسلامي:-

 

هي المكون الأساسي لشعب الدولة ومكونه من وحدة أفرادها على اختلاف اللون والجنس والدين ودون تفرقة بينهم وأكد منهج الفكر الإسلامي على الوحدة الإنسانية وأن الشعوب على مختلف أعراقها وألوانها وأديانها ما هي إلا أمه واحدة.

-قال الله تعالى:-

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا).

(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ)

(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ...)

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا...)

-قال النبي صلى الله عليه وسلم:-

(كلكم لأدم وأدم من تراب لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى)

(مثل المؤمنون في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).

تأكيداً على توحد الأمة وأهمية التكافل والتضامن الاجتماعي.

(ليس منا من بات شبعاناً وجاره جائع).

(من كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له).

ونجد تأكيد النبي على الوحدة دون تفرقة على أي أساس ديني قوله:-

(من أذى ذمياً فأنا خصيمه ومن كنت خصيمه خاصمته يوم القيامة)

للتأكيد على وحدة الأمة وعدم إيذاء أي من أبنائها حتى لو كان صاحب دين آخر.

فكانت الآيات تؤكد على أهمية الأخوة والتعارف أي التواجد بين الناس والانسجام في شعب واحد وأمة واحدة دون تفرقة على أساس جنسي أو عرقي أو ديني كما ذكرت في الأحاديث النبوية أيضاً.

بل ليؤكد النبي على وحدة الأمة أسقط الجزية عن يهود المدينة لاشتراكهم في الدفاع عنها ضد أي معتدي بحكم دستور المدينة وعندما أخلوا بمواد الدستور أجلاهم عن المدينة بسبب الخيانة والغدر لوحدة الأمة.

ونجد النبي لم يفرق في التعاملات بين أحد فزار اليهودي ووقف عند مرور جنازة يهودي وتاجر وتعامل معهم طالما تجمعنا دولة واحدة. ويحكمنا بهذا قول الرسول (لهم مالنا وعليهم ما علينا) للمساواة والعدل والترابط.

ونجد الرسول تزوج من امرأتان كانتا على ديانات مختلفة قبل إسلامهم (القبطية واليهودية) ليؤكد على إمكانية التزاوج لتوطيد الترابط المجتمعي بين الناس، والدين الإسلامي لم يحرم هذا تأكيداً على التعايش وإمكانية الحياة بين الجميع على مختلف أديانهم والترابط الأسري بينهم.

ونجد الرسول ترك أرض خيبر لليهود ليزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها للترابط بين فئات الأمة دون تفرقة أو عنصرية ليشعروا بحقهم بالدولة في الامتلاك.

وكان بالدولة سلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي الذي قال عنه النبي أنه من آل البيت كلهم متساوين مع العرب لم يفرق بين أحد في أمة تجمع الجميع.

فقامت الدولة والحضارة الإسلامية على هذا الأساس بالتعايش السلمي والتوحد الأممي بين جميع الأعراق والأديان، واشترك في بناءها المسلم العربي، والمسلم غير عربي مثل بلال وصهيب وابن رشد، والغير مسلم وغير عربي مثل يوحنا بن ماسويه وحنين بن إسحاق وكانا نصرانيين وعملوا بالطب وكانا مترجمين للطب اليوناني والذي تطور بعد ذلك على يد علماء الحضارة الإسلامية، وسهل بن بشر بن حبيب بن هانئ اليهودي في علم الفلك، والفلكي الشهير محمد بن جابر بن سنان الحراني الصابئ المعروف بالبتاني.

فشملت الدولة كل الأعراق والإثنيات ولغات الأمم المختلفة والحضارات ولم تطمسها ولم يتم تغيير لغات المجتمعات بمناطق وسط أسيا أو تدمير أي حضارة من هذه المناطق مثل مصر والعراق. فيجب عدم التعرض لثقافات الشعوب المغلوبة سواء أبنية أو غيرها من عادات وتقاليد فنجد عمر بن الخطاب عندما كان في (أذرعات) لقي قوماً يلعبون بالسيف والريحان أمامه ليحتفلوا بالعظماء فرفض أي مظهر من مظاهر التبجيل والفخامة فقال له أبو عبيدة بن الجراح إنها عاداتهم فقال له عمر دعوهم حتى لا يعتدي على عاداتهم أو ثقافتهم وكذا لم يتعرض لأثار مصر والشام والعراق.

فجميعهم عاشوا بأمة تجمع كل الأديان والأعراق وتدعو للعلم من أجل بناء حضارة واحدة تجمع كل أفرادها في بوتقة واحدة من أجل التقدم والتحضر وبناء الدولة بالمساواة والعدل والحرية.

وكتب الرسول وثيقة بين المهاجرين والأنصار واليهود كانت بمثابة دستور وحد الأمة وحدد مفهومها لوحدة الدولة الجديدة عند تأسيسها، وحدد فيها حقوق وأفراد الأفراد والمواطنين.

ففي هذه الوثيقة حدد الرسول أن الأمة واحده مهما اختلفت بها الديانات والأعراق ووضع دستور للترابط بين الطوائف محدداً به حقوق وواجبات كل فرد ليشكل أمة واحدة ليسير به على كل الأمم وكل الأزمنة وسارت على خطاه الدولة الإسلامية في عصورها الراشدة وحدد فيها ما للفرد على المجتمع والعكس وحقوق وواجبات كل منهم بل وتجلت فيها قمة الوحدة مع أطياف الدولة دون النظر لمسألة الدين وإلينا بقراءة الوثيقة وشرحها:-

 

وثيقة المدنية

 

1-   هذا الكتاب من محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم.

(لمعنى توحيد الأمة على قلب رجل واحد في القتال والحفاظ على الدولة في أي وقت).

2-   أنهم أمة واحده من دون الناس.

(نص التأكيد على ما سبقه، وبأنها أمة مستقلة عن باقي الأمم).

 3- المهاجرون من قريش على ربعتهم (حالتهم الأصلية دون تغيير) يتعاقلون بينهم (يتضامنون في الدية) وهم يفدون (يعطون الفدية) عن عانيهم (أسيرهم) بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

(للتأكيد على عدم تغيير أي ما كانت عليه حال الناس بالمدينة وعلى حق من يفد إلى المدينة بعد وضع دستورها فأكد على توحيد الدولة بالتكافل والترابط بينهم وحقهم وحق كل من ينضم إلى الدولة ثم ذكر بيوت الأنصار لضمان حقهم.

4- وبني عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

5- وبني الحارث (بن الخزرج) على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف.

1-   وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

2-   وبني جُشَم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

3-   وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

4-   وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف و القسط بين المؤمنين.

10- بنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف و القسط بين المؤمنين.

11- وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف و القسط بين المؤمنين.

12- وإن المؤمنين لا يتركون مفرحاً (مثقلاً بالدين) بينهم أن يعطوه بالمعروف من فداء أو عقل (التزام بالدية) وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونة (أي مساعدة كل فرد مثقل بالدين والعيال).

(التأكيد على أن الناس متضامنة مع بعضهم البعض اجتماعياً والحث على تفريج كرب بعضهم والتكافل بينهم).

13- وإن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى (ظلم) منهم أو ابتغى دسيعة (يريد نصرة في الظلم) ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين وإن أيديهم عليه (على الظالم) جميعاً ولو كان ولد أحدهم.

(للتأكيد على أن الشعب يد واحده ضد أي عدوان أو ظلم وعلى العدل وعدم التفرقة وعدم نصرة ظالم على أساس القرابة).

14- ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر ولا ينصر كافر على مؤمن.

(عدم القتل أحد في أحد إلا بالحق والعدل).

15- وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس.

(والمقصد هنا أن الشعب في الدولة يكون مناصراً لبعضهم في وقت الأزمات والاعتداءات).

16- وأنه من تبعنا من يهود فأن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم.

(حق كل من يسكن في الدولة بالنصرة حتى لو كان صاحب دين آخر والعدل لهم ونصرتهم في الحق).

17- وإن سلم المؤمنين (هدنتهم) واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم.

(أن لا نفترق على رأي فلا هدنة مع أحد إلا بالاتفاق الشعبي وعدم خيانة أحد من الأمة للشعب).

18- وإن كل غازيه غزت معنا يعقب بعضها بعضاً (يتتابع).

(أنه كل من يتحالف مع الدولة له حقوق التحالف).

 19- وإن المؤمنين يبيء بعضهم على بعض (يأخذ بحقه) بما نال دمائهم في سبيل الله.

(الوحدة في أخذ حق المقتول من الشعب لتكون الدولة قوية بالعدل والحق والمحافظة على حق الفرد وحمايته).

20- وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه وأنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً (لا يعطيه الأمان) ولا يحول (يقوم) دونه على مؤمن.

(عدم الخيانة والوحدة الوطنية ضد العدو لأنها أمه واحده).

 21- وأنه من اعتبط (قتل ظلماً) مؤمناً قتلاً عن بينة فإنه تود به (عليه القصاص) إلا أن يرضى ولي المقتول بالعقل (الدية) و إن المؤمنين عليه كافة و لا يحل لهم إلا قيام عليه.

(قانون بحق أهل المقتول بالقصاص عن طريق تطبيق الدولة للحدود أو الدية أيما أرادوا).

22- وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في الصحيفة وأمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثاً (مرتكباً إثم) أو يأويه وإن من نصره أو أواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل.

(أي إقرار الدستور بعد الموافقة عليه ملزم للكل حتى من رفضه طالما وافقت عليه الأغلبية وهذا أمر ديمقراطي ودستوري وإلا كان عليه الحجة وأيضاً مادة قانونية بأن لا يقوم أي فرد بحماية من أرتكب جريمة وإلا تعرض للعقوبة).

23- وأنه مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله.

(أن الحاكم النهائي في الاختلاف لكتاب الله وسنة رسوله بمعنى تطبيق شرع الله تحديداً لمرجعية الدولة).

24- وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.

(الإنفاق من كل طوائف الشعب طالما الحرب على الدولة التي ننتمى إليها كلنا مهما اختلفت ديانتنا من أجل حمايتها دون تفرقة لأحد).

 25- وإن يهود بني عوف أمه مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم إلا من ظلم نفسه وأثم فإنه لا يوتغ (يهلك أو يفسد) إلا نفسه وأهل بيته.

(للتأكيد على وحدة الأمة الواحدة بمختلف أديانها وأعراقها. فالكل في دولة واحده للجميع، ولكل فرد دينه لا يتدخل فيه أحد ولكل فرد حق في الدولة إلا من ظلم واعتدى).

26- إن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف.

27- وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف.

28- وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف.

29- وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف.

30- وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف.

31- وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأل بيته.

32- وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم.

33- وإن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف وإن البر دون الإثم.

34- وإن موالي ثعلبة كأنفسهم.

35- وإن بطانة يهود كأنفسهم.

(تجميعاً لكل طوائف وقبائل الأمة على حقوق وواجبات واحده دون تفرقة).

36- وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد (رئيس الدولة).

(تحديداً لحق الدولة في تنظيم حركة الخروج و الدخول إليها وحقوق السيادة على أراضيها).

37- وأنه لا ينحجز على ثأر جرح وأنه من فتك بنفسه فتك وأهل بيته إلا من ظلم وأن الله على أبر هذا.

(أن كل فرد فالدولة له حقوق عليها إلا الظالم).

38- وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم.

(أن لكل من في الأمة نفقته الخاصة لا يأخذ من مال أحد إلا بالكفالة والتضامن الاجتماعي وإن الذي بينهم نصرة بعض ما دمنا بأمة واحدة ونتشارك بالنصح لإدارة الدولة ما دمنا شركاء بها وضد من خالف الدستور).

 39- وأنه لا يأثم أمرؤ بحليفه وإن النصر للمظلوم.

(حق الحلفاء مع الدولة وعدم الخيانة ومساعدة كل مظلوم).

 40- وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.

(الدولة ممنوع سرقتها من أهل الدولة أو من الغير).

41- أن الجار كالنفس غير مدار ولا إثم.

(حماية الجار وحقه على جاره أياً كانت ديانته).

42- وأنه لا تجار حرمه إلا بإذن أهلها.

(إي حتى عند رد مظلمة أو مساعدة مظلوم أو أي شيء من هذا القبيل لابد من أستاذان أصحابها).

43- وأنه من كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره.

(أن مرجعية الأمر عند أي خلاف هو لله وكتابه وسنة نبيه).

44- وأن لا تجار قريش ولا من نصرها.

(لأنها عدو الدولة وقتها فلا يجب التعاون معها).

45- وإن بينهم النصر على من دهم يثرب.

(الوحدة ضد من اعتدى على الدولة).

46- (أ) وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فأن لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين.

(ب) على كل إناس حقهم من جانبهم الذي قبلهم.

(أن الصلح إذا دعي له نتوافق عليه لحماية دماء الأمة إلا في الاعتداء على الدين وهتك حرمة الدولة).

47- وإن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة وإن البر دون الإثم لا يكسب كاسب إلا على نفسه وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره.

(توحيد كل أطراف وديانات الدولة على دستورها).

48- وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو إثم وأنه من خرج أمن ومن قعد أمن بالمدينة إلا من ظلم وأثم وإن الله جار لمن بر وأتقى ومحمد رسول الله.

(حماية الشعب والفرد وأمنه ملزم على الدولة في الداخل والخارج إلا الإثم الذي يضرها).

- فنجد أن الرسول أعلى أسس لمواد دستورية قوية ثابتة يتكلم بها العديد من الناس باختلاف مرجعياتهم الآن لتوحيد الأمة مثل:-

 - أنه أزال الفوارق بين القبائل والشعوب وجعلهم أمه واحده.

- أسس على قيم إنسانية في التعامل بين شعب الأمة الواحدة في العمل والقصاص وغيره.

- حدد المرجعية أنها لله ولرسوله كتحديد اتجاه الدولة في الدساتير الحالية.

- أن المرد لله وللرسول بصفته الحاكم أي تحديد أن المرجع للدولة وحكومتها.

- كفل الحقوق الفردية عن طريق سلطة قضائية محايدة تحكم بينهم.

- حدد إقليم الدولة بالمدينة وأكد على عدم التعرض لبطونها وجوفها ونباتها وأشجاها وبيئتها الطبيعية تأكيداً على حماية البيئة التي نعيش فيها وواجب حماية أركان الدولة وحدودها وأراضيها ومناجمها ومواردها.

- حدد تكوين الدولة من إقليم، شعب، سلطة ممثلة فيه كحاكم. وهذا أساس تكوين الدولة بالدساتير الحديثة.

- أسس للحريات وحقوق الإنسان الدولية كحقوق العبادة والمساواة وإن كل الناس في الدولة مواطنين من الدرجة الأولى دون النظر إلى ديانتهم.

- أن واجب على المجتمع مساعدة الفرد في احتياجاته وضيقته.

- وحد الأمة بكل أفرادها ودياناتها وإن اليهود جزء من الأمة لها نفس الحقوق وعليها نفس الواجبات دون أي تفرقة.

- أسس للوطنية والانتماء للوطن في التأكيد على الاشتراك في حماية الوطن والترابط للدفاع عن المدينة بين عناصر الأمة من المسلمين وغير المسلمين.

- أسس على حماية الفرد والمواطن داخل وخارج الدولة وأن حقه الحماية الدولة.

- أسس مبدأ المساواة بين أفراد الأمة بمختلف أديانها أمام القانون والمساواة في الحقوق والواجبات تجاه الدولة.

- حدد تكوين الدولة بأسسها الثلاثة:-

1- الأرض وهي المدينة.

2- الشعب وقبائله وأطيافه.

3-   الحكومة المتمثلة في النبي صلى الله عليه وسلم كحاكم الدولة.

- حماية غير المسلمين وأن لهم ذمة واحدة جميعاً.

فنجد أن الشرع قبل أن يشهد الذميين في قضايا المسلمين والعكس وهذا لإعطاء إحساس أن الكل واحد أمام القانون لزيادة الإحساس بوحدة الأمة وزيادة الانتماء.

ونجد موقف النبي عندما وقف لجنازة اليهودي وعندما قال له أصحابه أنه يهودي. قال: أليست روح.

دليل على قمة التآلف بين مواطني الدولة والبعد الإنساني فيها لأمة موحدة على روح وقلب واحد دون تفرقة.

وهذا ما طبق مع فتوحات الدولة فجعلت من شعوب المدن التي فتحت جزء من الأمة ولم يفرق بينهم في الحقوق والواجبات ونشر بينهم العلم حتى أنه كان أول مرصد بني في الدولة كان في سمرقند وليس في مكة. وكان علماء الدولة من مختلف المناطق وليسوا من الجزيرة فقط. وتولى المناصب في الدولة العديد من الأشخاص من العراق والشام ومناطق مختلفة ولم تقتصر على المكيين فقط.

فكانت النتيجة المساواة بين الناس ومعاملة أهل المدن المفتوحة بأنهم مواطنون بالدولة لهم كامل الحقوق وليسوا مواطنون درجة ثانية مثل موقف عمر بن الخطاب مع ابن عمرو بن العاص والقبطي المصري الذي اشتكى أن ابن عمرو بن العاص ضربه لأنه سبقه، فقام عمر بن الخطاب بمعاقبة ابن عمرو بن العاص وأبيه.

وقال عمر بن الخطاب: لو تعثرت دابة بالعراق لسئل عنها عمر.

تدليلاً على حق المواطن في كل أنحاء الدولة بالحصول على الأمن والخدمات التي تحميه هو وممتلكاته دون تفرقة.

فمثلاً نجد أن عمر بن الخطاب لم يقم بنزع ملكية الأراضي التي فتحها المسلمون من أصحابها بل أكد على ملكيتهم لها ومن لم يملك شجعه بالمال ليزرع الأراضي البور ويتملكها بل وكان واجب على الدولة حمايتهم حتى ينمي داخلهم إحساس أنهم أمة واحدة ولا يشعروا أن هؤلاء القادمون يسلبونهم أرضهم بل جاؤوا ليكونوا أمة واحدة ويحموهم. وردوا لهم الأراضي التي كان ينهبها الفرس في العراق.

وكان ما حدث مع الخليفة عمر بن الخطاب أمير المؤمنين عندما مر بسوق المدينة المنورة ورأى شيخاً كبيراً يسال الناس حاجته طلبا للمساعدة فاقترب منه وسأله: من أنت يا شيخ من أي أهل الكتاب؟ فقال الرجل: أنا يهودي عجوز أسأل الناس الصدقة لأفيء لكم بالجزية ولأنفق الباقي على عيالي. فقال عمر الخليفة: ما أنصفناك يا شيخ. أخذنا منك الجزية شابا ثم ضيعناك شيخا. وأمسك الخليفة عمر بيد ذلك اليهودي وأرسل إلى خازن بيت المال و قال له: افرض لهذا وأمثاله ما يغنيه ويغنى عياله.

وهذا لأنه فرد من مواطنين الدولة ومساويا للجميع في الحقوق، وتأكيداً على حق الأمة كلها ومساواتها في الحقوق والواجبات.

فكانت الأمة واحده ومن يدخل بها يكون له نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات دون أدنى تفرقة مما جعل الإسلام ينتشر في وسط أسيا وبلاد فارس ورحب أهل الشام ومصر بالفتح العربي الإسلامي لأنه كان يحررهم من الاستبداد ويعطي لهم الحرية الكاملة.

ونجد نصوص دستورية قوية إذا طبقت في أي دولة لأصبحت من أقوى الدول الموحدة والسليمة دون أن تكون ملزمة بدين إسلامي أو غيره لأنها مواد تدعو للوحدة والتكافل الاجتماعي وأهمية دور الدولة لحماية الأفراد وحقوقهم ونصوص جنائية للقتلة والخائنين للدولة وحماية أمن الدولة ودور الفرد للمجتمع ودور المجتمع للفرد وتحدد دور الدولة والفرد من حقوق وواجبات والحفاظ عليها من أجل زيادة الانتماء للدولة ووحدتها.

وأن يكون دستور الدولة يحافظ على المواطن ومكانته ويحافظ على دينه وماله ونفسه ونسله وعقله وعرضه ووحدة الأمة دون النظر لدين أو لون أو عرق.

فكانت الوحدة والترابط والأخوة بين المهاجرين والأنصار ومن ثم التعايش السلمي في المدينة مع اليهود كشعب واحد من أجل ترابط الأمة ثم توسع الدولة ودخول فيها أصحاب أديان مختلفة وتعايش الجميع تحت مظلة دولة واحدة تحكم بينهم بالعدل والمساواة بل وتعلي صاحب الحق حتى لو كان غير مسلم على المسلم المقام عليه الدعوة وهذا ما سنقابله بالتفصيل والشرح في نقطة العدل.

فحددت بهذا معنى الأمة ومفهومها ووحدتها وتلاحمها على اختلاف ديانات ولسان الشعب فيما بعد ذلك أبان الدولة الراشدة وما يليها.

ونجد ثمار وحدة الأمة وتألفها وضحت عندما أصبح أبو بكر الصديق خليفة وولى عمر بن الخطاب قاضياً على المدينة فمكث سنة لم يفتح جلسة ولم يحتكم إليه أحد فطلب من أبو بكر أن يعفيه فقال له:-

(أمن مشقة القضاء فقال له لا يا خليفة رسول الله ولكن لا حاجة لي عند قوم مؤمنين عرف كلاً منهم ما له من حق فلم يطلب أكثر منه وما عليه من واجب فلم يقصر في أدائه. أحب كلاً منهم لأخيه ما يحب لنفسه إذا غاب أحدهم تفقدوه وإذا مرض عادوه وإذا افتقر أعانوه وإذا أحتاج ساعدوه وإذا أصيب واسوه دينهم النصيحة وخلقهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).

فكانت الأمة متآلفة متوحدة على قلب رجل واحد ومتكافلة بين بعضها.

ويظهر دور الأمة في الزكاة والخراج الذي أكد عليه الرسول حتى يتم التكافل الاجتماعي والعدالة بين الناس التي سيأتي ذكرها بالتفصيل و الأدلة في النقاط الخاصة بها في التكافل الاجتماعي وبباب الاقتصاد.

ودعا النبي لعدم التعصب لقومية وأن إحداها أفضل من الأخرى بقوله:-

(ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية).

(ما بالُ دَعْوَى الجاهِليَّة؟ دَعُوها فإنَّها مُنتِنَة).

(من قتل تحت راية عمية يدعو عصبية أو ينصر عصبية فقتلة جاهلية).

(لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى).

وسأل بن أبي كعب النبي صلى الله عليه وسلم: أمن العصبية أن يحب الرجل قومه. قال النبي: لا. ولكن العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم.

(من ينصر قومه على الظلم بجمل يتردى في رمية من النار).

(مثل الذي يعين قومه على الظلم مثل البعير المتردي في الركي فهو ينزع بذنبه).

وقال عن صهيب الرومي أنه من آل البيت. وذلك ليكون موحداً للأمة كلها على قلب رجل واحد لا تقسمها العرقيات أو القبلية أو الطائفية أو القومية.

فلم يتحدث الفكر الإسلامي عن القومية لأنها مفتتة فإن كان تحدث بالقومية لكانت الدولة الإسلامية تفتت سريعاً لوجود العديد من القوميات بها وإنما صهرها في بوتقة واحدة وهي وحدة الأمة. فكانت تمتد الدولة من شرق أيران إلى المحيط الأطلسي غرباً وتجمع قوميات ذات أعراق مختلفة إلا إن التوحد الإنساني والإخوة الإنسانية هي العامل الأقوى لتوحيد الأمة مع إقامة العدل والمساواة للجميع لأن هذا أساس فلسفة الفكر الإسلامي.

ولكن ليس معنى هذا عدم الوطنية أو كره القومية، ولكن لا يتم تفصيلها أو نصرتها في الظلم. فالموت والمقاومة في سبيل القومية أو الوطنية لا خطأ فيه طالما من أجل الحق والعدل فهذا من صميم الفكر الإسلامي وفلسفته، أما إن كانت للتفتيت والظلم فتكون في غير محلها بل مكروهة لأنها تؤدي إلى الظلم والفساد بين الناس.

فلا نكران لها ولكن دون نصرتها في الظلم، ولا نجعلها مفتتة لوحدة الأمة والوحدة المجتمعية للدولة. بل الانصهار في بوتقة الدولة والانتماء لها ومن أجل السلام والعدل ونصرة الحق. وهذا ينطبق على الأديان والمذاهب المختلفة بعدم تفتيت وحدة الأمة من أجل نصرتها بالباطل أو بسبب النزعات الطائفية.

فكان هذا أكبر دليل على التعايش في المدينة وفي الدولة الإسلامية بعد اتساعها وجمعها لمختلف الديانات والأجناس التي كانت تجمعها الدولة من مسلمين ومسيحين ويهود وديانات غير سماوية في بلاد فارس ووسط أسيا والهند وأجناس مختلفة لم تفرق بينهم الدولة حتى في الوظائف.

فجعل الفكر الإسلامي المعيار للمجتمع المدني هو التسامح والتفاهم وعدم العنف ودعم العمل لتقوية المجتمع ويدعو إلى مجال اجتماعي يشمل المؤسسات واللياقة والآداب العامة والوحدة المجتمعية للأمه.

فجاءت فلسفة الفكر الإسلامي مشكلة بهذا مفهوم الدولة والأمة الموحدة على كلمة واحده مجتمعة على بناء حضارة بمختلف أعراقها ودياناتها وأعراقها دون عنصرية بتكوين مشترك عام موحد لبناء الدولة بأبنائها. فكانت النتيجة عنه انصهار المجتمع في بوتقة واحدة وهي الانتماء للوطن


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم