فلسفة الفكر الإسلامي 14 (المساواة في الحقوق السياسية)

 


 

13- المساواة والحريات في الحقوق السياسية:-

 

لأن الشعب هو صاحب السلطة ومصدرها الأساسي فأكدت فلسفة الفكر الإسلامي على حرية الفرد في أن يفعل ما يحلو له وخاصةً في الممارسة السياسية وإن له الحق في ممارسة السلطة والسياسة طالما لديه القدرة على هذا وهنا نبدأ بالحديث عن الحقوق السياسية في البداية وهي:-

1-   حرية الترشيح.

2- حرية الاعتراض.

3- حرية الانتخاب والاختيار.

-قال النبي صلى الله عليه وسلم:-

(إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم).

فيشرح لنا الحديث أن وجود ثلاث أفراد (كمثال لمجموعة وشعب) يقومون بالاختيار فيما بينهم فأمتلك واحداً حق الترشيح وآخر حق الاعتراض عليه وثالث يمتلك حق الاختيار. فأسس بهذا الحديث إلى حرية الترشيح لمن يرى في نفسه الإصلاح وحرية الاختيار لكل شخص والاعتراض أيضاً و هذا بقوله لفظ (ولوا) أي امتلاكهم الحرية للاختيار دون أي مؤثر خارجي أو إجبار من أحد عليهم وبكامل إرادتهم بالتوافق والأغلبية. ويكون أساس الحكم على مبدأ الاختيار والاتفاق بأغلبية جماعية كما وضحنا في الحديث وشرحنا في نقاط سابقة (رد أهل الشورى والأغلبية).

وبهذا الحديث أسس النبي على الحرية الفردية وحق كل فرد بالدولة للترشح لمنصب وحق الاعتراض من الآخر عليه وحق كل فرد في انتخاب من يراه أصلح للمنصب من وجهة نظره بحرية مطلقة ولم يتحدد جنس أو دين للمرشح والناخب بل بحرية الاختيار بالكفاءة والخبرة.

وكان أساس الاختيار هو البيعة في الإسلام وكانت هي النظام الانتخابي الموجود وقتها أما النظم الحديثة التي أوجدت نظم تتوافق مع ازدياد أعداد الشعوب وطرق مثلى كالانتخاب الحر المباشر بالصناديق فهي طريقة أصح للوصول لصوت كل مواطن على نفس الأسس السياسية بالمنهج الإسلامي.

ونجد موقف بيعة العقبة الثانية التي طالب الرسول أهل المدينة من الرجال والنساء أن يبايعوه على حكم المدينة وقد فعلوا فبدأ الرجال بمبايعته ثم النساء. فهذا موقف يدل على حق الترشح والاختيار والانتخاب للجميع على حد سواء. مع اختلاف الطرق الحديثة الآن فهي بالطبع طرق أفضل بلا شك لأنها تحقق المطلوب من وصول كل صوت انتخابي لمكانه الصحيح وتتناسب مع أعداد الناس الآن.

وهذا دليل قوي على أحقية الشعب بجملته في الانتخاب وليس فئه معينه فقط فمبايعة الرسول من قبل رجال ونساء المدينة دون تمييز هو خير دليل على حق الانتخاب للرجال والنساء على السواء وتأكيداً على أهمية الحق الديمقراطي والشورى في اختيار الحاكم ووجودها في الفكر الإسلامي.

وقد ظهرت الحرية والمساواة بالحقوق السياسية جلية بعد موت الرسول مباشرة، وأكبر دليل عليها هو موقف الصحابة في اختيار وتولية خليفة بعد الرسول فنجد هنا الصراع السياسي الحزبي على الولاية وهذا ليس عيباً وإنما حق في السياسة. فوجد كل شخص الصلاحية في نفسه لتولية أمر ثقيل كهذا فبدأ الأمر في سقيفة بني ساعدة أثر موت الرسول أن اجتمع المهاجرون والأنصار في السقيفة لاختيار خليفه لرسول الله.

فبدأوا في عمل دعاية انتخابية فقام سعد بن عبادة يخطب في وجود أبا بكر وعمر بن الخطاب وعبيدة بن الجراح أمين الأمة وإذ كان مريضاً فكان يتكلم بصوت خافت وكان يبلغ عنه ابنه قيس فكان مما ذكر دفاعاً عن حق حزبه (الأنصار) في تولي الخلافة من دون الناس كافة قوله:-

(يا معشر الأنصار إن لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب أن رسول الله لبث في قومه بضع عشر سنة يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأوثان فما أمن به من قومه إلا قليلاً. والله ما كانوا يقدرون أن يمنعوا رسول الله ولا يعزوا دينه ولا يدفعوا عن أنفسهم حتى إذا أراد الله تعالى لكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة وخصكم من نعمة ورزقكم الإيمان به وبرسول الله و المنع له ولأصحابه والإعزاز لدينه والجهاد لأعدائه فكنتم أشد الناس على من تخلف عنه منكم وأثقله على عدوكم من غيركم حتى استقاموا لأمر الله طوعاً وكرهاً وأعطى البعيد القادة صاغراً داحراً حتى أثخن الله لكم في الأرض ودانت بأسيافكم له العرب وتوفاه الله تعالى وهو راضياً عنكم قرير العين فشدوا أيديكم على هذا الأمر فإنكم أحق الناس و أولاهم به).

وعندما أنهى سعد بن عباده كلامه أمْن الأنصار على ما قال ولما هم عمر بن الخطاب أن يفتتح الكلام دفاعاً عن حق حزبه (المهاجرين) فأخره أبو بكر وأفتتح الكلام متشهد (شهادة أن لا أله إلا الله) فأنتصب له الناس بوجوههم فقال:-

(إن الله جل ثنائه بعث محمداً بالهدى ودين الحق فدعي إلى الإسلام فأخذ الله بنواصينا وقلوبنا إلى ما دعا إليه فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاماً والناس لنا فيه تبع ونحن عشيرة رسول الله ونحن مع ذلك أوسط العرب أنساباً وليست قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش بها ولاده).

ولم ينسى أبو بكر أهمية الاعتراف بحق الحزب الآخر في تولي الحكم طالما إن الحكم شورى وإن كان يرى لحزبه أفضليه التقدم ضارباً مثلاً للسياسة النظيفة وعدم التجريح بالمرشح الآخر فقال رضي الله عنه:-

(وأنتم أيضاً ولله الذين أووا ونصروا و أنتم وزراؤنا في الدين ووزراء رسول الله وأنتم أخوتنا في كتاب الله فأنتم أعظم الناس نصيباً في هذا الأمر وشركاؤنا في دين الله عز وجل وفيما كنا فيه من سراء وضراء والله ما كنا في خير قط إلا كنتم معنا فيه فأنتم أحب الناس إلينا وأكرمهم علينا وأحق الناس بالرضا بقضاء الله تعالى والتسليم لأمر الله عز وجل لما ساق لكم ولأخواكم المهاجرين).

ثم تابع الصديق كلامه طالباً إلى الأنصار إفساح الطريق لجماعته بانتحاب واحداً من المهاجرين معلناً أسماء المرشحين قائلاً:-

(فلا تحسدوا إخوانكم وأنتم المؤثرون على أنفسكم حين الخصاصة والله ما زلتم تؤثرون إخوانكم من المهاجرين وأنتم أحق الناس أن لا يكون هذا الأمر واختلافه على أيديكم وأبعد أن لا تحسدوا أخواكم على خير ساقه الله إليكم وإنما أدعوكم إلى أبي عبيدة أو عمر وكلاهما قد رضيت لكم ولهذا الأمر وكلاهما له أهل).

فقام عمر وأبو عبيدة فرفض ترشيحهما للخلافة وأصرا على ترشيح أبي بكر وكان مما قاله:-

(ما ينبغي لأحد من الناس أن يتقدم عليك يا أبا بكر أنت صاحب الغار ثاني اثنين وأمرك رسول الله بالصلاة فأنت أحق الناس بهذا الأمر).

فبدا أن الأكثرية في حزب الأنصار قد دخلت في طور القناعة بما قالة أبو بكر وأبو عبيدة فأرادت أن ترد بعرض حل يرضي جميع الأطراف وعمل توافق سياسي فقال قائل:-

(والله ما نحسدكم على خير ساقه الله إليكم وإنا لكما وصفت يا أبا بكر والحمد لله ولا أحد من خلق الله أحب إلينا منكم ولا أرضا عندنا ولا أيمن ولكننا نشفق مما بعد اليوم ونحذر على هذا الأمر من ليس منا ولا منكم فلو جعلتم اليوم رجلاً منا ورجلاً منكم بايعنا ورضينا به على أنه إذا هلك اخترنا آخر من الأنصار فإذا هلك اخترنا آخر من المهاجرين أبداً ما بقيت هذه الأمة كان ذلك أقدر أن يعدل في أمه محمد).

وهنا قال أبو بكر أن المهاجرين أول من أمنوا بالله واحتملوا أذى أهليهم وهم الأولى بالخلافة وأكد على فضل الأنصار مرة أخرى وقال:-

(رضيكم الله تعالى أنصاراً لدينه ولرسوله وجعل إليكم مهاجرته فليس عند المهاجرين الأولين أحد بمنزلتكم ثم ختم كلامه قائلاً فنحن الأمراء وأنتم الوزراء لا نفتات دونكم بمشورة ولا تقضى دونكم الأمور).

وهنا قال الحباب من الأنصار بعدما رأى الانشقاق:-

(يا معشر الأنصار أسلكوا على أيديكم فإنما الناس في فيئكم وظلالكم ولن يجير مجير على خلافكم ولن يصدر ناس إلا عن رأيكم أنتم أهل العز والثروة وأولوا العددة والنجدة وإنما ينظر الناس ما تصنعون فلا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم وتقطعوا أموركم أنتم أهل الإيواء وإليكم كانت الهجرة ولكم في السابقين الأولين مثل ما لهم وأنتم أصحاب الدار والأيمان من قبلهم والله ما عبدوا الله علانية إلا في بلادكم ولا جمعت الصلاة إلا في مساجدكم ولا دانت العرب للإسلام إلا بأسيافكم وأنتم أعظم الناس نصيباً في هذا الأمر وأن أبا القوم فمنا أمير ومنهم أمير).

وهنا قام عمر لمعارضة هذا الكلام الذي يجعل الدولة منقسمة وقال:-

(هيهات لا يجمع سيفان في غمد واحد أنه والله لا ترضا العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم ولكن العرب ينبغي أن تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم وأولوا الأمر منهم لنا بذلك على من خلفنا من العرب الحجه الظاهرة والسلطان المبين من ينازعنا سلطان محمد وميراثه ونحن أولياؤه وعشيرته إلا متعد بباطل أو متجانف -متعمد- لإثم أو متورط فيه هلكهم).

 فحذر الحباب أصحابه بالسماع لكلام عمر فتضيع الخلافة منهم حتى قام أبو عبيدة وقال ضمن كلامه:-

(أن لا يكون الأنصار أول من غير وبدل بعد أن كانوا أول من نصر).

 ثم قام بشير بن سعد سيد قبيلة الأوس من الأنصار وقال:-

(يا معشر الأنصار أما والله لأن كنا أول الفضيلة في جهاد المشركين والسابقة في الدين ما أردنا إن شاء الله غير رضاء ربنا وطاعة نبينا والكرم لأنفسنا وما ينبغي أن نستطيل بذلك على الناس وما نبتغي به عرضاً من الدنيا فإن لله تعالى ولي النعمة والمنة علينا بذلك أن محمداً رجل من قريش وقومه أحق بميراثه وتولي سلطانه وأيما الله لا يراني أنازعهم هذا الأمر أبداً واتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تخادعوهم).

فقام أبا بكر ورشح عمر وأبو عبيدة فرفضا وقد بسط أبو بكر يده لعمر وقال له هات يدك نبايع لك فرد عمر قائلاً:-

(بل أياك نبايع فأنت أفضل مني. فقال أبو بكر :-أنت أقوى مني. فرد عمر:-إن قوتي لك مع فضلك. فقام بشير فبايع أبا بكر وتوالت بعده مبايعة الناس له).

فنجد الحقوق السياسية تمثلت هنا في هذا الحوار وهي:-

أ- حرية الترشيح:-

رأيناها في ترشيح سعد بن عبادة للأنصار وخطبته عن أحقيتهم للخلافة والتي لم ينكرها أحد حتى إن أبا بكر أقر بأحقيته فيها.

وأيضاً لم يقل المنهج الإسلامي أبداً أنه لا يحق لأصحاب الديانات الأخرى أو النساء الترشح للمناصب القيادية بدليل تول بعض أصحاب الديانات الأخرى لمناصب الوزارة أبان الدولة العباسية وكان يوجد بعض الولاة أيضاً.

أما من حيث المرأة وتوليتها فيقول البعض حديث الرسول:-

(لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة).

فنرى هنا كسبب أول لعدم الأخذ به أن الأحاديث التي قيلت في موقف معين وخاص لا تأخذ في مطلق الأحوال على العام، لأننا إذا أخذناها على المطلق العام فسيكون والعياذ بالله الرسول قد أخطأ في أمر من أمور الدين، وهذا لأننا نجد بعض الدول نجحت بقيادة النساء كبريطانيا مع تاتشر والهند مع أنديرا غاندي وغيرهم.

فالحديث نزل في حادثة معينة وهي حرب مع الفرس وكانت تتولاهم امرأة وانهزموا أمام المسلمين فلا يصح أن يتم أخذ الحديث على المنطلق العام في كل الأحوال.

وقد أشاد الله بالقرآن بملكة سبأ وأنها كانت سيدة ولم تستبد بالرأي وطلبت المشورة، وأنها كانت ملكة على دولة كبيرة وذات حضارة.

والسبب الثاني أن الدولة أصبحت دولة مؤسسية والحاكم بها رئيس مجموعة مستشارين وليست دولة خلافة عامة. فالحاكم سيحكم من خلال دستور وقانون ومنهج إسلامي محدد لن يجرؤ على الخروج عليه وعن أحكامه وأن التوجيهات تكون من مستشاري الحاكم.

 وأيضاً حديث للنبي ذكرناه وهو (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم).

دليل على حق حرية الترشح لأي أحد من الثلاثة (كمثال عن الشعب) دون أن يتحدد جنسه أو دينه، والمهم القبول به بالكفاءة وامتلاك القدرة على الحكم والخبرة.

فلكل فرد حق الترشح للمنصب الذي يرى في نفسه القدرة على العمل فيه وخدمة الشعب حتى منصب الرئيس مهما كانت ديانته أو جنسه، وهذا لأنها دولة مؤسسية بها الرئيس يحكم من خلال هيئة مستشارين خبراء بمجالاتهم وهم الحكام الفعليين والرئيس يصدر قراراتهم لوزرائه للتنفيذ ومراقبة التنفيذ ويحكم الدولة على أساس دستور وقانون إسلامي لا يخرج عليه مهما كانت ديانة أو جنس المرشح للمنصب. وكل هذا مراقب من المجلس التشريعي الذي من حقه تنحية أي أحد من السلطة التنفيذية ومحاكمته عند تقصيره.

ويكون الاختيار في النهاية للشعب وبحكم الدستور الذي يحدد بأغلبية دين الشعب الموجود بالدولة محدداً لدين الحاكم. أما المناصب الأخرى فلكل فرد له الحق فيها لأنه مشارك بالدولة وهذا حقه السياسي.

ب- حرية الاعتراض:-

-قال النبي صلى الله عليه وسلم:-

(أيما رجل أم قوماً وهم له كارهون لم تجز صلاته أذنيه).

(لعن الله رجلاً أم قوماً وهم له كارهون).

(إذا خرج منكم ثلاثة ولوا واحداً).

فيمتلك الفرد بهذا حق الاعتراض على من يرشح نفسه إذا وجد في نفسه الصلاح للمنصب.

ورأيناها فيما قاله الحباب الذي اعترض على الترشيح لأبو بكر وقد ترك اجتماع السقيفة بعد مبايعة أبا بكر. واعتراض المهاجرين على ترشح فرد من الأنصار والعكس فالكل امتلك حرية المعارضة السلمية. فرفض المهاجرين بيعة الأنصار لسعد بن عبادة ومبايعة عمر بن الخطاب لأبا بكر.

فوجدنا في حوار السقيفة صراع أحزاب سياسية تلتف حول مرشحها وانتهت بحكومة ائتلافية من المهاجرين والأنصار بقول أبو بكر منا الأمراء ومنكم الوزراء للتوافق من أجل مصلحة الأمة.

ونجد أيضاً حق الاعتراض في رفض أهل الردة (من رفضوا دفع الزكاة لأبو بكر) مبايعة أبا بكر للخلافة ولم يحاربهم إلا بعد أن رفضوا وارتدوا عن دفع الزكاة للدولة.

وموقف السيدة التي اعترضت على عمر بن الخطاب وهذا عندما حدث أن ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله ثم قال: أيها الناس ، ما إكثاركم في صدق النساء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإنما الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك. ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها. فلا أعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم. ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين، نهيت الناس أن يزيدوا النساء صداقهم على أربعمائة درهم؟ قال: نعم. فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال: وأي ذلك؟ فقالت: أما سمعت الله يقول (...وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) (النساء : 20). فقال: اللهم غفرا، كل الناس أفقه من عمر. ثم رجع فركب المنبر، فقال: إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صداقهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب، ومن طابت نفسه فليفعل، فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئا وقال: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته. وقيل أنه قال (أصابت امرأة وأخطأ عمر).

تأكيداً على حق الاعتراض لأي شخص على قرارات الحاكم ومراجعته فيها طالما لديه وجهة النظر والدليل.

ونجد أيضاً ما حدث بين معاوية بن أبي سفيان وعلي بن أبي طالب في طلب كل منهما حق الخلافة أن هذا حق اعترض ترشح كل منهما على الآخر وكان لكل منهما من يعضدهم من الصحابة كأحزاب وتكتلات سياسية وتحالفات ومن الشعب الذي امتلك حقه في الاعتراض والانتخاب والاختيار فرفض أهل الشام بيعة علي بن أبي طالب واستخدموا حقهم في الانتخاب والاعتراض ورفض أهل الحجاز مبايعة معاوية بن أبي سفيان من بعده للخلافة وكانوا مبايعين لعبد الله بن الزبير كخليفة. وقبلها كانت الناس مبايعين للحسن بن علي بن أبي طالب حتى تنازل لمعاوية.

قول أبو بكر عند تولية الخلافة (قوموني إن أسأت).

هو للتأكيد على حق الاعتراض والتوجيه من الشعب للحاكم ومواجهته بأخطائه.

ج- حرية الانتخاب والاختيار:-

-قال النبي صلى الله عليه وسلم:-

(أيما رجل أم قوماً وهم له كارهون لم تجز صلاته أذنيه).

(لعن الله رجلاً أم قوماً وهم له كارهون).

فيشترط حرية الفرد في الاختيار ودون أن يكون مكره أو مجبر، ونجد في الأمثلة الفائتة أيضاً حرية في الانتخاب والاختيار مثل:-

1- حديث النبي (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم). كما شرحناه بالبداية هو مؤسس للحقوق السياسية لاختيار فرد من يراه الأصلح للولاية.

2-   ونجد في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم:-

(من ولي من أمر المسلمين شيئا، فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله).

(من قلد رجلا عملا على عصابة، وهو يجد في تلك العصابة أرضى منه، فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين).

دليل على حق كل فرد بالأمة في الانتخاب والاختيار بحرية لأنه بمعنى الحديث مسؤول عن اختياراته فلذا هو مشارك بكامل حريته في الاختيار ولذا عليه الاختيار الصائب وقت البيعة والانتخاب للأصلح لإدارة أمور الشعب.

3-   طلب الرسول من أهل المدينة أن يختاروا أفرادا يعاونوه ويكونوا له مستشارين في الحكم في بيعة العقبة الثانية وطلب من الناس اختيار 12 نقيباً عنهم بحرية مطلقة دون تدخل. وهكذا فعل عمر بن عبد العزيز عندما تولى إمارة المدينة وطلب من أهلها اختيار عشرة أفراد لمعاونته ولا يخرج عن رأيهم.

مؤكدين بهذا على حق الشعب وحريته في الاختيار والانتخاب.

4-   ونجد موقف اجتماع السقيفة وحرية الاختيار لجميع الأطراف بحرية دون ضغط وممارسة كل فرد لحقوقه السياسية.

5-   ونجد حرية الانتخاب لأهل الشام في بيعة علي بن أبي طالب واختيارهم لمعاوية بن أبي سفيان تمثيل لحرية الانتخاب للشعب. ومن ثم بعدها اختيار أهل الحجاز لبيعة الحسن بن علي ورفض بيعة معاوية وبعدها اختيار عبد الله بن الزبير كخليفة ورفض اختيار معاوية ومن بعده ابنه يزيد واختيار أهل الشام لمعاوية ورفضهم لعبد الله بن الزبير مستخدمين حقهم السياسي في حق الانتخاب.

ومن يقول أن الانتخاب لابد أن يكون للأفراد ذوي العلم والثقافة فنوضح بموقف الرسول بطلبه مبايعة أهل المدينة له على أن يحكم بكتاب الله وسنة رسوله (أي يكون حاكم للدولة) فبايعه أهل المدينة من الرجال والنساء على السواء دون تصنيف على أساس لون أو جنس أو علم.

-فقال الله تعالى:-

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

فكانت البيعة من الكل له بالانتخاب فهي حق لكل فرد ولا يحق لأحد أن يسلبه من الفرد.

هذا غير أن البيعة للخلفاء الراشدين كانت تؤخذ من أهل الأمصار والبلاد دون تفرقة لأحد على أساس العلم أو الجنس أو الدين أو ما إلى ذلك من وسائل التفرقة. وبهذا يتم أخذ الرأي والبيعة والانتخاب من كل الأفراد بلا استثناء ودون ضغط من أحد أو توجيه ليمارس حقوقه السياسية الديمقراطية في الانتخاب بحرية مطلقة. ولكن عند التشريع وإقامة المشروعات التنموية يؤخذ رأي أهل الشورى وأصحاب الخبرة من أهل الشورى في المجالس التشريعية والنيابية التي اختارهم الشعب كنواب لهم.

ومن أوجه الحقوق للاعتراض والحرية في الانتخاب في السياسة الحديثة هو حق المقاطعة في التصويت على الانتخابات أو الاستفتاءات فنجد أن المنهج الإسلامي دلل عليها في قول الرسول:-

(الجالس في الفتنة خير من السائر...).

(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ومن صمت نجا).

والجالس هو من ليس له دور في الفعل فلأن الانتخابات أو الاستفتاءات بها تحيير في الاختيار وقد تصل إلى حد الفتن واختلاط الأمر في بعض أوقات الذروة السياسية والزخم الثوري فتكون المقاطعة والابتعاد عن الاختلاف الشديد أفضل بالمقاطعة الانتخابية إن حدث حيرة بين المرشحين. وهي اختيار سياسي لأنها وسيلة اعتراض على عدم الرضا عن المرشحين والاختيارات نابع من استخدام الحريات السياسية.

وهذا ما تم وقت الفتنة الكبرى أبان خلافة علي بن أبى طالب بأنه وجد من الصحابة من ابتعد عن الأمر وتركه وأثر الصمت لوجود اختلاف وفتنة وتشوش وعدم قدرة البعض عن تحديد الحق من نصيب مَن فاستخدموا حقهم السياسي الديمقراطي بالمقاطعة السياسية باستخدام حق الامتناع عن التصويت والمقاطعة السياسية للاختلاف في الأمر وعدم قدرته على تحديد الحق فابتعدوا عن الفتنة وامتنعوا عن التصويت بعدم الوقوف إلى جانب أحد الأطراف وتركوا الأمر لأهله وهذه إحدى الخيارات الديمقراطية التي هي من حقوق المواطن السياسية.

فنجد بهذه الحرية السياسية أن فلسفة المنهج الإسلامي تؤكد على تمتع كل مواطن وفرد بالدولة بكامل حقوقه السياسية دون منع أو سيطرة أو تفرقة، وأنه يحقق بهذا حكم وتصرف الكل فالكل أو تصرف الكل في الواحد وليس تصرف الواحد في الكل في حقوق الأمة واستغلالها. فنصل بالنهاية إلى الحرية الكاملة في الحقوق السياسية وممارستها وهذه هي الأسس الديمقراطية الكاملة وهذه هي الحرية الفردية والمساواة في الحقوق السياسية التي تؤدي إلى حرية جماعية. وهذا هو الذي يحقق الوعي السياسي للشعوب عن طريق الممارسة لحقوقه السياسية ومنها إلى تحقيق الدولة المدنية. فالمجتمع يكتسب وعيه من الممارسة السياسية، وليس من الهيمنة والسيطرة والاستبداد والتضييق عليه بحجة أنه غير مؤهل للمارسة السياسية، فقد يقع في الأخطاء والكوارث، ولكن هذا مطلوب وصحي إلى أن يشتد عوده ويكتسب وعيه في العمل السياسي، فأي سلبيات لممارسة الحريات هي أفضل بكثير من سلبيات الاستبداد بها.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم