فلسفة الفكر الإسلامي 13 (المساواة في الحقوق والواجبات، مبدأ الحرية)

 


 

11- المساواة في الحقوق والواجبات دون أي تفرقة:-

 

وجدناها بوثيقة المدينة بتحديد النبي صلى الله عليه وسلم الحقوق والواجبات لكل من المسلمين واليهود بإعانة المحتاج وقتال من يغير على المدينة التي هي الدولة للحفاظ عليها والحفاظ على بطونها أي مواردها ومعاقبة الفاسد والآثم حتى لو كان ابن لأحد الحكام أو أعاظم الناس فلا تفرقة بين الناس ولا ينصر أحد مجرم ولا يحميه وإنما يبلغ عنه وهذا دور الفرد في المجتمع (مادة 22) بالوثيقة التي تقول:-

 (وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في الصحيفة وأمن بالله واليوم الأخر أن ينصر محدثاً -مرتكباً إثم- أو يأويه وإن من نصره أو أواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل).

أي إقرار الدستور بعد الموافقة ملزم للكل حتى من رفضه طالما وافقت عليه الأغلبية وهذا أمر ديمقراطي ودستوري وإلا كان عليه جرم يستحق العقاب ليكون الواجب على الجميع في حماية الدولة والمجتمع. وعلى الجميع الدفاع على المدينة وأن للجميع حق الحماية والعدل كما حددها النبي بالوثيقة كدستور للمدينة.

ونجد في نص وثيقة (دستور) المدينة أن الرسول أكد فيها على المساواة في الحقوق والواجبات بين كل عناصر المدينة من مسلمين سواء كانوا أنصار من الأوس والخزرج والقبائل الأخرى ومن المهاجرين ومن اليهود بمختلف قبائلهم ومن سيأتي إلى المدينة بعد ذلك ووصفهم بأنهم أمة واحدة تأكيداً لمعنى المساواة والوحدة كما شرحنا مواد الوثيقة (بنقطة مفهوم الأمة).

ووجدنا بنقطة (المساواة بين الأفراد بهذا الباب) أمثلة كيف أن النبي وهو الحاكم يعمل مع الجميع وفي رفع الرمال أثناء حفر الخندق وغيرها من أعمال الدولة متساوياً مع الجميع في الواجبات والحقوق.

وأيضاً حق أفراد الدولة في الخدمات لا تفرق بين الأحياء الفقيرة والأحياء الغنية أو بين المدن النائية والداخلية في الدولة في الخدمات الأساسية بل لابد أن تهتم بالجميع لضرورة شعور كل أفراد الدولة بالمساواة وعدم التفرقة في حقوقهم. فكانت الدولة الإسلامية تهتم بكل فرد يدخل في الأمة الإسلامية مهما كانت ديانته ومكانه وتعطيه نفس الحقوق والواجبات.

-قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:-

(إذا تعثرت شاة في العراق لسئل عنها عمر).

دليل على حق الشعب في الخدمات من أقصاها إلى أدناها واحد للجميع ومتساوي. وإن هذا حق لكل فرد في الأمة على الدولة أن توفر له الرعاية والحماية له ولممتلكاته.

 فكانت أقصى الدولة في أسيا تصل إليها خدماتها كمركز الحكم في المدينة من صحة وتعليم وغيره حتى أنه بني المرصد في سمرقند في أقصى شرق الدولة وليس في مركزها بل وخرج من المثقفين والعلماء من كل أركان الدولة. وسنأتي بالتفصيل لهذه الموضوع في نقطة (المواطنة).

ووجدنا في نقطة (العدل وتطبيقه، ونقطة المساواة بين الأفراد بهذا الباب) قمة المساواة في الحقوق والواجبات والأحكام التي أقرتها الفلسفة الفكرية للمنهج الإسلامي. فالمساواة بين الناس تمنع الطبقية وإحساس الفرد بقوته وانتمائه إلى وطنه طالما له حق فيها يستجاب ولا يضيع لفقره أو لونه أو دينه متساوياً مع الجميع. ولا يأمن أحد العقوبة لأي سبب فيتساوى الجميع في الحقوق والواجبات أمام القانون والدولة.

       

12- مبدأ الحرية المطلقة:-

 

-قال الله تعالى:-

(وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)

(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)

(لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).

(فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (22)

(فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ)

-قال النبي صلى الله عليه وسلم:-

(يوم جاءه أصحابه يشكون له أنفسهم ومخاوفهم من الشكوك في الله، وقالوا إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. فقال لهم عليه السلام: وهل وجدتموه؟ يقصد الشك. قالوا: نعم. فقال عليه السلام: الحمد لله هذا محض الإيمان).

فلكل فرد حق الاختيار والحرية المطلقة في كل شيء حتى في اختيار دينه وحياته وقراراته وفكره ولا سلطة من أحد عليه سوى النصح بالحسنى، وإن لم يتقبل فهو حر. فالحرية أساس الانتقال للحضارة وعدم التخلف والانحدار الاجتماعي وهو أساس الدين الإسلامي بقول (لا اله إلا الله) فلا عبودية لأحد.

ونجد مقولة عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص:-

(متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً).

تأكيداً على مبدأ الحرية المطلقة للفرد ولا سلطان عليه من أحد بأي شكل من الأشكال.

وكان يقول لولاته:-

(لو أرسلت لكم أمراً يخالف الحق فأضربوا به الأرض واستمسكوا بالحق وحده).

معطياً لهم حرية التفكير في القرارات وكيفية تنفيذها وليس الطاعة العمياء.

فالحرية تبدأ من تحرير النفس والعقل والذات والفكر وحرية التفكير في الحياة والكون بدون سيطرة من أي أحد، وبدون التعدي على أحد وحريته وحياته ودينه وماله وعرضه، وهذه هي مقاصد الشريعة. فالحرية رقي في الأخلاق والفكر واحترام الغير، وهذا ما يحققه الفكر الإسلامي بفلسفته في السياسة وفي الاقتصاد والحياة الاجتماعية والتربية العامة والتعليم كما سنرى في الأبواب القادمة بالتفصيل.

وتكون الحرية في كل شيء هي أساس العمل والتحضر ومنها للتعليم، وبُعد كلمة (اقرأ) من أجل اكتساب الإرادة الحرة بالتعليم والوعي ليعي كل فرد حقوقه ويمتلك إرادته وحريته من أجل تحقيق الحريات والفهم ومحاسبة الحكام وغيرها من حريات العقيدة والحرية الشخصية والحرية الاقتصادية والاجتماعية والفكرية. مع مبدأ الحرية الكاملة للجميع ولأصحاب الأديان المختلفة وأنه يمارس كل حقوقه السياسية والدينية والاقتصادية كاملة دون أي نقصان ودون أن يعتدي عليه أحد.

فتكون الحرية الفكرية في كل شيء من أجل تكوين الشخص لفكره ورأيه الذاتي دون سيطرة من أحد ودون تبعية لأحد، فالدعوة هي إعمال للعقل حتى لا يسيطر أحد على الآخر.

وتكون الحرية بدعوة الفكر الإسلامي لعدم قبول الاستبداد لأنه يدمر الإنسان والمجتمع ويجرده من الأخلاق والعقل والشعور الإنساني ويسبب المرض والفقر والجهل. كما سنأتي بشرح كل هذا بالتفصيل بالنقاط والأبواب القادمة.

فالحرية هي أساس الحكم المدني والتحول الحضاري للناس والشعوب وامتلاك القرار وعدم الانسياق وراء الأشخاص. وبالحرية تكتمل الكرامة والحقوق الإنسانية. فأسست فلسفة الفكر الإسلامي للحريات وهي حرية الدين والرأي والعمل والتعليم والتملك وهي أساس الحريات لحقوق الانسان. وهذه هي مقاصد الشريعة بحماية العقل والنسل والدين والعرض والمال بالحرية الكاملة والكرامة الإنسانية.

ولكن لا يكون المعنى بهذا أن تكون الحرية بالإضرار بالغير، فهنا تقف الحرية عند حد الضرر بالغير.

-فقال النبي صلى الله عليه وسلم:-

(مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ مَن فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً).

(لا ضرر ولا ضرار).

وقال سمرة بن جندب أنه كانت له عضد من نخيل في حائط رجل من الأنصار، ومع الرجل أهله، فكان سمرة يدخل عليه فيتأذى به، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فطلب إليه النبي صلى الله عليه وسلم ليبيعه فأبى، فطلب أن ينقله فأبى، قال: فهبه له ولك كذا أمراً رغبة فيه فأبى، فقال: أنت مضار، فقال للأنصاري: اذهب فأقطع نخله. 

وحدث أن الضحاك بن خليفة ساق خليجاً له من العريض فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة فأبى محمد. فقال له الضحاك: لم تمنعني وهو لك منفعة تشرب به أولاً وآخراً ولا يضرك، فأبى محمد. فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب فدعا عمر بن الخطاب بمحمد بن مسلمة فأمره أن يخلي سبيله فيجعل الماء يمر في أرضه إلى أرض الضحاك. فقال محمد :لا. فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع تسقي به أولاً وآخراً وهو لا يضرك. فقال محمد: لا والله. فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك. فأمره عمر أن يمر به ففعل الضحاك.

فتقف الحرية عند الإضرار بالغير وهذه هي ضوابطها، ومن هنا نخرج بمعنى الحرية رغم صعوبة تعريفها وهي أن يمتلك الفرد قراره ويفعل الفرد ما يريد دون الإضرار بالآخرين وفي نفس الوقت لا يُجبر الفرد على فعل ما لا يريده فبالتالي يؤذي نفسه وتنتقص حريته وينطبق هذا على حرية العقيدة، حرية الرأي والتعبير، حرية الملكية، الحرية السياسية. وهو ما سنأتي لشرحهم بالتفصيل بالنقاط القادمة.

فبامتلاك الفرد لحريته المطلقة وارادته الحرة لتحديد مصيره يكون امتلك حريته السالبة أو الشخصية وهي حرية الرأي والفكر والمعرفة والحصول على المعلومات، ولكي يطبقها تتحقق وقتها الحرية الموجبة التي تحققها وتعطيها له الدولة والمجتمع ليحقق الحرية الشخصية كاملة بالحرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهذا ما سنأتي لشرحة في النقاط القادمة بتحقيق هذه الحرية بضمان حرية الرأي والتعبير والحرية الشخصية والعقائدية وغيرها من الحريات.

فتتحقق الحريات الشخصية الفردية بالقول والفكر والحرية السياسية والشخصية، وعليه يتحقق الحرية الاجتماعية للمجتمع كاملاً بامتلاكه حقوقه وأرضه.

وعلى هذا عندما يمتلك الفرد ارادته الحرة عن طريق الوعي والتعليم الجيد، فيستطيع وقتها تحقيق حريته الداخلية ذات الفردية الخاصة والشخصية كاملة، ومنها يحقق حريته الخارجية التي تتحدد على الظروف الاجتماعية والسياسية فيكون قادراً على المطالبة بها وتحقيقها، ويتحقق وقتها الأمن بالدولة والعمل السياسي والاقتصادي والتعليمي والقانوني والصحي كاملاً لكل فرد.

فبعد تحقيق الحرية يتحقق الأمن للدولة ولا تكون ضدها، لأن الفرد والمجتمع عندما يمتلكون حقوقهم كاملةً، وتعمل الدولة على تحقيق العدالة يكون الشعب وقتها محافظاً على الدولة وحقها عليه ويدعم تقدمها والعمل من أجل لأنه امتلك حريته وحقوقه بشكل كامل.

والحرية يحمي تنفيذها وعدم التعرض لأحد والضرر به يكون بالقانون الذي يمنع الضرر بالغير، ويحميها الفرد والمجتمع عند محاولة أحد التغول على الحريات بالدولة ومنعها يكون بالوعي ونشر الوعي عن الحرية في المجتمع والإرادة الحرة للفرد ليسير تنفيذ القانون والأعراف التي تؤكد على حريته ولا يتخلى عنها ولا يتغول عليها أحد ولا يستبد بالشعوب.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم