فلسفة الفكر الإسلامي 22 (حرية الرأي والتعبير)

 


 

23- حرية الرأي والاختلاف والتعبير عنه وحرية الفكر:-

 

-قال الله تعالى:-

(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)

حرية الرأي والتعبير مهمة لأنها مقياس لمدى الحرية والديمقراطية والتطبيق المدني السليم بالدولة ومدى وجود حكم ديكتاتوري مستبد من عدمه. فالدولة التي تحكم بالديمقراطية وتطبيق صحيح للشورى تعطي الحق لكل فرد بالتعبير عن رأيه خصوصاً ذوي العلم والثقافة والسياسيين ومن يمتلكون رؤية للدولة لتنفيذ المشروعات الهادفة، وللناس عامة ولكل صاحب رأي، وهذا يكون بأي طريقة يراها الشخص طالما لا يتعدى على غيره. ووجود مبدأ الشورى وتطبيقه بشكل صحيح يجعل من الفرد ممتلكاً لحرية التعبير والقدرة على التفكير دون سيطرة أو كبت من أحد. هذا غير أن الخلاف يؤدي إلى التعاصف الفكري والتعددية في الرأي والتوصل للأفكار الأفضل لمصلحة الأمة، وأيضاً حرية الرأي تقوم بتصحيح الأخطاء التي تحدث في الدولة وتمنع الاستبداد.

-قال الله تعالى:-

(قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)

( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)

دليل على حرية الرأي والتعبير والاستماع إلى المعارضين بصدر رحب دون تكميم للأفواه. فاستمع الله وتحاور مع الملائكة عندما أراد الله خلق أدم، واستمع إلى إبليس عندما رفض السجود إليه وما سبب معارضتهم. ونتج عنه أن الصحابة كانوا يحاورون ويجادلون النبي بكل شيء نتيجة الاستقراء السليم والفهم الصحيح للقرآن.

-قال الله تعالى:-

(لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ).

فكل فرد له حرية الرأي والواجب على الآخر خصوصاً من بالحكم الاستماع له وعدم حرمانه من حق التعبير عن مكنون نفسه وفكره، وأن لا توجد سلطة تسيطر عليه من أحد سوى نفسه. ويجب أن يعي الجميع الاختلاف في الرأي أنه حرية لكل فرد ويجب أن يحصل كل فرد على حقه في التعبير والفكر والخلاف ويحصل على هذا الحق، فلا يصح أن نعطي لأنفسنا حق الاختلاف وحرية الرأي والتعبير، ولا نعطيه ولا نسمح بهذا الحق للآخر ونتعامل معه بإقصاء، فهذا يولد الخلاف الشخصي والأحقاد.

وقد استاقت الحرية في التعبير وعدم السيطرة على فكر أحد من (الشورى) التي أمر الله بها والتي تجعل من الفرد يفكر ويقرأ ويطلع ويبحث ليكون فكره ويعبر عنه بحرية. فالشورى تجعل الفرد يبحث ويفكر ويعبر عن رأيه دون خوف.

-قال الله تعالى:-

(قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ (71) قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(72))

دليل على حرية الرأي وعدم الخوف من بطش الحاكم وغيره طالما رأينا في الحق.

فوجدنا أن الفكر الإسلامي يحث على الشورى والعمل الجماعي ورأي أهل الكفاءة والخبرة وكل هذا يستلزم ويؤكد على حرية الفرد في التعبير عن رأيه.

-قال النبي صلى الله عليه وسلم:-

(سيد الشهداء حمزة ورجل قال كلمة حق لملك جائر فقتله).

(سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله).

(أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر).

فأكد المنهج الإسلامي أن لكل شخص رأي هو حر به ويواجه به ويقوله لمن يشاء حتى لو كان يحمل نقداً وكان الصحابة يدلون برأيهم للرسول دون خوف أو رهبة تأكيداً على حرية الرأي والتعبير وهذا جاء نتيجة لمبدأ الشورى فكلما كانت الديمقراطية سليمة وقوية كلما أحس المواطن بحريته وأن رأيه له أهمية فيشارك به في الدولة ومن هنا يبدأ اهتمام الفرد بالمشاركة في المجتمع المدني ومؤسساته المدنية سواء نقابات أو أحزاب أو أجهزة رقابية مدنية وتوجيهها للمجتمع السياسي وهذا ما سنأتي له بالتفصيل في نقطته.

فكان الرسول يستمع إلى أصحابه في كل أمور الدولة ويشاورهم في الإدارة كما أمر الله وهذا ما جعلهم يتفانون في ازدهار الدولة الإسلامية حتى بعد وفاة الرسول. واستمع إلى المخالفين في الرأي في غزوة أحد ومن خالفه الرأي في مكان العسكرة في غزوة بدر كما شرحنا بالأمثلة سابقاً.

فحدث أن النبي راجعه الحباب بن المنذر في اختياره لمكان غزوة بدر وقال له: يا رسول الله، أرأيتَ هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نعورّ ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلملقد أشرت بالرأي، فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقُلُب فعوّرت وبنى حوضًا على القليب الذي نزل عليه فمُلئ ماءً، ثم قذفوا فيه الآنية.

فكانت دليلاً على حرية الرأي والتعبير عنه دون خوف أو تخوين أو تكفير.

وعندما قال في غزوة لبني قريظة:-

(من كان سامعاً مطيعاً لا يصلين العصر إلا ببني قريظة).

تحميساً للغزو وعندما أدركتهم الصلاة في الطريق صلى البعض حتى لا تفوتهم الصلاة لأنهم وصلوا بعد غروب الشمس ولم يصل البعض الآخر سمعاً لكلام الرسول.

ويوم جاءه أصحابه يشكون له أنفسهم ومخاوفهم من الشكوك في الله، وقالوا إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. فقال لهم عليه السلام: وهل وجدتموه؟ يقصد الشك. قالوا: نعم. فقال عليه السلام: الحمد لله هذا محض الإيمان.

دليل على حرية التفكير والتعبير عن ما يدور بخلد كل فرد بحرية مطلقة دون حجر من أحد أو تكفير أو تخوين.

وقبل النبي مناقشة الأنصار له عند توزيع الغنائم وإعطاء المؤلفة قلوبهم سهم من الزكاة رغم أنه كان بنص قرآني، فجمعهم وخطب فيهم وأوضح لهم السبب أنه لمكانتهم في قبائلهم وأن الدولة مازالت ضعيف.

-فقال الله تعالى:-

(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) 

ومع هذا الاختلاف في الرأي وحرية التفكير في الأمر لم يعنف الرسول أحد منهم ولم ينكر فعلة أحد لأن الاختلاف كان في الصواب وليس في الخطأ. وهذا هو الغرض في الاختلاف أن يكون للصواب والتعبير عنه بحرية ودون خوف.

وقد سردنا حوار السقيفة في السابق وما فيه من خلاف وحوار حول اختيار خليفة الرسول، ورغم هذا الخلاف لم يتم التشكيك في أحد أو تخوينه أو تكفيره أو منعه من رأيه. بل كان كل شخص يدلو ما بداخله بحرية ودون خوف تأكيداً على حرية الرأي والتعبير

وقول أبو بكر:-

(إن أحسنت فأعينوني، إن أسأت فقوموني فيقال له: إن أسأت قومناك بسيوفنا).

فيحث على وجود من يخالفه و يعارضه ويسدد له الأمور وتأكيداً على حق الفرد في الاعتراض.

ووقت حروب أبو بكر مع أهل الردة الذين ارتدوا عن دفع الزكاة وكان رأيه محاربتهم لأنهم يقطعون مال الدولة وينفصلوا عن الدولة الحديثة، وكان رأي عمر والبعض عدم محاربتهم لأنهم مسلمين. فقبل الاعتراض والنقاش ولم ينكر على أحد رأيه حتى قال لهم (والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه) وأقنعهم بأن هذا تمزيق للأمة والدولة الوليدة.

وقال عمر بن الخطاب:-

(إذا ملت برأسي هكذا وهكذا. فيقال له: إذن نميل بسيوفنا هكذا وهكذا).

(إن أرسلت لكم أمراً يخالف الحق فأضربوا به الأرض واستمسكوا بالحق وحده).

تدليلاً على حق المعارضة والتفكير في كل أمر والتمسك بالحق وهذا من حرية الرأي والتعبير حتى لو وصل الأمر للخروج على الحكام والثورة عليهم إن حادوا عن الحق.

وكفل المنهج الإسلامي حرية الرأي والمعارضة حتى للنساء، فحدث أن امرأة خطأت عمر بن الخطاب بالمسجد بأمر ديني، وهذا عندما حدث أن ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله ثم قال: أيها الناس ، ما إكثاركم في صدق النساء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإنما الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك. ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها. فلا أعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم. ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين، نهيت الناس أن يزيدوا النساء صداقهم على أربعمائة درهم؟ قال: نعم. فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال: وأي ذلك؟ فقالت: أما سمعت الله يقول (...وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) (النساء : 20). فقال: اللهم غفرا، كل الناس أفقه من عمر. ثم رجع فركب المنبر، فقال: إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صداقهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب، ومن طابت نفسه فليفعل، فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئا وقال: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته. وقيل أنه قال (أصابت امرأة وأخطأ عمر).

لأهمية المعارضة وحرية التعبير لأي فرد بالدولة في أي أمر يرى به خطأ دون خوف.

وشاركت السيدة عائشة بمشاركة سياسية وعسكرية بعد مقتل عثمان بن عفان في معركة الجمل فحتى إن أخطأت ولكنها تفاعلت بالدولة لأن هذا ما رأته من وجهة نظرها وعبرت به عن رأيها بحرية مطلقة.

ويقول عمر بن الخطاب لبطانته:-

(أني دعوتكم لتشاركوني أمانة ما حملت من أموركم فإني واحد كأحدكم وأنتم اليوم تقرون بالحق خالفني من خالفني ووافقني من وافقني ولست أريد أن تتبعوا هواي فمعكم من الله كتاب ينطق بالحق فو الله لئن كنت نطقت بأمر أريده فما أريد به إلا الحق).

دعوة منه لحرية الرأي والتعبير والاختلاف البناء لمصلحة الدولة. فكان لا يتخذ قرار بأمر إلا بعد مشاورة أصحابه وأهل العلم وكان يردد لهم:-

(لا تقولوا الرأي الذي تظنونه يوافق هواي وقولوا الرأي الذي تحسبونه يوافق الحق).

دعوة وتأكيد منه على قول الحق وعدم منافقة الحاكم وحق المعارضة.

وكان يقول:-

(إني أخاف أن أخطئ فلا يردني أحد منكم تعظيماً لي فقال له أبو حذيفة: والله لو رأيناك خرجت عن الحق لرددناك إليه فيقول عمر: الحمد لله الذي جعل لي أصحاباً يقومونني إذا إعوججت).

تشجيعاً على المعارضة وحرية الرأي دون خوف.

وخطب عمر بن الخطاب قائلاً:-

(فاتقوا الله وأعينوني على أنفسكم بكفها عني وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحضاري النصيحة فيما ولاني الله من أمركم...).

للحث على المعارضة والتعبير عن الرأي وتوجيه الحاكم.

ونسمعه عندما قام له شخص بالمسجد وقال له: اتق الله يا عمر. فلم يغضب وقال: لا خير فيكم إذا لم تقولوها ولا خير فينا إذا لم نسمعها.

تدليلاً على حرية الرأي وحرية التعبير عنه وواجب الاستماع للمعارضين.

فكل إنسان حر لا يستعبد أبداً فقال عمر بن الخطاب: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً. ثم نادى بها روسو بعده باثني عشر قرناً بقوله: يولد الإنسان حراً ولكنه مقيد بالأغلال في كل مكان. فكل فرد يملك الحرية الفكرية وحرية الاختيار دون إرغام من أحد. فهو حق كل مواطن بالدولة مكفول له لا يتم مصادرته أو منعه.

فيوجب على الحاكم تشجيع حرية الرأي والمعارضة وليس كبتها فالتعبير الحر عن الرأي يجعل في الحياة تعددية فكرية وثقافية مما يثمر العمل الجماعي والوصول إلى أفكار أكثر صواباً. ومن حرية التعبير والاعتراض يكون الناتج تكوين الأحزاب السياسية التي تترجم هذه الاعتراضات إلى برامج وخطط تنفذها لمصلحة الدولة.

وأن لا يكون استخدام هذه الحرية بطريقة خاطئة فمع حرية الفرد في التعبير لا يحق أن يعتدي على حق الآخر وحريته بكتمان رأيه أو رفضه أو حتى بالسب فشتان بين المبدأ وآلية استخدامه. المهم النقد بموضوعية ودون تجريح أو إساءة مع طرح بدائل وحلول لما ننقده ونطرحه من إشكاليات. وبهذا يتكون أساس مهم من أسس الدولة المدنية.

فالخلاف يدل على قوة المعارضة ومدى القدرة عليها في الدولة وأنها تساعد على الأفعال السوية السليمة بالتفكير الجماعي والاختلاف البناء.

ومن الأمثلة السابقة في المعارضة والنقاش وحرية الرأي نجد أنه لم يتم تكفير أحد عند معارضته لرأي النبي في اختيار موقع غزوة بدر أو في غزوة أحد مثلاً، ولم ينكر على الصحابة الخلاف في الرأي ولم يتم تخوين أحد في الخلاف بالرأي. وهذا لكي يضمن حرية الرأي لكل فرد ويكون هذا الخلاف في صالح الدولة بوضع القرار السليم بعد النقاش وتعاصف الأفكار والعقول.

فالخلاف الدنيوي وإدارة الدولة يمكن النقاش فيه وهو في صالح الدولة ويؤدي للوصول إلى أصوب القرارات للصالح العام بالدولة وللناس.

-التظاهر:-

هو طريقة من طرق التعبير عن الرأي فمن حق كل مواطن أن يعبر عن رأيه كما رأينا وبالضرورة يكون من حق الفرد التظاهر في أي مكان وبأي أسلوب يراه سليماً للتعبير عن رأيه ولكن بحدود الآداب العامة ودون إيذاء أو جرح مشاعر للمواطنين سواء بالألفاظ أو بالاعتداء على أحد أو على حرية رأيه أو حق الاختلاف معه وأيضاً بعدم الاعتداء على أي من مؤسسات حكومية أو خاصة بل حمايتها. فالتعبير عن الرأي وتصحيح الأخطاء الموجودة وإقناع الآخرين بالرأي لابد أن يكون بالحسنى وبالتعبير عنه بطريقة سلمية من أجل تكبير قاعدة المتظاهرين وتعديل الأوضاع الخاطئة.

والحرية مكفولة لكل مواطن بالدولة دون تفرقة على أساس اللون أو الدين أو الجنس فتعطيه حقوقه وواجباته كل الحق في الاعتراض والتعبير والتظاهر دون أي تفرقة.

وقد وجدنا حرية التظاهر لم يمنعها عثمان بن عفان وهو الخليفة وقتها عندما رفض حكمه مجموعة من الشعب وخرجوا عليه بل ومنع أي أحد حاول أن يدافع عنه ويقتل المحاصرون لبيته لمنع إسالة دماء المسلمين والشعب حتى لو كلفه الأمر حياته كما حدث بالنهاية حفاظاً على حقهم في التعبير عن رأيهم وحق التظاهر. فهذا حق كل فرد ومواطن بالدولة مكفول له لا يتم مصادرته أو منعه.


فلسفة الفكر الإسلامي 21 (هدايا الحكومة، التعامل التجاري لأهل السياسة)

 


 

20- هدايا الحكومة ملك للدولة:-

 

عندما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بأن أحد الولاة أخذ مالاً كهدية قال له:-

(كيف تأخذ ما ليس لك بحق فقال له لقد كانت هدية يا رسول الله فقام إلى المنبر وقال-أرأيت لو قعد أحدكم في داره ولم نوله عملاً أكان الناس يهدونه شيئاً).

ومرة أخرى عندما قال أحد الولاة هذا لي وهذا لبيت المال فقال له عليه السلام:-

(ترى لو كنت في بيت أمك وأبيك أكان يأتيك هذا).

وعندما استعمل الرسول ابن اللتبية على الزكاة والصدقة وقال للنبي: هذا لكم وهذا أهدى لي. فصعد النبي المنبر وقال:-

(أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول: هذا لكم وهذا هدية أهديت إلي أفلا جلس في بيت أبيه أو أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً؟ والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقى الله تعالى يحمله يوم القيامة فلا أعرفن أحداً منكم الله يحمل بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر).

(من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطاً فما فوقه كان غلولاً).

(من استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول).

والمقصد أن من يتولى أمر في الدولة وينال هدية فهي ليست له لأنه إن لم يكن في هذا المنصب لم يكن أهدي بشيء فلذا تؤل ملكيتها للدولة. ومن هنا نقول أن الهدية لموظف الدولة تعتبر رشوة ومفسدة له إذا لم يعطها للدولة وأعطى في مقابلها خدمة.

 

21- التعامل التجاري لأهل السياسة وأقاربهم:-

 

نجد أن الرسول وهو حاكم الدولة توقف عن رحلاته وأعماله التجارية وأيضاً الخلفاء الراشدين وكانوا ذوي تجارة ومال. فقنن لتوقف عمل أهل السياسة عن العمل التجاري لعدم تضارب المصالح واستغلال النفوذ أو التلاعب بالقوانين لمصلحتهم الشخصية.

وعلى هذا الأساس قام عمر بن الخطاب بمصادرة أي مال زائد عن الولاة والصحابة والأغنياء لمجرد وجود شبهة استفادة من الولاة وأصحاب المناصب ومحاسبتهم ومنع عملهم بالتجارة حتى لا يحدث استغلال لنفوذهم وتضارب المصالح وتطبيقاً لمبدأ تكافؤ الفرص للجميع. وهذا لأنهم لن يجعلوا غيرهم ينال شيء بسبب سلطتهم.

1-   فحدث أن عتبة بن أبي سفيان كان حاكماً على كنانة فجاء ومعه مال كثير فسأله عمر: ما هذا يا عتبة؟ فقال عتبة: هذا مال خرجت به معي وانتفعت به في التجارة. فسأله عمر: وما لك أن تخرج هذا المال معك في هذا الوجه –يقصد التجارة- ؟ ثم أخذ منه نصف ماله.

2-   ومرة ثانية مع عمرو بن العاص عندما عينه والٍ على مصر أن علم أنه صار غنياً فأرسل له رسالة فيها الآتي:-

(أما بعد فقد ظهر لي من مالك ما لم يكن في رزقك ولا كان لك مال قبل أن أستعملك فأنى لك هذا؟ فو الله لو لم يهمني في ذات الله إلا من اختان في مال الله لكثير همي وإنتئر -تفرق- أمري ولقد كان عندي من المهاجرين من هو خير منك ولكني قلدتم رداء غنائك فأكتب إلي:-من أين لك هذا المال؟ وعجل).

فكتب له عمرو بن العاص قائلاً:-

(أما بعد فقد فهمت كتاب أمير المؤمنين فأما ما ظهر لي من مال فإنا قدمنا بلاد رخيصة الأسعار كثيرة الغزو فجعلنا ما أصابنا في الفضول التي تصل لأمير المؤمنين نبؤها و والله لو كانت خيانتك حلالاً ما خنتك وقد ائتمنتني فإن لنا أحساباً إذا رجعنا إليها أغنتنا عن خيانتك وذكرت أن عندك من المهاجرين الأولين من هو خير مني فإذا كان ذاك فو الله ما دققت لك يا أمير المؤمنين باباً ولا فتحت لك قفلاً).

فرد علية عمر بن الخطاب:-

(أما بعد فأني لست من تسطيرك الكتاب وتشقيقك الكلام في شيء ولكنكم معشر الأمراء قعدتم على عيون الأموال ولن تعدموا عذراً وإنما تأكلون النار وتتعجلون العسار وقد وجهت إليك محمد بن مسلمة فسلم إليه شطر مالك–نصفه-)

3-   كان عمر يضع راتب للقضاة كبير فكان سلمان بن ربيعة الباهلي والقاضي شريح راتبهم خمسمائة درهم شهرياً، ولم يكن يسمح لأي قاض بالبيع والشراء والتجارة حتى لا يحدث تضارب في المصالح وفي أحكام القضاء.

-       أهل الحاكم واشتغالهم بالتجارة:-

من الأساس في المنهج الإسلامي أن يتم تطبيق العدل وتكافؤ الفرص والقانون على الجميع وأن يكون أهل الحاكم قدوة لذا كان يمنع على الحكام الاشتغال بالتجارة وبالتالي أبنائهم لعدم استغلال النفوذ عن طريق آبائهم.

وفعل هذا عمر بن الخطاب بابنه عبد الله عندما وجده يملك النوق السمان وقال له: وضعت بالسوق ليقال أسقي وأرعي نوق ابن أمير المؤمنين، فأمره أن يتبرع بها كلها لبيت المال. حتى لا يتم استغلال اسم ونفوذ الأب في زيادة المال.

وحدث أن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبيد الله بن عمر بن الخطاب خرجا في جيش إلى العراق فلما رجعا مرا على أبي موسى الأشعري حاكم البصرة فرحب بهما وأكرمهما وقال لهما: إني أخبركما بأمر ينفعكما إن هنا مالاً من مال الله أريد أن أرسله معكما إلى أمير المؤمنين وأستطيع أن أسلفكما هذا المال ويمكنكما أن تشتريا به بضاعة مما في العراق ثم تبيعا ما تأخذان من التجارة في المدينة وبذلك تربحان منها فتدفعان رأس المال إلى أمير المؤمنين وتأخذان الربح لكما. فقالا: إننا نحب ذلك. ولما وصلا المدينة باعا ما أحضروه من بضاعة وربحا في التجارة وأخبرا أباهما بهذا وردا له رأس المال. فسألهما عمر بن الخطاب:-هل أعطى أبو موسى سلفة لكل من كان بالجيش. فأجاباه: لا إنه لم يعط أحداً غيرنا. فقال عمر: إنه أعطاكما السلفة لأنكما ابنا أمير المؤمنين عمر ويجب أن تدفعا المال والربح الذي حصلتما عليه. فقال عبيد الله: لا ينبغي لك هذا يا أمير المؤمنين لأننا لو خسرنا في التجارة ونقص هذا المال أو ضاع منا لدفعناه وكنا ضامنين إياه. فقال عمر: ادفعا المال وما كسبتاه. فقال أحد الحاضرين: يا أمير المؤمنين هل يمكن أن تأخذ رأس المال ونصف ربحه؟ فقبل عمر هذا الحل.

فمنع الفكر الإسلامي أهل السياسة وأقاربهم من الدرجة الأولى بالعمل بالتجارة والصناعة وأي عمل يمكنهم من استغلال نفوذهم وأموال الدولة والشعب في التجارة ويدر عليهم أموال باسم مناصبهم الحكومية فلا بد أن يمنعوا عن العمل بها حتى لا يحدث استغلال نفوذ وتضارب مصالح لأن علم أهل السياسة بالقوانين مسبقاً غير نفوذهم يؤدي إلى استخدامها لمصلحتهم الخاصة إن كان لهم عمل تجاري. وهذا أيضاً ليسهل مراقبة دخولهم وأموالهم فيكون دخلهم الوحيد من الحكومة وليس من التجارة لأن دخولها متغيرة وضخمة فلا يسهل مراقبة ذمتهم المالية ومحاسبتهم عنها.

فكان هذا أساس قانون من أين لك هذا؟ ومحاسبة الحكام ونوابهم ومساعديهم وعدم اشتغالهم بالتجارة وأيضاً أولادهم وأقاربهم من الدرجة الأولى لعدم استغلال نفوذهم ونفوذ أهلهم.

فلم يدع الفكر الإسلامي ما لقيصر لقيصر بل كان من شأنه أن يحاسب قيصر على ماله ويأخذ على يده في عمله وماله.


22- الشفافية وعدم غش الحاكم للشعب:-

 

-قال النبي صلى الله عليه وسلم:-

(من غشنا فليس منا).

(يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة).

(كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته).

(إيما راع غش رعيته فهو في النار).

(من استرعاه الله رعيه ثم لم يحطها بنصحه إلا حرم الله عليه الجنة).

(ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: ....، الملك الكذاب، ...).

(ما من وال يلي رعيته فيموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة).

(من أخون الخيانة تجارة الوالي في رعيته).

(لا غادر أعظم من أمير عامة).

(لكل غادر لواء يوم القيامة وأكبر لواء غدر أمير عامة).

ونجد موقف النبي في غزوة بدر عندما اختار مكان للعسكرة وسأله (الحباب) عن ما إذا كان اختيار المكان من عند الله أم من عند النبي فكانت إجابة النبي إنه من عنده هو من سبيل المصارحة والشفافية في اتخاذ القرار.

فالمواجهة أفضل من التدليس في اتخاذ قرارات الدولة وهذا لمواجهة الصعاب والسعي الجماعي مع الأمة لإصلاحها باتخاذ القرار الأصوب. وعدم قول الحق للشعب معناه الكذب والغش وتعاظم الخطأ وبهذا يبدأ طريق الانحدار للأمة وبعدها عن بناء الحضارة والتقدم.

وللحاكم أن يجتهد في حكمه ولكن إن أخطأ فعليه بمصارحة الشعب حتى يتداركه ولا يزداد البلاء فقال النبي صلى الله عليه وسلم:-

(إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر).

واجتهاده يكون في الحق والعدل ومحاولة لتنمية وتقدم الدولة.

ولأن الحاكم مؤمن على الشعب فلابد أن لا يخون الأمانة ويحافظ عليها ويصارح الشعب بكل ما في الدولة من أمور ومشاكل لمواجهتها بقوة موحدة وبعمل جماعي مع ضمان حرية نقل المعلومات وتبادل المعلومات بكل مصداقية لحل المشاكل وحرية الرأي وإن فعل غير ذلك فلابد من عزله ومحاكمته لأنه خان أمانة الشعب صاحب السلطة وعهده لهم في وقت انتخابه. فالشفافية تجعل من حرية نقل المعلومات السليمة والمعطيات الصحيحة للمشاكل أن يتم وضع حلول سليمة للمشاكل والبناء الحضاري السوي.

 


فلسفة الفكر الإسلامي 20 (الحفاظ على مال الأمة)

 


 

19- الحفاظ على مال الأمة:-

 

-قال الله تعالى:-

(وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)

-قال النبي صلى الله عليه وسلم:-

(من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطاً فما فوقه كان غلولاً).

(من استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول).

مال الدولة هو ملك للشعب وليس للحاكم ولا يحق له أن يتصرف فيه كما يشاء بل لا يملك منه شيئاً فهو موظف قائم على الحفاظ عليها ولا يأخذ راتب له سوى كفايته فقط وما يحدده له المجلس التشريعي والدستور لأن عمله كحاكم ليس من أجل المال ولكن من أجل الأمة وهو عمل عام لخدمة الوطن. وأيضاً يكون واجب عليه تقليل وترشيد الإسراف الحكومي والتقشف وعدم التبذير وتوجيه المال للبنية التحتية والأساسية للدولة.

 ومع وجود رقابة من السلطات الأخرى التشريعية والقضائية على التنفيذية غير رقابة المجتمع المدني على ميزانية الدولة المعلنة لنواب الشعب والشعب ذاته يكون الحاكم والسلطة التنفيذية قيد الرقابة على مصروفات الحكومة والدولة.

-الأدلة:-

-قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ عند إرساله إلى اليمن:-

(إياك وكرائم أموالهم واتقي دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب).

للحفاظ على مال الشعب وعدم المساس به.

-وكان يقول صلى الله عليه وسلم لعماله:-

(من استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً فما أخذ بعد ذلك فهو غلول-سرقة-).

فما تصرفه الدولة لموظفيها وحكامها ونوابهم ومساعديهم كراتب هو من حقهم والأكثر من ذلك هو ملك الدولة وإن أخذوه فأصبح سرقة لمال الشعب يستوجب عليها العقاب وإقامة الحد عليه لأنه تعدي على حق ومال الشعب. فلابد من المحافظة على أموال الدولة فهي حق الشعب وليست لغيره وليست ملكية خاصة للحاكم يأخذ منها عندما يريد.

-فقال النبي صلى الله عليه وسلم:-

(أدوا الخيط والمخيط وإياكم والغلول فإنه عار على صاحبه يوم القيامة).

وحدث أنه كان للنبي غلام يدعى مدعم وفي إحدى الغزوات أصابه سهم وهو يحط رحل الرسول فمات فجاء أصحاب الرسول يعزونه في خادمه ويقولون هنيئاً له يا رسول الله لقد ذهب شهيداً ولكن أجابهم الرسول وقال:-

(كلا إن الشملة التي أخذها من الغنائم يوم خيبر لتشتعل عليه ناراً).

وهذه الشملة تساوي بضعة دراهم ولكن لأنها من مال الأمة فتكون كالسرقة فلا تشفع له شهادته بسبب سرقته لبعض من مال الأمة.

حدث أن علي من أبي طالب وفاطمة أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له علي بن أبي طالب: يا رسول الله والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري. وقالت فاطمة: قد طحنت حتى نحلت يداي، وقد جاءك الله بسبي وسعة فأخذ منا فقال صلى الله عليه وسلم (والله لا أعطيكم و أدع أهل الصفة تطوي بطونهم من الجوع ولكن لتبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم).

فلم يستحل أموال الدولة ولم يعطي لأهله إلا كالأخرين ولا ينالهم الخير وفي الدولة من يناله الجوع.

وكان عمر بن الخطاب لا يأخذ من مال الدولة شيئاً فقال له رجل مرة: ما يحل لك من هذا المال؟ قال: أنا أخبركم بما أستحل منه. يحل لي حلتان، حلة في لشتاء، وحلة في القيظ –الصيف-، وما أحج عليه وأعتمر، وقوتي وقوت أهلي كقوت رجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعد رجل من المسلمين يصيبني ما أصابهم.

فكان يصرف لنفسه درهمين يومياً فقط لبيته ولا يزيد مهما احتاج خوفاً على مال الدولة.

 وكان يقول:-

(والذي نفسي بيده ما من أحد إلا له في هذا المال حق أعطيه أو أمنعه وما أحد أحق به من أحد وما أنا فيه إلا كأحدهم فالرجل وبلاؤه والرجل وقدمه والرجل وغناؤه والرجل وحاجته هو مالهم يأخذونه ليس هو لعمر ولا لآل عمر).

ويوماً ما مرض عمر ووصف له بعض العسل كعلاج وكان يوجد منه ببيت المال فلم يستحله لنفسه إلا بعض أن طلب من الناس وقال: إن أذنتم لي فيها أخذتها، وإلا فهي علي حرام. فأذن له الناس.

وكان ما حدث مع الخليفة عمر بن الخطاب أمير المؤمنين عندما مر بسوق المدينة المنورة ورأى شيخاً كبيراً يسال الناس حاجته طلبا للمساعدة فاقترب منه وسأله: من أنت يا شيخ من أي أهل الكتاب؟ فقال الرجل: أنا يهودي عجوز أسأل الناس الصدقة لأفيء لكم بالجزية ولأنفق الباقي على عيالي. فقال عمر الخليفة: ما أنصفناك يا شيخ. أخذنا منك الجزية شاباً ثم ضيعناك شيخا. وأمسك الخليفة عمر بيد ذلك اليهودي وأرسل إلى خازن بيت المال و قال له: افرض لهذا وأمثاله ما يغنيه ويغني عياله.

تأكيداً على حق الفرد عند الوصول لسن الكهالة في معاش تقاعد يضمن له آدميته وحقه في مال الدولة الذي هو ماله في الأساس.

وعندما وجد سيدة عجوز لا تقوى على خدمة نفسها خصص للسيدة العجوز خادم لها يقوم على حاجتها احتراماً ورحمة لها ولسنها.

وهذا ليحدد دور الدولة بتوفير الخدمة للعجائز من كبار السن كدور الرعاية اللازمة لخدمتهم.

ويوماً ما وزع عمر بن الخطاب من بيت مال المسلمين على الناس فقال رجل: جزاك الله خيراً يا أمير المؤمنين. فقال عمر: ما بالهم نعطيهم حقهم ويظنونه منة مني عليهم.

وهذا دليل على حق الشعب في مال الدولة وصرف لهم معاشات شهرية تعينهم على الحياة، وأن مال الدولة ليس ملكاً للحاكم بل هو حقهم وأنه شخصياً عامل لديهم.

ليؤكد بهذا على أن المال مال الشعب ولا أحد أحق من أحد وأنه هو نفسه مثله كأي فرد في الدولة لا يزيد عنه شيء في أحقية المال بل وعليه توجيهه في المكان السليم لتنمية الدولة ويعود المال على أفراد الأمة بالخير والخدمات. فكان يصرف منه على التنمية وعلى مرتبات القضاة والمعلمين ومن يريدون الحاجة وأهل السبيل والمرضى والمدارس والمستشفيات وغيرها من خدمات المواطن. فكان يعتبر نفسه خازن المال ومسئول أمام الله عنه فلا يصرفه إلا في موضعه.

-       قال النبي صلى الله عليه وسلم:-

 (من لم يؤد زكاته طيبة بها نفسه فإنا آخذوها وشطر ماله عزمه من عزمات ربنا لا يحل لمحمد ولا لآل محمد منها شيء).

وعندما منع بعض الأعراب مال الزكاة عن أبو بكر حاربهم من أجله وقال قولته الشهيرة:-

(لو قطعوا عني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم من أجله).

فالزكاة من أموال الدخل في الدولة وهي مهمة لذا يجب الحفاظ عليها وعلى تحصيلها لأنها تساعد الدولة على العمل من أجل التوزيع العادل للثروة وتحقيق العدالة الاجتماعية.

فهذا قانون أن كل من رفض دفع الزكاة أو الجزية (إذا تم التوافق عليها) أو الضرائب أو الخراج فيسجن من أجل هذا لأنه يضر بالدولة وبدخولها فمنع الزكاة يوجب السجن ومصادرة نصف أمواله.

-       وللتشديد على التقشف الحكومي وعدم الإسراف إلا على ما يفيد بناء الدولة:-

1- قال بشار بن نمير أن عمر بن الخطاب سأله كم أنفقنا في حجتنا هذه؟ فقال له: خمسة عشر ديناراً. فقال: لقد أسرفنا في هذا المال.

2- قال عبد الله بن عامر بن ربيعة: صحبت عمر بن الخطاب من المدينة إلى مكة في الحج ثم رجعنا فما ضرب له فسطاط ولا كان له بناء يستظل به إنما يلقي كساء على شجرة فيستظل تحته.

فهو مال الدولة والمسلمين ويرى أن لا حق له به فلا يزيد في المصروفات والترشيد فيها وكان يأخذ ما يعيش به كالفقراء ولا يزيد ويصرف لنفسه من بيت المال ما في مستوى الكفاف فقط.

3- ونجده عندما جاء القماش من اليمن إلى بيت المال فوزع على المسلمين ونال هو نفسه منه مثل أي فرد في الأمة قطعة واحدة لا تكفيه لعمل جلباب لأنه كان طويل الجسمان فأعطاه ابنه قطعته ليفصلها.

فلم يتعامل مع أموال الأمة على أنها أمواله ونال منها مثل أفراد الأمة متساوياً بهم ولم يزد لنفسه حتى لو لم تكفيه.

4- ولم يستحل المال بل كان يحافظ عليه لدرجة أنه مرض واشتد عليه المرض فوصف له الأطباء العسل لكي يشفيه وكان بيت المال به الكثير من العسل الذي يأتي من الفتوحات والولايات فلم يأخذ منه إلا عندما جمع الناس وأستأذنهم أن يأخذ منه القليل للعلاج فأشفق عليه الناس وأذنوا له.

5- سمع الصحابة يوماً أنه يقترض للعيش فاجتمعوا وبهم عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام واتفقوا أن يحدثوه في أن يزيد راتبه ولكن لخوفهم من فتح هذا الحديث معه قال عثمان: فلنستبرئ ما عنده من وراء وراء... وذهبوا إلى ابنته حفصة لتطالع أبيها فقال لها عمر بعد أن طالعته الأمر: من بعثك إلي بهذا؟ قالت: لا أحد. فقال: بل بعثك بهذا قوم لو عرفتهم لحاسبتهم. لقد كنت زوجة رسول الله فماذا كان يقتني في بيتك من الملبس؟ قالت ثوبين اثنين. فقال: فما أطيب طعمه رأيته يأكلها؟ قالت: خبز شعير طري مترود بالسمن. قال لها: فما أوطأ فراش كان له في بيتك؟ قالت: كساء ثخين كنا نبسطه في الصيف فإذا كان الشتاء بسطنا نصفه وتدثرنا بنصفه. فقال: يا حفصة أبلغي الذين أرسلوك إلي أن مثلي ومثل صاحبي الرسول وأبي بكر كثلاثة سلكوا طريقاً فمضى الأول وقد تزود فبلغ المنزل ثم تبعه الآخر فسلك طريقه فأفضى إليه ثم الثالث فإن لزم طريقهما ورضا بزادهما الحق بهما وإن سلك غير طريقهما لم يجتمع بهما.

فحتى في احتياجه لم يقرب لمال الدولة فيزيد راتبه شعوراً بعدم أحقيته لهذا المال وما هو إلا قائم عليه.

6- وفي يوم يقوم عمر ويعدو ويهرول وراء بعير أفلت من معطنه ويلقاه علي بن أبي طالب فيسأله إلى أين يا أمير المؤمنين؟ فيجيبه: بعير ند من إبل الصدقة أطلبه. فيقول له علي: لقد أتعبت الذين سيجيئون بعدك. فيجيبه عمر بكلمات متهدجة: والذي بعث محمدا بالحق لو أن عنزاً ذهبت بشاطئ الفرات لأخذ بها عمر يوم القيامة.

7- ونجد عمر بن الخطاب يحافظ على مال الأمة وشديد الحرص عليه في موقف آخر لأنه مسئول عنه أمام الله:-

فعندما أطل عثمان بن عفان من بناية له عالية فرأى رجلا يسوق بعيرين صغيرين وكان اليوم صائف قائظ والهواء ساخن جداً فقال لنفسه ما على هذا الرجل لو أقام بالمدينة حتى يبرد وأمر خادمه أن ينظر من هذا الرجل فعندما اقترب منه وجده عمر بن الخطاب فصاح لعثمان إنه أمير المؤمنين فأخرج عثمان رأسه في كوة صغيرة ليتقي الحر وقال له: ما أخرجك هذه الساعة يا أمير المؤمنين؟ فأجابه بكران من إبل الصدقة تخلفا عن الحمى (المرعى) فخشيت أن يضيعا فيسألني الله عنهما. فقال له: هلم إلى الظل والماء ونحن نكفيك هذا الأمر. فقال: عد إلى ظلك يا عثمان. فرد عثمان: عندنا من يكفيك هذا الأمر يا أمير المؤمنين. فأعاد كلامه وقال: عد إلى ظلك يا عثمان.

1-   كان يخصص للماشية التي ملك لبيت المال (ملك للدولة) أرضاً نادراً ما كان يمر يوماً دون أن يرى الناس عمر يراقبها ويقول لخادمها ويحذره من أن يسمح لأحد أن يعضد شيئاً من شجرها أو أن يضرب فيها فأساً.

2-   وأيضاً كان عمر بن الخطاب يطلي بيده إبل الصدقة إذا أصابها الجرب ويضع يده على مكان مرضها ويقول (والله إني لأخشى أن يسألني الله عما بك).

10- وكان إذا ولى عاملاً له بالولاية كان يحصي أمواله قبل وبعد الولاية وكان يرسل أثناء ولايته من يعد أمواله ويحاسبه عليها وإن وجد ما يزيد يأخذه لبيت المال ويعاقبه.

11- قيل لعمر بن الخطاب ذات يوماً (ألا تكسي الكعبة. فقال: بطون المسلمون أولى).

تأكيداً على أهمية التقشف والتخطيط السليم لأموال الدولة وأنها تذهب للشعب وخدماته أفضل من أن تصرف على المظاهر حتى الدينية منها.

12-محاسبته لخالد بن الوليد عما أنفقه من بيت المال وحامه بمجلس كأي فرد من الشعب ليشدد على الحفاظ على مال الدولة، ثم قاسم فيما امتلكه من مال ومتاع ليعود إلى بيت المال وعزله من منصبه.

13-موقف علي بن أبي طالب وقت أن كان والياً على اليمن برفضه أن يركب بعض الصحابة إبل الصدقة وقال لهم: إنما لكم منها سهم كما للمسلمين. ولا عامله على اليمن الذي أذن لهم بركوبها في غيابه عندما كان منصرفاً إلى الحج، وعندما شكوه إلى الرسول فأنكر شكواهم.

14- ونرى عمر بن عبد العزيز لشدة حرصه على أموال الدولة كان يأمر بتأييد كل الواردات والمصروفات.

وفي يومنا هذا لابد أن تراجع من نواب الشعب المراقبين للحكومة من السلطات التشريعية والمؤسسات المدنية حتى تحافظ على أموال الدولة ومراقبة أموال موظفي الدولة بما فيهم الحاكم.

15- نجد موقف لعمر بن عبد العزيز في صبيحة العيد عندما جاءته ابنته تشتكي له أن الأطفال يرتدون الملابس الجديدة وهي لا ترتدي إلا ملابس بالية مع أنها ابنة الخليفة فذهب عمر بن عبد العزيز إلى الخازن ليطلب منه أن يصرف له راتب الشهر القادم لأنه لا يملك مال فقال له الحارس:-حسناً ولكن أن تعطيني ما يضمن أنك ستعيش للشهر القادم حتى تعمل بما ستتقاضاه مسبقاً. فرجع عمر إلى ابنته وقال لهم اختاروا لي إما الدنيا أو الآخرة فاختاروا له الآخرة.

فلم يستطع رغم الحاجة أن يأخذ من مال الدولة أي شيء يزيد عن راتبه ولا حتى راتبه لشهر لم يتم عمله فيه وهذا تأكيداً على أن مال الدولة غير مستباح.

كل هذا تأكيداً على أهمية الحفاظ على مال الشعب وعدم سرقته وإعطائه للشعب كخدمات وبنية تحتية وأساسية وتنمية اقتصادية وعسكرية وعلمية وإن فاض يصرف على المحتاجين وإغناء الفقراء وتزويج الشباب كالأمثلة بنقاط (دور الدولة تجاه الشعب، دور الحاكم).

وكانت هذه الدلالات على حفظ مال الأمة وعدم اعتبارها ملكية خاصة للحاكم وعدم استباحته وعلى أن يكون الخازن للمال بما يسمى وزيراً للمالية الآن أميناً على مال الشعب والحاكم مسئول عنه. وأن لا تستحل الدولة بأعضائها مال الأمة بل أن تصرف منه بحذر وبتخطيط على الدولة حتى لا يهدر المال. فمال الدولة هو ملك للأمة طالما أن الكل يشترك في دفعه بزكاته وخراجه وجزيته إن فرضت وضرائبه على حسب شكل تطبيقهم والحاكم مسئول عنه وهذا من دوره وواجبه للشعب كما تحدثنا بنقطة (دور الحاكم).

-التخطيط الاستراتيجي والترشيد الحكومي:-

-قال الله تعالي:-

(وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ).

(وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا).

(إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ).

(يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49))

على الدولة والحكومة التخطيط الاستراتيجي والترشيد في الإنفاق وعدم البذخ والإسراف للحفاظ على مال الشعب وعدم صرفه في غير محله وعدم الزيادة في مرتبات أعضاء الحكومة ومصاريفها وعليها ضرورة التخطيط للأولويات لدعم المشروعات التي تفيد تقدم وتنمية الدولة فالمال ليس للصرف والبذخ على المظاهر وإنما على التنمية الاقتصادية والتقدم الحضاري والتعليم والصحة فيعود المال للمواطن صاحب الحق والمال لخدمته وليس للصرف على المظاهر ومكافآت أهل السياسة الواجب عليهم حمايته.

-أمثلة:-

-قال الله تعالى:-

(قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ(49)

وهذا دليل على أهمية التخطيط الاستراتيجي لوقت الشدائد والاحتياج أو للمبادلة بما يفيض عن الإنتاج لما ينقص من المواد الخام للإنتاج.

عندما قال البعض لعمر بن الخطاب ألا تكسي الكعبة قال: بطون المسلمين أولى.

والمقصد أن الأموال بالدولة توجه للمكان الأمثل لمصلحة الشعب وليس لبناء الأماكن المقدسة فقط، والمفهوم هنا ليس بسد الجوع فقط وإنما بناء المدارس وتنمية التعليم والصحة وما غير ذلك. مما يساعد الفرد على العمل وعدم الجوع في النهاية هذا غير توفير المساعدات المادية للمحتاجين.

قال علي بن أبي طالب:-

وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة ومن طلب الخراج من غير عمارة أخرب البلاد.

فيكون التوجه للدولة هو تنميتها اقتصادياً وليس جباية الضرائب فقط والخراج لأن التنمية تجعل من الفرد يشعر بالانتماء لوطنه ويدفع ضرائبه عن طيب خاطر ولا يتهرب منها لأنها تعود عليه وعلى أفراد أسرته ومجتمعه بالخير ويعمل بقوة في الدولة لتنميتها وتقدمها.

وتعمل الدولة على الحفاظ على أموال الدولة والشعب ووضعها في مكانها الصحيح لكي تفيد الشعب بالتخطيط للمشاريع التي تعود على الشعب بالرفاهية، وتنمية الخدمات الأساسية للناس كالصحة والتعليم.