كيف تكون حيادي؟

 


هل يوجد في السياسة حياد أم هو حال الدول الضعيفة فقط، وهل لعبت الدول التي كانت تعتبر نفسها حيادية دوراً سلبياً عندما وقفت على الحياد بين المحتل والدول المحتلة والمستعمرة أم أنه بوقوفها على الحياد على الأقل لم تناصر الباطل ولم تكن له سند؟

لنعود قليلاً في التاريخ إلى فكرة الحيادية في السياسة ومعناها عدم الانحياز لجانب على الآخر سواء سياسياً أو عسكرياً. ولكن هل هذا يتحقق فعلاً، فبعيداً عن التعريفات السياسية كدول محايدية سياسياً مثل فنلندا بمعاهدة ثنائية أو كالنمسا بمعاهدة متعددة الأطراف أو باعتراف الأمم المتحدة كتركمنستان، وقد تكتب بالدستور كاليابان والنمسا أو حياد عسكري كسويسرا، فيقول إدوين رايشاوير: «لكي تكون محايدًا، يجب أن تكون مستعدًا لأن تكون مسلحًا بدرجة عالية، مثل سويسرا أو السويد». وهذا معناه وجود القوة العسكرية لحماية الدولة فقط.



ولكن هل كل هذه الحياديات حقيقية، وهل موقف الحياد هو من أجل العدل أم إنه يكون تمرير لمواقف سياسية أو استفادة ما؟

تجد الكثيرون يدعون الحياد ولكنهم يتاجرون به لمصالحهم ولحماية أنظمتهم، ويصمتون عن العدوان الإسرائيلي مثلاً بدعوى الحياد أو عن ما يحدث بسوريا واليمن من قتل وظلم، وفي نفس الوقت يتحدثون عن الإنسانية والعدل ووقف العدوان في حالة روسيا وأوكرانيا. وفي الحقيقة كلها أسباب سياسية تحكمهم.

تجد الدول تغض البصر عن ضحايا أمريكا في فيتنام وأفغانستان، ولكنهم يبكون على ضحايا الأوكران. وكأن الدم والبشر ليس واحداً. يقبلون التطوع للحرب في أوكرانيا، ويتهمون بالارهاب من يدافع عن فلسطين. وكأن الدفاع عن العدل وحق الشعوب بأرضها ليس واحداً

أين المحايدين مما يحدث الآن وهم لم يصمتوا منذ ١٥ يوم، ولكنهم يصمتون منذ أكثر من ٧٠ عاماً عما يحدث في فلسطين، ويصمتون أكثر من ١٠ سنوات عما يحدث في سوريا واليمن؟

هل الحياد لديهم هو المصلحة السياسية؟

نعم إنه كذلك، فكما تكون مصلحتهم هم معها. فإن تجرأوا على اسرائيل ستضر مصالحهم مع أمريكا وغيرها، وإن تجرأوا على أمريكا عما تفعله ستضر مصالحهم الاقتصادية. لذا يصمتون مدعين الحياد، ولكنهم منافقين ومتاجرين بالقضايا الإنسانية على حسب ما يتراءى لهم من مصالح.

فإذا أردت أن تكون حيادياً، فلتكن منافقاً تحسب الأمور من حيث المصلحة وليس من حيث العدل والحق. فلن يتوافق هذا مع مصلحتك التي تريد أن تحققها مع الدول الكبرى. وإن أردت أن تكون على جانب الحق والعدل فلن ترحم من قبلهم، فعليك ان تكون قوي لتحمي العدل.

فالعدل يريد القوة لحمايته، والقوة تريد العدل ليكبح جماحها. فلا تكن منافقاً تدعي الحياد، ولا تكون بلطجياً تستخدم القوة كيفما تريد.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم