أسباب نجاح الثورات ج 8 (عوامل نجاح الثورات، عدم الطائفية أو العرقية)

 

احمد عادل داوود

نتابع سوياً الإعادة لنشر سلسلة أسباب نجاح الثورات ومناقشة أسسها وكيفية الوصول إلى الدولة المدنية

 وبعد أن ناقشنا الثورة وفكرتها نصل الآن إلى كيفية نجاح الثورة

عوامل نجاح الثورة

لإنجاح الثورات لابد أن يتوفر عوامل تساعدها على حماية نفسها من الانقلاب عليها وليس نجاحها فقط وبدون هذه العوامل يكون إفشالها والالتفاف عليها سهل جداً بل سيكون مقدماً للذي يريد إسقاطها على طبق من ذهب لأنه سيستخدم عوامل نجاحها إن لم تتوافر في إفشالها. فيجب العمل على استراتيجية التنظيم والوعي والوحدة التي سنأتي لشرحهم:

1- الوعي: -

وجود الوعي لدى الشعب بحقوقه عامل أساسي ومهم من أجل عدم اللعب من أذيال الأنظمة المستبدة على هذا الوتر فإن الشعب بهذا سيكون مضغة سهلة لهم ويتلاعبون به بل سيجعلونه مقاد وراءهم وينفذ ما يطلبونه دون وعي أو حساب للمقدرات ونجد بعض الثورات قد أجهضت بسبب شعبها وعدم وعيهم وعدم سعي الثوار لتنمية هذا الوعي وزيادة الترابط بينهم وسد هذه الفجوة التي يتسلل إليها أعداء الثورة.

والجزء الثاني من الوعي هم للثوار أنفسهم، فتقوم الثورة على أكتاف شباب رغم ثقافتهم إلا أنهم ليسوا أصحاب خبرة وثقافة كافية تجعلهم على وعي كامل من محاولات الالتفاف وإجهاض الثورات من قبل أعدائها وحماية أنفسهم والوطن.

ولهذا على الجانب الثوري والنخبوي العمل على الجانبين بتثقيف أنفسهم والاستفادة من تجارب الآخرين وتثقيف وتوعية الشعب وسد الفجوة بين الثوار والشعوب. لمعرفة كيفية التطهير وبناء الدولة المدنية وتقديم المشروع الثوري والتنموي للشعوب.

فلو كان ثوار مصر فطنوا لأسباب فشل ثورة رومانيا وتشيلي لوجدوا تشابه بين الاثنان لدرجة استخدام نفس الأسلوب في خطاب الشعب وطريقة الالتفاف على الثورة وإجهاضها.

ولكنها دروس لازمة لكي تتفادى الثورات الأخطاء في مراحلها التالية.

2- الوحدة: -

الوحدة الشعبية والثورية من أهم أسباب النجاح بل وتكمن قوة نجاح الثورة السلمية في وحدتها على قلب رجل واحد وهدف واحد وعدم التفرق إلى أطياف وطوائف وأحزاب بل من المهم أن يكون الجميع تاركاً أي انتماء سياسي على جانب وينظر وقت الثورة إلى انتمائه للوطن فقط وليس لفكر آخر أو التعصب لايدلوجية معينة ويجب التلاحم بين الثوار والشعب فهم يكوَنون الظهير الشعبي للثورة ومن دونهم لن تنجح ولن تصل إلى أهدافها بل سيكون نهايتها.

والوحدة تشمل عدم تكَون أي نزعة طائفية أو عرقية أو فكرية بل التوحد الشعبي الوطني للدولة للوقوف بقوة ضد النظام الفاسد المستبد وعدم إعطائه أي فرصة للتدخل وتفتيت الصفوف. فأي شق للصف الثوري يجعل للنظام المستبد فرصة في محاولة استمالة البعض وتشكيك الثوار في بعضهم البعض وإجهاض الثورة.

ومن المهم الحفاظ على الوحدة الثورية والحالة الثورية وعدم الابتعاد عنها والدخول إلى حالة سياسية تساعد على الانشقاق والخلاف بين الثوار والشعب فينقسم الجميع وقتها إلى مؤيد ومعارض ومقاطع فتكون الفرصة سانحة للفاسدين للانقلاب على الثورة وإجهاضها لحماية نفسه من السجن والمحاسبة. فلا يتم الخروج من الزخم والحالة الثورية إلا بعد الانتهاء من النظام الديكتاتوري وأذياله تماماً وبعد أن تحكم الثورة وتمسك بمفاصل الدولة أما ما قبل ذلك سيؤدي بسهولة إلى الانقلاب عليها.

3-  التنظيم: -

امتلاك الثوار للتنظيم السليم القوي يجعل لهم القدرة على التوعية السليمة والعمل على وحدة الصف الثوري، ومنع تفتيت قوة الثورة. هذا غير القدرة على السيطرة على مفاصل الدولة عند نجاح الثورة، ومنع أي محاولة من أي فصيل منظم أو للثورة المضادة أن تنقض على الثورة.

ونوضح أن لنجاح الثورة يجب أن يوجد التنظيم القوي الذي لا يعتمد على الأيدولوجيات ولكن يعتمد على الانتماء الثوري. بانتشار القواعد والمجموعات الثورية في كل أرجاء الدولة. فيكون التنظيم القوي القائم على اهداف وطنية وليست أفكار أيدولوجية.

فوجود التنظيم المنتشر في كل أنحاء الدولة يساعد الثوار على تحقيق أهداف الثورة وهو الوصول إلى السلطة كوسيلة لتحقيق غاية الحرية والعدل والمساواة، وإقامة دولة مدنية.

ولكن يجب أن يكون التنظيم سلمي بالدرجة القصوى ولا يسعى لأي محاولة لحمل السلاح أو جعل الثورة مسلحة فهذا سيؤدي إلى دمار الدولة وانقسام الشعب على الثورة وفي النهاية قد تصل إلى الحرب الأهلية فتدمر الدولة مثلما حدث في سوريا بعد حمل السلاح في 2011 لإسقاط بشار الأسد أو مثل الصومال في 1990 لإسقاط سياد بري. لذا يجب الحفاظ على السلمية بتنظيم قوي يمتلك قواعد على الأرض بأفكار ثورية سلمية.

عدم الطائفية أو العرقية

من المهم مراعاة أنه يوجد بكل شعب في أي مكان بالعالم طوائف ومذاهب وأعراق مختلفة قد تكون سبب في تفكك الوحدة الثورية وانتهاء الحالة الثورية بسبب المطالب الفئوية أو التمسك بهذه الاختلافات، ولكن من الوعي السليم ورغم وجود هذه الاختلافات والأفكار والعقائد المتنوعة أن يبقى الهدف لدى جميع الفئات هو الوحدة الوطنية في الدولة وأكثر من ذلك أن تكون دافع لبناء الوطن لا يقع فيه أي تمييز أو عنصرية ضد أي أحد ويتمتع فيه الجميع بنفس الحقوق والواجبات والمساواة بين الجميع دون تفرقة على أي أساس.

أما التمسك بهذه الاختلافات والسير وراءها تجعل من الثورة عرضة للإجهاض بسهولة ويسر وتسهل على أذيال الأنظمة الفاسدة الالتفاف على الثورة وشق صفوف الوحدة بين الشعب ونشر الضغائن والأحقاد ومنها إلى الوقيعة بين الأخوة وضياع مجهود وتضحيات الثورة والثوار والشعب. وقد يزيد الموضوع إلى حروب أهلية لا يتمناها أحد لوطنه أبداً.

مثلما حدث في لبنان أبان الحرب الأهلية من 1975: 1990 فقد كانت الطائفية بل والمذهبية أيضاً (سنة، شيعية، مسيحيين) سبباً في تدمير دولة آمنه، وتداخل عناصر وأطراف مختلفة في الحرب وعناصر مرتزقة ودخول إسرائيل في الحرب إلى الأراضي اللبنانية ومقتل ما يقرب من 120 ألف شخص وتشرد الألوف حتى بعد أن هدأت الأوضاع ومرت السنون وتألف أفراد الشعب وطوائفه ومذاهبه وحدثت مظاهرات في عام 2019 ضد الفساد وزعماء الطوائف وتجمع الشعب ضدهم إلا أن الطائفية كانت تجعل أغلب أفراد المتظاهرين ضد زعماء باقي الطوائف إلا زعيم طائفتهم فأنتهى المطاف إلى انتهاء الثورة والانتفاضة ولم يحصل المتظاهرين على شيء. 

وعليه يجب التعاون على إدراك هذه المسألة والعمل على إلغائها وتزكية الروح الوطنية داخل الفرد المواطن وتوعيته عليها وتوعيته ألا تستغل ضده في نفس الوقت فينصهر أفراد الشعب في بوتقة الوطن دون أي عرقية أو مذهبية أو طائفية وبدون أي تمييز.

فالمواطنة والتوعية بها هي الحل الأمثل للتخلص من الأفكار العرقية والطائفية وكيفية العمل على مصلحة الوطن والشعب بدون تعصب والتألف من أجل المصلحة العامة خاصةً عند تكوين الحكومات والسلطات التنفيذية والتشريعية والتعاون بينهم من أجل مصلحة الوطن والمصلحة العامة التي ستصب في النهاية بالمصلحة الشخصية لجميع فئات وأفراد الشعب.

وللحديث بقية في السلاسل القادمة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم