أسباب نجاح الثورات ج 10 (تعاون المعارضة، الرأي العام، توازن الحراك الشعبي والثوري)

 

احمد عادل داوود

نتابع سوياً الإعادة لنشر سلسلة أسباب نجاح الثورات ومناقشة أسسها وكيفية الوصول إلى الدولة المدنية

 وبعد أن ناقشنا الثورة وفكرتها نصل الآن إلى كيفية نجاح الثورة

تعاون المعارضة

من عوامل الوحدة وعدم شق الصف الثوري هو تجانس وتوحيد المعارضة وتعاونها في توحيد الصف الثوري لمواجهة الظلم والاستبداد الواقع على الجميع. فالوضع السياسي الذي يوجد به خلاف أيديولوجي وسياسي وفكري غير الوضع الثوري الذي يلزم الوحدة بين الجميع ونزع الخلافات الأيدلوجية وتركها جانباً من أجل القضاء على الظلم والفساد والاستبداد.

وعليه تعمل قوى المعارضة فيما بينها على أساس وجودها في خندق واحد وعدم التحدث عن هذه الخلافات طالما توجد الحالة الثورية التي توحد الأمة على فكرة ثورية واحدة.

أما إذا حدث غير ذلك فستكون فرصة للنظام الفاسد أن يلتف على الثورة ويحاول جذب البعض واستمالتهم بالطرق الملتوية سواء بالرشوة المادية أو بالمناصب مع اعتقال البعض واستخدام القوة المفرطة لتخويف الشعب ومنها إلى شق الصف الثوري والقضاء على الثورة.

فعلى الثوار والقوى الثورية المختلفة التوحيد فيما بينهم لتفويت الفرصة على الظالم وأعوانه وتزكية روح الوحدة والأخوة الوطنية بين الناس ووضع الأولويات التي يتم العمل عليها وهي أولوية العمل الثوري وفي العمل السياسي الذي سيحين وقته ولكن بعد استقرار الأمر في يد الثورة ومن ثم يبدأ الحراك السياسي لبناء الديمقراطية السليمة بالتعاون بين الجميع لمصلحة الوطن والشعب.

ولكن يجب أن يحذر من المعارضة المدعية ومن كان لهم سابقة خيانة للوطن وللثورة والثوار في وقت سابق وحدث أن باعوا الهدف الوطني والثوري من أجل مصالحهم، فستعاد منهم الكرة مرة أخرى فمن يسعى لمصلحته سيظل دائماً ورائها ولن يعمل لمصلحة الوطن والثورة أبداً.

الرأي العام

يتشكل الرأي العام على مراحل أهمها كما ذكرنا هي التوعية ولكن مع التوعية سواء العامة أو الخاصة يوجد بعض الأساليب التي تساعد على ترسيخ الثورة والعمل الثوري والاهتمام بالسياسة في ذهن المواطن العادي عن طريق بعض الرسائل التي تحثه على هذا.

ونجد أن هذه الطرق لاقت نجاح في الفترات التي تلي الثورات فيكون العمل بها في بعض الأحيان بعد الثورات بسبب وجود حرية في الرأي والتعبير وللاستفادة من الزخم الثوري الذي حدث.

ولكن قبل حدوث الثورات يكون مطلوب تشكيل الوعي والرأي العام وهنا تستخدم هذه الرسائل أيضاً وبقوة وقد تقابل برد فعل قوي من النظام المستبد الذي يعلم أن وعي الشعوب سيهدم ملكه وتجهيلهم يرسخ حكمه.

-ومن هذه الرسائل: -

1- الصور والفنون المختلفة التي تستطيع أن تعبر عن مشكلة محددة في صورة وظهر فن الجرافيتي على هذا في بداية القرن العشرين واستخدم في الثورات أثناء الثورة المصرية 2011 والتونسية 2010.

2- الشعارات التي تحمس وتمس القلب والعقل بقوة في جملة بسيطة وكانت شعارات مثل (عيش، حرية، عدالة اجتماعية) مثال قوي كشعار للثورة.

3-كلمات التوعية البسيطة التي تجذب المواطن للثورة وتجعله مؤيد لها.

1-   فضح الأوهام التي يروج إليها النظام المستبد والتي يحاول بها أن يجمل صورته والتي دائماً ما تكون غير حقيقية وغير علمية وغير منطقية.

2-   توضيح الأزمات التي تحدثها قرارات النظام الغير مدروسة وتضر الشعب ويكون بأسلوب لين وبكلمات سهلة على المواطن.

توازن الحراك الشعبي والثوري

تبين لنا أنه يوجب على الثوار التوعية لأنفسهم ومن ثم للشعب واستخدام أساليب الضغط والحشد الجماهيري وتشكيل الرأي العام ولذا لابد من العمل بتوازن بين هذا وذاك من أجل الحفاظ على الوحدة الثورية ومن ثم مكاسب الثورة وكبح جماح الغضب الجماهيري والحفاظ على سلمية الثورة مثلما حدث في ثورة اليمن في 2011 رغم أن اليمن مصنفة بأكثر الدول بها سلاح مع الأفراد إلا أن شباب الثورة حافظ على هذه السلمية مع التحفظ على ما آلت إليه الأمور بعد الثورة بسبب أطماع البعض والالتفاف على الثورة وتدخل دول أخرى لها أطماع، وهذا من أجل الحفاظ على نجاحها من محاولات الإفشال والإجهاض.

ويأتي هذا عن طريق التعامل السوي بين الثوار والشعب حتى لو تخاذل في الانضمام إلى الثورة وعدم التخوين أو حدوث انقلابات أمنية أو محاولات البعض في الربح من الفراغ الأمني التي تحدثه الأنظمة الفاسدة عند سقوطها.

ويكون هذا بناءً على الوعي الذي قامت به الثورة قبل الانفجار الثوري وتوحيد الشعب على هدف واحد ونزع الخلافات والعمل بتوازي بين خطي الحراك من جهة الثوار ومن جهة الشعب.

فإفلات هذا الأمر من أيدي الثورة قد يؤدي إلى انهيار تام في الدولة أو العودة لحكم عسكري مستبد مرة أخرى ولنا في الصومال وليبيا أمثلة على هذا.

ويجب توحيد قرارات الثورة مع الشعب ولنا في بيانات الثورة المصرية وحشدها للتظاهر أيام الجمعة من كل أسبوع ضد النظام مثال قوي على هذا التوازن بين القرارات والحراك الثوري والشعبي وهو دليلاً على وحدة الشعب في هذا الوقت وهذا ما حدث في السودان عام 2019 فتوافق الشعب على قرار واحد وهو عزل الرئيس عمر البشير وعدم قبول أي حكومة عسكرية وفي تونس 2010 فرفض الشعب أيا من تصريحات من الرئيس زين العابدين بن علي محاولةً منه لتهدئة الأوضاع بالوعد بعدم الترشح وإقالة الوزارة.


وللحديث بقية في السلاسل القادمة


أسباب نجاح الثورات ج 9 (أساليب الضغط، الحشد الجماهيري والوعي)

 

احمد عادل داوود

نتابع سوياً الإعادة لنشر سلسلة أسباب نجاح الثورات ومناقشة أسسها وكيفية الوصول إلى الدولة المدنية

 وبعد أن ناقشنا الثورة وفكرتها نصل الآن إلى كيفية نجاح الثورة

أساليب الضغط

تختلف أساليب الضغط على النظام الظالم من مكان إلى آخر ومن عصر إلى آخر. فكانت وقتاً ما بالخطب فقط ثم زادت عليها الكتب ثم المنشورات فالصحف والاجتماعات والأحزاب والنقابات والآن نجد أساليب أحدث انضمت إليهم كمواقع التواصل الاجتماعي التي تساعد على نشر وفضح أكاذيب وفساد النظام المستبد.

ولكن يجب الاستخدام الصحيح لهذه الأنظمة والأساليب بنشر حقائق تؤخذ على النظام وليس على الثورة من خلال نشر الأكاذيب أو أقوال تؤجج مشاعر الشعب دون جدوى أو في أوقات خاطئة تؤدي لضياع الثورة.

1- الاحتجاجات: -

تتولد الاحتجاجات بدعم من الأحزاب والمجتمع المدني والسياسيين والمواطن السياسي الذي يسعى لتحسين الأوضاع وتكون ذو هدف أوحد كالاحتجاج على ظروف معينة مثل تعليم أو صحة أو مطلب سياسي أو اقتصادي محدد وهذا لكي يتم تنفيذ هذه المطالب للشعب. وتكون دائماً نتائجها في الدولة الاستبدادية هو فض الاحتجاج بالقوة أو بالالتفاف على أعضاء الاحتجاج واستمالتهم.

لذا يجب على المحتجين الحرص الدائم وعدم التعامل مع النظام المستبد على أن الاحتجاج سيكون ذو نتيجة كاملة وإنما هو خطوة من ضمن خطوات الضغط على النظام المستبد.

2- الإضرابات: -

تتولد الاضرابات بالعمل السياسي للمجتمع المدني والنقابات والأحزاب بدفع العمال والموظفين إلى الإضراب عن العمل والهدف منه شل الحركة العامة والحكومية للضغط على الأنظمة الديكتاتورية لقبول المطالب التي يدعو إليها المضربين وقد تكون النتيجة مأساوية كما حدث في فرنسا أبان الثورة الفرنسية أو في رومانيا أو يتعامل معها النظام المستبد بطرق الالتفاف والاعتقال للعناصر المحركة للإضراب وقد يؤدي إلى نتيجة فعالة جداً وله نوعان: -

أ‌-     جزئي: -

 ويكون بجهة حكومية معينة وليس سواها وتكون قوتها بتنظيم من النقابات العمالية عندما تحدث.

ب‌- كلي: -

 ويكون بالإضراب العام في كل نواحي الدولة كما حدث بالسودان 1985 وقد يؤدي إلى سقوط النظام إن حدث بشكل منظم وسليم. فحدث بالسودان العصيان المدني العام الذي أوقف الدولة فأدى إلى شل الحركة الحكومية والاقتصادية فما كان من الرئيس وقتها جعفر النميري إلى أن يعزل على يد عبد الرحمن سوار الذهب قائد القوات المسلحة وإسقاط النظام وطلب من رئيس مصر وقتها حسني مبارك بإبقائه في مصر وعدم عودته للسودان.

3- المظاهرات: -

تتولد المظاهرات نتيجة للتحرك الثوري وبعد العديد من الاضرابات والاحتجاجات التي تساعد على سقوط الأنظمة الفاسدة وتكون مكونة في الأساس من الشعب ويقودها ويبدأها الثوار الذين تحركهم الأزمات السياسية والأفكار الوطنية التي تريد هدم الأنظمة الفاسدة الظالمة والديكتاتورية.

وعليه ليكون تحركها سليم يجب أن تكون هذه المظاهرات حاشدة وتكون في أكثر من مكان بالمدن الكبرى المؤثرة وتجمعها بمكان ذو قوة في المدينة كميدان رئيسي كما حدث في مصر 2011 التي تجمعت بمدن كبرى مظاهرات حاشدة مثل (القاهرة، الإسكندرية، السويس، المحلة الكبرى) وتونس 2010 باندلاع تظاهرات في (منطقة سيدي بوزيد، ولاية القصرين، المكناسي، الرقاب، سيدي علي بن عون، منزل بوزيانو، فريانة) وفرنسا 1789 في باريس ورومانيا 1989 في تيميشوارا.

ومن هنا يجب السعي إلى العمل الثوري والاستمرار في الحشد والتوعية وفضح ممارسات النظام المستبد واستخدام أساليب الضغط كلها لكي يصل إلى مرحلة الثورة الشعبية السلمية في كل أنحاء الوطن من أجل إسقاط الحاكم المستبد ونظامه.

وكل هذا يساعد على استنزاف قوات النظام المستبد وإنهاك قواته حتى لو كانت الدعوات والتظاهرات تتم على مراحل وبطرق حقيقية وطرق مزيفة بدعوات غير حقيقية تهدف إلى هز النظام الأمني وإنهاك قواته بالاستعداد الدائم تمهيداً للثورة.

الحشد الجماهيري والوعي

حركات التوعية المستمرة مع الشعب وتنمية روح الانتماء والعمل السياسي بداخل المواطن والسعي الدائم للحشد الجماهيري قبل الثورة باستخدام أساليب الضغط باستمرار على النظام المستبد وعدم الكل من هذا هو أساس نجاح الثورة والوصول إلى هدفها مهما طال الوقت وهذا ما يدفع الثوار إلى الإيمان الدائم بالفكرة بل تزكيتها دائماً حتى إن قلت همتهم إلى حدٍ ما سيكونون دائماً متعطشين للثورة وإسقاط الفساد والقضاء على الظلم مدفوعين بحب الوطن والانتماء الشديد إليه.

وللوصول إلى الحشد الجماهيري لابد من التوعية المستمرة سواء في منظمات المجتمع والنقابات والأحزاب أو على مستوى العائلة والأصدقاء الحقوق السياسية والواجبات العامة وكيفية مطالبة المواطن بحقوقه وعدم التنازل عنها.

1- التوعية الخاصة: -

تكون باستخدام دوائر المعارف وهي من أحسن طرق نشر الوعي وبث الروح الثورية في أفراد الشعب ويكون بطرق سليمة وسلمية وبسيطة على عقل المواطن العادي الذي لا يستوعب الأزمات السياسية وتوضيح له هذه الأمور بسهوله ويسر ونتائجها وبدائلها بأسلوب المقارنة بين الأحداث.

فتكون التوعية باستخدام الأحداث الجارية وإظهار فارق التعامل وعدم وجود عدل وإظهار مدى الظلم للناس كرسائل مستترة توجيه للشعب نحو رفض النظام المستبد والترغيب في التغيير. مع التوعية السياسية والنتائج المترتبة عنها كالأزمات الاقتصادية والاجتماعية. 

فيبدأ الوعي من داخل الأسرة منطلقاً إلى الأصدقاء فالمعارف بالعمل، لتشمل الدائرة كل أفراد الدولة وقد تكون هذه الطريقة بطيئة ولكنها إيجابية وفعالة ليكون الشعب واعي غير سهل الالتفاف عليه وإجهاض الثورة به.

هذا غير أنها متزامنة مع التوعية العامة، كما فعل البلاشفة في روسيا وقت الثورة بالتوعية الثورية للمواطنين بالقرى والمدن بحقوقهم والمطالبة بها وعد التنازل عنها.

2- التوعية العامة: -

هي الحركة الأسرع والتي تساعد حركة التوعية الخاصة بل وتقودها. فتحدث بتوعية أفراد المجتمع المدني والنقابات والأحزاب والعمال ويقودها المثقفين والنخبة السياسية التي توعي هؤلاء الأفراد على كيفية العمل السياسي السليم وكيفية الحشد وكيفية التوعية للفرد العادي من الشعب وطريقة اجتذابه إلى أهمية العمل السياسي وأهمية الحركة السياسية من أجل وطن أفضل.

ومن هنا يقع على عاتق الحركات الثورية والمفكرين والسياسيين والنخبة المفكرة وأعضاء المجتمع المدني الحث باستمرار من أجل التوعية وفضح ممارسات النظام المستبد ونتيجة الأخطاء السياسية والاقتصادية التي ستؤدي في النهاية للانهيار.

فبهذا يجب هنا أن يعمل الثوار على توعية الشعوب باستخدام دوائر المعارف من العائلة والأصدقاء والجيران وزملاء العمل والهيئات المدنية مع الحرص على عدم تنفير الناس بعدم استخدام مصطلحات ضخمة، وعدم التعصب بل باستخدام اللين واليسر مع الشعب من أجل اجتذابهم للثورة وفكرتها وأهدافها ومبادئها ومشروعها التنموي لما بعد الثورة بطريقة سهلة باستخدام لغة الشعب البسيطة، وذلك عن طريق توعيتهم بأن الثورة قامت لتلبية احتياجاتهم ومطالبهم.

فيكون وقتها الحشد الجماهيري سهل وحتى من لم يستطع أن يكون ضمن الثوار سيكون معهم بقلبه وعقله ولن يكون سهل على أذيال الفساد الالتفاف وإجهاض الثورة بل سيكون حائط صد وظهير شعبي قوي للثوار والمحركين للثورة.


وللحديث بقية في السلاسل القادمة

أسباب نجاح الثورات ج 8 (عوامل نجاح الثورات، عدم الطائفية أو العرقية)

 

احمد عادل داوود

نتابع سوياً الإعادة لنشر سلسلة أسباب نجاح الثورات ومناقشة أسسها وكيفية الوصول إلى الدولة المدنية

 وبعد أن ناقشنا الثورة وفكرتها نصل الآن إلى كيفية نجاح الثورة

عوامل نجاح الثورة

لإنجاح الثورات لابد أن يتوفر عوامل تساعدها على حماية نفسها من الانقلاب عليها وليس نجاحها فقط وبدون هذه العوامل يكون إفشالها والالتفاف عليها سهل جداً بل سيكون مقدماً للذي يريد إسقاطها على طبق من ذهب لأنه سيستخدم عوامل نجاحها إن لم تتوافر في إفشالها. فيجب العمل على استراتيجية التنظيم والوعي والوحدة التي سنأتي لشرحهم:

1- الوعي: -

وجود الوعي لدى الشعب بحقوقه عامل أساسي ومهم من أجل عدم اللعب من أذيال الأنظمة المستبدة على هذا الوتر فإن الشعب بهذا سيكون مضغة سهلة لهم ويتلاعبون به بل سيجعلونه مقاد وراءهم وينفذ ما يطلبونه دون وعي أو حساب للمقدرات ونجد بعض الثورات قد أجهضت بسبب شعبها وعدم وعيهم وعدم سعي الثوار لتنمية هذا الوعي وزيادة الترابط بينهم وسد هذه الفجوة التي يتسلل إليها أعداء الثورة.

والجزء الثاني من الوعي هم للثوار أنفسهم، فتقوم الثورة على أكتاف شباب رغم ثقافتهم إلا أنهم ليسوا أصحاب خبرة وثقافة كافية تجعلهم على وعي كامل من محاولات الالتفاف وإجهاض الثورات من قبل أعدائها وحماية أنفسهم والوطن.

ولهذا على الجانب الثوري والنخبوي العمل على الجانبين بتثقيف أنفسهم والاستفادة من تجارب الآخرين وتثقيف وتوعية الشعب وسد الفجوة بين الثوار والشعوب. لمعرفة كيفية التطهير وبناء الدولة المدنية وتقديم المشروع الثوري والتنموي للشعوب.

فلو كان ثوار مصر فطنوا لأسباب فشل ثورة رومانيا وتشيلي لوجدوا تشابه بين الاثنان لدرجة استخدام نفس الأسلوب في خطاب الشعب وطريقة الالتفاف على الثورة وإجهاضها.

ولكنها دروس لازمة لكي تتفادى الثورات الأخطاء في مراحلها التالية.

2- الوحدة: -

الوحدة الشعبية والثورية من أهم أسباب النجاح بل وتكمن قوة نجاح الثورة السلمية في وحدتها على قلب رجل واحد وهدف واحد وعدم التفرق إلى أطياف وطوائف وأحزاب بل من المهم أن يكون الجميع تاركاً أي انتماء سياسي على جانب وينظر وقت الثورة إلى انتمائه للوطن فقط وليس لفكر آخر أو التعصب لايدلوجية معينة ويجب التلاحم بين الثوار والشعب فهم يكوَنون الظهير الشعبي للثورة ومن دونهم لن تنجح ولن تصل إلى أهدافها بل سيكون نهايتها.

والوحدة تشمل عدم تكَون أي نزعة طائفية أو عرقية أو فكرية بل التوحد الشعبي الوطني للدولة للوقوف بقوة ضد النظام الفاسد المستبد وعدم إعطائه أي فرصة للتدخل وتفتيت الصفوف. فأي شق للصف الثوري يجعل للنظام المستبد فرصة في محاولة استمالة البعض وتشكيك الثوار في بعضهم البعض وإجهاض الثورة.

ومن المهم الحفاظ على الوحدة الثورية والحالة الثورية وعدم الابتعاد عنها والدخول إلى حالة سياسية تساعد على الانشقاق والخلاف بين الثوار والشعب فينقسم الجميع وقتها إلى مؤيد ومعارض ومقاطع فتكون الفرصة سانحة للفاسدين للانقلاب على الثورة وإجهاضها لحماية نفسه من السجن والمحاسبة. فلا يتم الخروج من الزخم والحالة الثورية إلا بعد الانتهاء من النظام الديكتاتوري وأذياله تماماً وبعد أن تحكم الثورة وتمسك بمفاصل الدولة أما ما قبل ذلك سيؤدي بسهولة إلى الانقلاب عليها.

3-  التنظيم: -

امتلاك الثوار للتنظيم السليم القوي يجعل لهم القدرة على التوعية السليمة والعمل على وحدة الصف الثوري، ومنع تفتيت قوة الثورة. هذا غير القدرة على السيطرة على مفاصل الدولة عند نجاح الثورة، ومنع أي محاولة من أي فصيل منظم أو للثورة المضادة أن تنقض على الثورة.

ونوضح أن لنجاح الثورة يجب أن يوجد التنظيم القوي الذي لا يعتمد على الأيدولوجيات ولكن يعتمد على الانتماء الثوري. بانتشار القواعد والمجموعات الثورية في كل أرجاء الدولة. فيكون التنظيم القوي القائم على اهداف وطنية وليست أفكار أيدولوجية.

فوجود التنظيم المنتشر في كل أنحاء الدولة يساعد الثوار على تحقيق أهداف الثورة وهو الوصول إلى السلطة كوسيلة لتحقيق غاية الحرية والعدل والمساواة، وإقامة دولة مدنية.

ولكن يجب أن يكون التنظيم سلمي بالدرجة القصوى ولا يسعى لأي محاولة لحمل السلاح أو جعل الثورة مسلحة فهذا سيؤدي إلى دمار الدولة وانقسام الشعب على الثورة وفي النهاية قد تصل إلى الحرب الأهلية فتدمر الدولة مثلما حدث في سوريا بعد حمل السلاح في 2011 لإسقاط بشار الأسد أو مثل الصومال في 1990 لإسقاط سياد بري. لذا يجب الحفاظ على السلمية بتنظيم قوي يمتلك قواعد على الأرض بأفكار ثورية سلمية.

عدم الطائفية أو العرقية

من المهم مراعاة أنه يوجد بكل شعب في أي مكان بالعالم طوائف ومذاهب وأعراق مختلفة قد تكون سبب في تفكك الوحدة الثورية وانتهاء الحالة الثورية بسبب المطالب الفئوية أو التمسك بهذه الاختلافات، ولكن من الوعي السليم ورغم وجود هذه الاختلافات والأفكار والعقائد المتنوعة أن يبقى الهدف لدى جميع الفئات هو الوحدة الوطنية في الدولة وأكثر من ذلك أن تكون دافع لبناء الوطن لا يقع فيه أي تمييز أو عنصرية ضد أي أحد ويتمتع فيه الجميع بنفس الحقوق والواجبات والمساواة بين الجميع دون تفرقة على أي أساس.

أما التمسك بهذه الاختلافات والسير وراءها تجعل من الثورة عرضة للإجهاض بسهولة ويسر وتسهل على أذيال الأنظمة الفاسدة الالتفاف على الثورة وشق صفوف الوحدة بين الشعب ونشر الضغائن والأحقاد ومنها إلى الوقيعة بين الأخوة وضياع مجهود وتضحيات الثورة والثوار والشعب. وقد يزيد الموضوع إلى حروب أهلية لا يتمناها أحد لوطنه أبداً.

مثلما حدث في لبنان أبان الحرب الأهلية من 1975: 1990 فقد كانت الطائفية بل والمذهبية أيضاً (سنة، شيعية، مسيحيين) سبباً في تدمير دولة آمنه، وتداخل عناصر وأطراف مختلفة في الحرب وعناصر مرتزقة ودخول إسرائيل في الحرب إلى الأراضي اللبنانية ومقتل ما يقرب من 120 ألف شخص وتشرد الألوف حتى بعد أن هدأت الأوضاع ومرت السنون وتألف أفراد الشعب وطوائفه ومذاهبه وحدثت مظاهرات في عام 2019 ضد الفساد وزعماء الطوائف وتجمع الشعب ضدهم إلا أن الطائفية كانت تجعل أغلب أفراد المتظاهرين ضد زعماء باقي الطوائف إلا زعيم طائفتهم فأنتهى المطاف إلى انتهاء الثورة والانتفاضة ولم يحصل المتظاهرين على شيء. 

وعليه يجب التعاون على إدراك هذه المسألة والعمل على إلغائها وتزكية الروح الوطنية داخل الفرد المواطن وتوعيته عليها وتوعيته ألا تستغل ضده في نفس الوقت فينصهر أفراد الشعب في بوتقة الوطن دون أي عرقية أو مذهبية أو طائفية وبدون أي تمييز.

فالمواطنة والتوعية بها هي الحل الأمثل للتخلص من الأفكار العرقية والطائفية وكيفية العمل على مصلحة الوطن والشعب بدون تعصب والتألف من أجل المصلحة العامة خاصةً عند تكوين الحكومات والسلطات التنفيذية والتشريعية والتعاون بينهم من أجل مصلحة الوطن والمصلحة العامة التي ستصب في النهاية بالمصلحة الشخصية لجميع فئات وأفراد الشعب.

وللحديث بقية في السلاسل القادمة

أسباب نجاح الثورات ج 7 (أسباب ودوافع الثورات)

 

احمد عادل داوود

نتابع سوياً الإعادة لنشر سلسلة أسباب نجاح الثورات ومناقشة أسسها وكيفية الوصول إلى الدولة المدنية
 وبعد أن ناقشنا الثورة وفكرتها نصل الآن إلى كيفية نجاح الثورة

أسباب ودوافع الثورات

أسباب الثورات مختلفة على حسب الدوافع التي تحرك كل فرد على حسب فكره وتوجهاته واهتماماته. فالفرد العادي لا تحركه الأزمات السياسية ولا يستوعب أبعادها وهذا ليس عيباً به ولكن هذا لأن اهتماماته ودوافعه ليست سياسية ولكنها اقتصادية واجتماعية. أما الفرد السياسي تحركه الأزمات السياسية التي يستطيع قراءة نتائجها قبل حدوثها.

ولكن تكون هذه الأسباب مكملة لبعضها وكلها نتيجة للأسباب السياسية والتدمير في الحياة السياسية وديكتاتورية وفردية القرار.

1-   أسباب سياسية: -

أزمات تحدث نتيجة تصرفات النظام في أسلوب الحكم وإدارة الدولة ومنها عدم وجود معارضة حقيقية وعدم قبول الرأي الآخر وعدم إعطاء فرصة للآخر ليعبر عن فكره ورأيه واعتقال كل من يرفض ويعارض النظام، ومنها تمركز السلطة بيد فرد مستبد فترة زمنية وعدم تداول السلطة والحكم بديكتاتورية، ومنها عدم وجود عدل ومساواة، ويزيد عليهم معاملة الشعب وكأنه عبيد ولا يكون له أي حقوق فيؤدي هذا إلى الأزمات السياسية والاجتماعية وكل المشاكل الأخرى فهم بناءً على الأزمة السياسية، هذا غير التبعية السياسية التي يقوم بها المستبد لدول أخرى لحمايته. فلذا يكون المواطن السياسي سابق لفهمها قبل أن تحدث عند بدأ الأزمات السياسية.

2- أسباب اقتصادية: -

وتنتج هذه الأزمات بسبب السياسة الاقتصادية للأنظمة الاستبدادية التي تتخذ قرارات فردية غير مدروسة ولا تقبل حرية الرأي ومحاولات التصحيح لأخطائها وتنفيذ سياسيات اقتصادية لمصلحة أفراد النظام وليس لمصلحة الشعب والوطن مما يؤدي إلى البطالة وعدم وجود عدالة في التوزيع بين الشعب وعدم وجود قرارات اقتصادية صائبة فيضيع الإنتاج.

فمن مصلحة المستبد أن يكون الفرد المواطن جائعاً يبحث عن قوته حتى لا يفكر يوماً في البحث عن حقوقه السياسية الضائعة وحقوقه المادية المنهوبة.

3-   أسباب اجتماعية: -

وتحدث هذا الأزمات نتيجة القرارات الخاطئة أحياناً والمجحفة أحياناً أخرى التي تتخذها الأنظمة الديكتاتورية فتؤدي إلى ظلم اجتماعي وتفاوت طبقي لعدم وجود توزيع عادل للموارد وعدم وجود اقتصاد قوي نتيجة عدم وجود إنتاج. فينتشر الفقر والبطالة والتفاوت بين الناس مع وجود طبقة مستفيدة من النظام لا تنظر إلا إلى مصلحتها ولا ترعى مصالح المجتمع والدولة ونتيجة لعدم وجود اهتمام بالتعليم والصحة التي إن دمرت دمر معها الإنسان والفرد وانتمائه للوطن.

فمن مصلحة الاستبداد أن يظل الفرد غير متعلم حتى وإن كان جامعي فهو غير واعٍ لحقوقه وواجباته السياسية وغيرها حتى يظل الفاسد والظالم في حكمه. ومن مصلحته أن تنحل الروابط الأسرية والاجتماعية ليظل كل فرد بعيد عن هذا الترابط فيضمن عدم التجمع على ثورة ضده وقد يؤجج الحكام الفتن بين طوائف الشعب من أجل بقائه في السلطة.

فينشأ الضغط والكبت والفجوة الأسرية والمجتمعية وتضطرب العلاقات السوية بين أفراد الدولة ومنها قد ينشأ الخلافات الطائفية أو المذهبية أو العرقية بسبب انحلال الترابط المجتمعي. وتدمير البعد الفردي ويظهر فساده وملابساته ووحشيته، والبعد العام ينتشر في المجتمع وتظهر الفوضى وتراجع قيمة الإنسان وانحدار السلوك والخوف من السلطة.


4- الفساد: -

انتشار الفساد الذي يكون أساس في الدولة المستبدة ويقوم الحاكم الظالم بدعم هذا الفساد بأشكاله من أجل مصلحته وتثبيت أركان حكمه ومن أشكاله الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي وفساد الحاكم وأعوانه فيكون الفساد القضائي الذي من المفترض أن يحمي الشعب ولكن النظم الفاسدة تشتري القضاء والقانون من أجل حماية نفسها واعتقال المعارض دون محاسبة من أحد. وينتشر الفساد التعليمي الذي به يحمي المستبد نفسه بتجهيل الشعوب والفساد الاقتصادي كما وضحنا بالأسباب الاقتصادية ويؤدي كل هذا إلى الفساد الأخلاقي والمجتمعي الذي يفيد الحاكم الظالم بأنه يجعل من الشعب غير ملتفت لتصرفاته وفساده وإنما يأكل كل فرد منهم الآخر من أجل قوته.

5-   حب الوطن: -

الدافع الحقيقي لمن يقوم بالثورة ومحاربة الظلم والفساد والذي من أجله يتظاهر من أجل الوطن لتحقيق العدل والأمان له ولأولاده وشعبه وحميته للقضاء على الفساد والظلم ومنها يكون التوجه السليم لمصلحة الوطن في الرفض أو القبول للمواقف السياسية التي تدفع المواطن ليكون مشتركاً بالعمل السياسي للحصول على حقوقه الكاملة كفرد ومواطن حر.

6-   القمع والدولة البوليسية: -

من العوامل الأساسية التي تحرك المواطن السياسي وتدفعه للثورة ورفض النظام الحاكم هي قمع الحريات وتكميم الأفواه وقتل الصحافة وإعدام الحقوق وعدم تقبل الرأي الآخر وتفشي إجرام الدولة بالاعتقالات السياسية والإختفاءات القسرية لمنع وجود معارضة للنظام الديكتاتوري ومنع أي محاولة لمحاربة الفساد. كما حدث بالأرجنتين في العهد الديكتاتوري العسكري بعد الانقلاب العسكري عام 1975 وفي مصر بعد الانقلاب العسكري 2013.

من هنا يتضح أن التحرك الثوري والشعبي يكون ناتج ووليد لأزمات متتالية طحنت الشعب جعلته يتحرك برفض الظلم والفساد وعدم قبول بدائل وإنما البحث عن تغيير. فتجعل الأزمات من المواطن العادي مطحوناً فيعمل على التحرك ضد هذه الأنظمة حتى ولو بأدنى طريقة وهي بمجرد الحديث فالطبيعي أن الثورة التي تجمع أطياف الشعب لا يشترك فيها كل الشعب. ويقودها المواطن السياسي الذي يتحرك بالأزمات السياسية والقمع وتفشي الدولة البوليسية.

وللحديث بقية في السلاسل القادمة