لإنجاح أي ثورة لابد من معرفة عناصر القوة لدى الثوار واستغلال
عناصر الضعف لدى النظام الحاكم. هذان عاملان أساسيان في نجاح أي ثورة وتمكين الثوار
من الحكم. بالإضافة الى معالجة نقاط الضعف لدى الثوار وهنا نتوقف عند مشكلة الوعي
والثقافة لدى الفئات الاجتماعية المختلفة وانعكاسها على نجاح الثورة أو فشلها.
وسنرى نقاط القوة والضعف في الثورة سواء لدى الشعب أو
النظام أو الثوار أو النخبة المثقفة وكيف لم يكن أصحاب الوعي المثقفين والنخبة على
مستوى الثقافة التي تجعلهم قيادات قوية في الثورة ولم يحاولوا سد فجوة الفراغ
الثقافي لدى الشعب، حتى أن الثوار أنفسهم لم يحاولوا بل زادوها مجبرين بسبب
الأحداث.
وعوامل نجاح الثورة وتوضيح أفكارها وحضاريتها وأن الثورة
فكرة لا تموت والأفكار دائماً أقوى من القوة الاستبدادية وتقف أمامها كسد منيع
مهما طال وقت الظلم ومهما تأخرت الثورة فهي موجودة وستنجح يوماً ما.
الثورة
في البداية علينا أن نعرف ما هي الثورة وأهدافها لكي
نستطيع استيعاب كيف تنجح والعمل على إنجاحها كعمل إنساني.
فالثورة هي عمل إنساني وتحرك شعبي جماعي من كل أفراد
الشعب وطوائفه على اختلاف أعراقها وديانتها ويكون هذا التحرك بناء على أسباب
مختلفة سياسية واقتصادية واجتماعية وانتفاضة من الشعب على ممارسات الأنظمة القمعية
الاستبدادية من أجل إحداث التغيير المطلوب في نظام الحكم لصالح الدولة.
وتحدث هذه الانتفاضة بعد كسر الشعب لحاجز الخوف والإقدام
على التحرك ضد النظام المستبد والتوحد الشعبي ضده.
وتكون أهداف الثورة من أسباب ودوافع حدوثها فالثورة تكون
من أجل إزالة الاستبداد السياسي وإقامة الحريات السياسية والمساواة الاجتماعية
والتوزيع العادل لرأس المال وتطبيق العدل والقانون على الجميع دون تفرقة. وهذه هي
المبادئ الثورية العامة التي تقوم من أجلها الثورات مع اختلاف الأسباب الفرعية التي
تختلف من دولة إلى أخرى.
وعلى الثورة أن تمتلك تنظيم وقيادة ثورية وشعبية منها
ولا تتمثل في فرد بعينه حتى لا يستبد بها في وقت من الأوقات وأن لا تكون في نفس
الوقت بلا تنظيم أو قيادة حتى لا تضيع بين أرجل المستغلين كما حدث في مصر 2011 التي
لم تحقق أهدافها حتى الآن وفي رومانيا 1989 التي تأخرت سنوات للنجاح، فالثورة
المصرية رغم توافق الثوار في ائتلاف شباب الثورة في البداية وكان هذا الائتلاف
يصدر البيانات والمنشورات يتجمع حولها الجميع في أنحاء مصر ويخرج المتظاهرين في
مدن مختلفة لتلبية نداء المليونيات ولكنه لم يتوافق على زعيم للثورة أو مجموعة تصل
للحكم وهو شيء ضروري. فبهذا تستطيع أن تصل إلى النجاح والسيطرة على مؤسسات الدولة
لتحقيق مبادئها وأهدافها. وهذه القيادة تفرز من داخل الثورة وقت حدوثها أو أثناء
بدايتها مع الاعتصامات والاحتجاجات.
ومن العوامل المهمة لتحقيق النجاح أن توضح الثورة موقفها
وتظهر أهدافها أمام الشعب وأمام العالم كله لتنال الثقة الداخلية والخارجية، فكل
من بالداخل والخارج يريد الاستقرار ولا يريد زعزعته مهما كان نظام الحكم غير سوي في
هذه الدولة. فتوضيح أهداف الثورة ببياناتها المتتالية يجعل منها محط اهتمام وإظهار
لحضاريتها وسلميتها وعدم تبني الثورة للعنف.
ويجب أن توضح الثورة للشعب أنها لا تريد إسقاط الدولة بل
تريد إسقاط نظام الحكم وتغييره وشتان بين الاثنان. ففارق كبير بين الدولة والنظام
الحاكم المستبد الذي يدير الدولة لمصلحته وليس لمصلحة الشعب الكادح بل يعمل على مص
دمائه وأمواله.
وتقوم الثورة بإسقاط النظام الحاكم بإزالته عن الحكم
ومحاكمته ثورياً هو وأعضاء حكومته وكل معاونيه وليس إزالة رأس النظام فقط حتى لا
يلتف ذيل النظام على الثورة ويخنقها ومن ثم إعادة بناء الدولة بنظام حكم قائم على
مبادئ الثورة ويحقق أهدافها الثورية ويبني الدولة المدنية والديمقراطية. فإن التغيير
يكون جذري ولا يجب الرضا بحلول الوسط حتى لا يحدث التفاف على الثورة.
ويجب أن يعي الجميع أن الثورة وأفكارها تبقى داخل الفرد الثوري
والشعب أبد الأبدين مهما زاد القمع ومهما طالت مدة الاستبداد والطغيان ومهما تأخر
نجاحها وزادت محاولات خنق الحالة الثورية داخل الشعب الثائر فبعد سنوات الالتفاف
ومحاولات الإجهاض تعود الثورات لقوتها بعد الاستفادة من أخطائها وتنجح كما حدث في
رومانيا 1989 وحدث في تشيلي ونهاية حكم الديكتاتور بيونشيه 1990 ومحاكمته. وعليه
يجب على الجميع خاصةً الثوار أن لا يملوا من الوقت أثناء الثورة وعدم استعجال
تحقيق أهدافها حتى لا يؤدي هذا إلى فشلها والاستمرار حتى النهاية بإسقاط النظام
كاملاً.
ويجب أن يعي الجميع أن الثورة عندما تقوم لا يعني هذا
أنها تحقق مآربها في الوقت واللحظة بل يحدث لها انعطافات وانكسارات وهبوط حتى ينمو
الوعي الثوري والشعبي بدرجة كاملة ومن هنا تبدأ المرحلة الثورية الحقيقية والقوية
لتحقيق أهداف الثورة، وقد تأخذ هذه المرحلة بعض الوقت حتى أنها قد تصل إلى عدة
سنوات لا تقل في المجمل عن عشرة سنوات وقد تصل إلى العشرون عاماً. وهذا ما حدث
للثورة الفرنسية والرومانية مثلاً اللذان لم يحققها أهدافهم إلا بعد مرور سنوات
عدة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكراً لتعليقكم