نتابع سوياً الإعادة لنشر سلسلة أسباب نجاح الثورات ومناقشة أسسها وكيفية الوصول إلى الدولة المدنية
وبعد أن ناقشنا الثورة وفكرتها نصل إلى الضلع الأول في الثورة
الثوار
الثوار هم نواة الثورة وقلبها وهم من يحاول الحفاظ عليها
في قلوبهم وعقولهم ويطبقون فكرتها داخلهم ولم ينجرفوا مع الإغراءات والفساد ولن
أعمم وأدعي أن كل من اشترك في الثورة أو في الموجات الثورية قبلها أو بعدها هم
فعلاً يستحقون لقب ثوار وإنما الأغلبية هكذا. فهؤلاء يشكلون الكتلة الثورية للثورة.
وذلك لأن الاشتراك وحده لا يكفي فقد يكون الاشتراك من
أجل حزب أو جماعة تأمر وتنهي على الفعل أو يكون بسبب انتظار الفرصة السانحة من أجل
الحصول على مكاسب مادية وقد حدث هذا أو ذاك مع البعض ممن اشتركوا وانجرفوا وراء
مصالحهم وخانوا مبادئ الثورة وأهدافها ودافعوا عن القتل والفساد والظلم والاستبداد
سواء الديني أو العسكري.
ويجب أن يتحلى الثائر بأفكار الثورة وأخلاقها وليس مجرد
ناقم على الأوضاع فقط فكل الشعب وقت الثورة يكون ناقم وقد يتحرك منهم البعض مع
الثوار. ولكن الثائر الحق هو من يعي جيداً المبادئ والأخلاق الثورية ويتحلى بها.
فالفارق بينه وبين المواطن العادي الناقم هو أساس ومبادئ التحرك والفكر الثوري.
فالفرد أو المواطن العادي يتكيف مع الفساد السياسي ولا يتحرك إلا للأزمة
الاقتصادية وبعد أن تطغى عليه وتطحنه وقد يتحرك بسبب الأزمة الاجتماعية بعد أن تنفجر
وتتفاقم أما الثائر يتحرك من قبله بفترة بسبب الأزمة السياسية التي ينتج عنها
الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والقانونية وغيرها.
أما المبادئ التي يتوجب على الثائر أن يتحلى بها هي على سبيل المثال لا الحصر: -
1-
التعامل
السياسي بمصداقية دون تحيز.
2-
العدل.
3-
المساواة.
4-
الوعي
الثقافي والسعي للتعلم.
5-
تقبل
الآخر.
6-
النقد
الذاتي للنفس.
7-
المحافظة
على الآداب العامة ليكون صورة جيدة للثورة والثوار في محيطه.
8-
نصرة
الضعفاء والمظلومين رغم الاختلاف معهم.
9-
عدم
التكبر أو التعالي على الشعب بعلمه وثقافته بل التقرب منهم وتوعيتهم.
10-الثبوت على المبدأ الثوري وليس الحلول الوسط.
ولكن كثيراً ما نجد أن هذه المبادئ ليست متوفرة عند جميع
الثوار ومنهم من يتصنعها ولكن في النهاية يظهر كلاً على حقيقته ولكن بعد تدهور
الأحداث مع الأسف فيكون من الأفضل أن تحافظ المجموعات والكيانات الثورية على نفسها
من هؤلاء الأفراد لأن في النهاية ستعاب الثورة وليس الأفراد الفاسدين.
ومن الواضح أن كل عنصر من عناصر الدولة (الثوار، الشعب،
النظام، المثقفين) يمتلك نقاط قوة ونقاط ضعف تؤثر وتساعد في تحركاته ومن هنا سنرصد
هذه النقاط وكيفية استغلالها وعدم الإخفاق فيها.
- نقاط القوة: -
أ- التنظيم والوحدة: -
كان دائماً وأبداً يمتلك الثوار على مر التاريخ العنصر
الأساسي في إنجاح الثورة ألا وهو التنظيم والقيادة والوحدة في الصف الثوري
والشعبي. فالوحدة على هدف وعمل تنظيمي بإرادة قوية تستطيع أن تسقط أقوى الأنظمة
الديكتاتورية والإمبريالية بقوى ناعمة وسلمية وبثورات بيضاء غير دموية تؤدي إلى
تحقيق الهدف بقوة وإجبار النظام والسلطة إلى النزول على رغبة الشعب الثائر.
ب- النزعة الأخلاقية: -
من نقاط القوة أيضاً هي النزعة الأخلاقية لدي الثائر
الذي يرفض الظلم والاستبداد على أي أحد من الشعب بل يعمل على منع هذا غير الأخلاق
الثورية التي تجعله داعم للعمل الثوري والجماعي والوحدة ضد الاستبداد.
ج- القوة العددية: -
نقطة أخرى لقوة الثورة والثوار هو القوة العددية التي
تأتي نتيجة الحشد الثوري للجماهير الشعبية التي تشكل ظهير شعبي للطليعة الثورية،
والتي انضمت للطليعة نتيجة للضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية عليها من
النظم المستبدة والفاسدة. فتستطيع القوة العددية اسقاط الأنظمة المستبدة مع وجود
التنظيم الثوري والوحدة الشعبية.
فعدم وجود القيادة والتنظيم يؤدي إلى تلقف الأحزاب
والسياسيين للثورة واستخدامها لمصلحتهم، وعدم وجود الوحدة تؤدي إلى تفتت الثورة
واختراقها وضياعها بين أرجل الفاسدين.
- نقاط الضعف: -
غالباً ما تكون المجموعات الثورية منغلقة على نفسها لا
تتواصل بشكل كبير مع الشعب وهذا لعدم الثقة فيه بسبب القمع الاستبدادي والتخوف منه
ومن أساليبه العفنة ولكن هذا يؤدي إلى ازدياد الفجوة بين الشعب والثوار خصوصاً لو
كان وعي الشعب قليل فسيكون سهل الانقياد وراء دعايات النظام الفاسد.
لذا على الثائر أن يكون دائماً قريباً من الشعب حتى لا
يكون الشعب سهل الانقياد من قبل النظام الفاسد ومحاولة تثقيفه وتوعيته بحقوقه
وواجباته وكيفية فهم الأزمات السياسية وأبعادها وتأثيرها ونتائجها من أزمات
اجتماعية واقتصادية وفساد في الدولة. فابتعاد الثوار عن الشعب يقود إلى عدم شعور
الشعوب بأفراد الثورة بأنهم يمثلوهم وأنهم خرجوا وثاروا من أجلهم وسيكونون بهذا
عبارة عن قطعة مستساغة سهلة في أيدي الديماغوجيين للسيطرة عليهم وتسلقهم والحصول
على السلطة بل سوف يكونوا أداة سهلة في أيديهم للقضاء على الثورة مثلما حدث في
الثورة الرومانية 1989 وعاد أعضاء النظام القديم للحكم رغم إعدام تشاوشيسكو وخلفه
أحد وزراء حكومته وكان أليسكو وزيرا في حكومة تشاوشيسكو، وقاد جبهة الإنقاذ التي
أدارت البلاد بعد اندلاع الثورة من مدينة تيميسورار غربي رومانيا في ديسمبر/ كانون
الأول عام 1989. وأصبح رئيسا مؤقتا لرومانيا لمدة شهر، وانتخب رئيسا للبلاد عام
1990 ثم تولى الرئاسة لفترة تالية من 2000 إلى 2004. وكما حدث في الثورة التشيلية
1973 وانقلاب بيونشيه على الرئيس المنتخب الليندي بعد افتعال الأزمات. فالمعركة
ليست مع النظام فقط وإنما هي معركة توعية الشعوب أيضاً، فلابد أن يحاول الثوار
السعي في الاتجاهين.
وتكون باستخدام دوائر المعارف الخاصة والعامة ومحاولة
تعزيز فكرة الثورة على الظلم داخل أفراد المجتمع.
وعلى الثوار التثقيف المستمر لأنفسهم في كل المجالات
لاستخدام علمهم عند نجاح الثورة، والتعلم من أخطاء الآخرين وكيفية تفادي الالتفاف
على الثورة حتى لا تموت وتنتهي كما كان من الممكن أن يحدث في مصر 2011 وحدث في
سوريا 2011 وليبيا 2011 ومن قبلهم في تشيلي 1973 وغيرها من الدول التي التف فيها
أعضاء النظام القديم على الثورة وعادوا إلى السلطة مرة أخرى ولم تستطع إلى الآن أن
تحقق أهدافها ولازالت تحاول ومنها من تأخر حتى عادت الروح الثورية ونجحت في تحقيق
أهدافها، ومنها من تحول إلى حرب أهلية كما حدث في سوريا والصومال.
وعليهم العلم بأهداف الثورة الحقيقية وتحديدها وماذا
سيحدث وكيفية حدوث الثورة وخطواتها والاستفادة من أخطاء الماضي بالثورات الأخرى
لتفادي هذه الأخطاء. وكيفية هدم الفساد وبناء الدولة من الناحية السياسية
والاقتصادية والاجتماعية وتعريف الشعب بأفكارهم ليساعدوهم ولا يقفوا ضدهم.
ويجب أن يعي الثائر أن الثورة لن تحقق أهدافها وتؤدي إلى
النتائج المرجوة إلا في حالة نجاح الثورة وتحكم هي بأبنائها الثوار لتحقيق مرادها
وهو إعطاء الإرادة للشعب وتحقيق آماله وتطلعاته في الرخاء والعدل والمساواة
والحرية وتكون هذه الأهداف محل التنفيذ فعلاً وعدم التعفف عن السلطة.
أما في حال عدم حكم الثورة تكون هنا الثورة في موضع إما
الحفاظ على كينونتها الثورية والمعارضة الثورية حتى لا تسقط وتنتهي الفكرة أو
ستكون في مهب الريح ومحاولات التخلص منها حتى لا تكون عائق في عودة الاستبداد
وتكون دائماً هذه هي الحالة التي تحدث إذا لم تحكم الثورة. فلم يأتي حاكم من خارج
الثورة وحكم دولة بعد ثورة كبيرة إلا وقضى على أفراد الثورة حتى لا يثوروا عليه
ويستطيع الانفراد بالسلطة هذا غير أن الاحتمال الأكبر هو أن يأتي الحاكم من ظهر
النظام القديم التي قامت عليه الثورة وسيقوم بتصفية كل الكيانات الثورية ووصمها بالتهم
واعتقالها حتى يتسنى له حماية نظامه والسيطرة على السلطة وهذا حدث في مصر 2011
ورومانيا 1989 وتشيلي 1973.
ويكون هذا نتيجة لعدم وعي أعضاء الثورة بالثورات السابقة
وتجارب الآخرين وأنهم لم يقتربوا من الشعب ولم يحاولوا كسب ثقته وتوعيته وتثقيفه
بل تركوه لقمة سائغة في أيدي الإعلام والمنتفعين والمتلونين.
وعلى الثوار السعي الدائم لبناء الرأي العام الجماهيري
وفهم سيكولوجية الشعب مع التخطيط الجيد والمحافظة على سلمية الثورة. هذا مع عدم
إثارة نعرات العرقيات أو القوميات أو الطوائف بل العمل على إذابة الجميع في بوتقة
واحدة وهي الوطن والعمل جميعاً من أجله وليس تفتيته.
ويجب على الثوار الذين يقودون الثورة واللذين يكونون أهل
ثقة لدى الشعب والمؤيدين للثورة عدم الاستماع إلى المنهزمين واليائسين والمفككين
للثورة لإحباطهم حتى لا يكون ذلك خذلان للشعب وآماله بعد أن كانوا دافعين له للتغيير.
وأيضاً على الثوار عدم التقديس لشخصية بعينها أو جعلها
أيقونة حتى لا يستغل الثورة لمصالحه أو لا يأتي اليوم وتضيع الثورة بسبب مواقف
هؤلاء الأشخاص سواء بسبب ضعفهم أو تخاذلهم أو بسبب تقديسهم الشديد فيجعل من بعض
الثوار غير متقبلين لمعارضتهم فتكون النتيجة الانقسام الثوري وفرصة للاستبداد
للعودة إلى السلطة وإجهاض الثورة.
وكما تحدثنا في نقطة الثورة عن الاستمرار في الثورة إلى
نهاية المطاف وعدم الكل من الوقت مهما طال وعدم قبول الثوار بالحلول الوسط أو
التصالح مع النظم المستبدة فيجب عليهم التمسك بالمبادئ الثورية بإسقاط النظام
المستبد كاملاً ومحاسبته.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكراً لتعليقكم