نتابع سوياً الإعادة لنشر سلسلة أسباب نجاح الثورات ومناقشة أسسها وكيفية الوصول إلى الدولة المدنية
وبعد أن ناقشنا الثورة وفكرتها نصل الآن إلى كيفية نجاح الثورة
افتعال الأزمات
في النقطة السابقة تحدثنا عن أن النظام في الثورات يستخدم
الفوضى والقوة المفرطة ولكن هذا مع الثوار أما الشعب الذي وقف كظهير شعبي للثورة
يستخدم معه أسلوب آخر ألا وهو الأزمات المفتعلة.
فيعمل على وجود أزمات متتالية تشل حركة الشعب والدولة
لكي يزيد الفجوة بين الناس والثوار وتأجيج مشاعرهم ومصالحهم الحياتية ضد الثورة ويستخدم
إعلامه بنشر فكرة الأزمات وأن السبب هي الثورة والثوار فيكون رد فعلهم أن الثورة
هي السبب وبالتالي حدوث الفجوة وتكريه الناس والشعب للثورة فتخسر الثورة ظهيرها
الشعبي المساند لها.
ونجد أن هذا قد حدث في الثورة الرومانية 1989 وفي الثورة
المصرية 2011 وثورة لبنان 2019 حيث قامت الأنظمة بافتعال الأزمات مثل الكهرباء والغاز
وزيادة الأسعار وتدهور الاقتصاد وغيرها من العوامل التي جعلت أفراد الشعب ترى أن
الثورة هي السبب رغم أن الذي يحكم ليس من الثورة وأن الهدف الأساسي للثورة هو
تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وغيرها. ولكن عدم الوعي والالتفاف من
الأنظمة المستبدة هو السبب.
لذا يجب على الثوار محاولة فهم هذه المشاكل وتوعية الشعب
عليها وسرعة السيطرة على مفاصل الدولة حتى لا يتسنى للنظام القديم أن يفتعل
الأزمات ومن ثم خسارة الثورة لظهيرها الشعبي وعليه سيكون من السهل على النظام
الديكتاتوري العودة مرة أخرى وذبح الثورة والثوار.
ونجد أن النظم الفاسدة الديكتاتورية حتى في الأوقات العادية
تقع في الأزمات الاقتصادية والسياسية التي من تدفع الثوار والشعب إلى الانتفاض
ومحاولة تغيير السلطة ومحاسبة الفاسدين ووضع حد للدمار بالدولة مثلما حدث بالأرجنتين
بعد حرب الفوكلاند عام 1983 فبعد هزيمة الأرجنتين أمام إنجلترا كانت السبب في
إجبار الحكومة الأرجنتينية على التنازل عن لسلطة وإقامة انتخابات ديمقراطية لأول
مرة. وأيضاً مثلما حدث في مظاهرات لبنان عام 2019 عندما هب الشعب على زعماء
الطوائف المسيطرين على السلطة وفسادهم وسرقاتهم التي لا تنتهي واستغلالهم لموارد
الدولة في مقابل عدم وجود الخدمات الأساسية المطلوبة للشعب. وحدث في انتفاضة وثورة
العراق 2019 التي جعلت من جموع الشعب يثور من أجل عدم وجود العدالة الاجتماعية ولا
الحياة السياسية ووجود المشاكل الاقتصادية متتالية أغرقت البلاد التي كانت تنعم في
الخير وسرقة خيراتها من قبل أمريكا وحكامها الفاسدين ومحاولات تقسيم أراضيها وهذا غير
تفشي المذهبية بين السنة والشيعة والعرقية بين العرب والأكراد فنهشت جسد الشعب
العراقي الذي ما لبث أن ثار على حكامه الظالمين ودستورهم الطائفي.
الفاشية الدينية
وتتكون هذه الفاشية بسبب الحكم الثيوقراطي أي حكم رجال
الدين للدولة ومن يتخذون من أنفسهم خلفاء لله في الأرض ومن ثم الحكم باسم الله،
وأن كل أفعالهم وأقوالهم هي من عند الله ولا يصح معارضتها. ويزداد الأمر بأن أصحاب
هذه السلطة يوصمون معارضيهم بأنهم مارقين عن الدين وضده لمجرد الخلاف في أمور الحكم.
ويكون دوماً أصحاب الفكر الديني مبجلون في هذه الدولة
وكأنهم آلهة أو منزلين أو مرسلين من الله ولا يخطئون أبداً ولا يصح أن يتم
معارضتهم أو مخالفتهم لأن آراءهم يروجون لها أنها مستندة على المرجعية الدينية على
حسب فهمهم لها على أساس مصلحتهم وتوجههم. وهذا ما نجده في بعض الأفكار السياسية
الإسلامية التي تبيح القتل والسبي والإرهاب بتفسيرات للقرآن بطريقة خاطئة تفيد
مصلحتهم وهاجسهم النفسي الدنيوي المقزز ويعتبرون أن الخلاف معهم هو خلاف مع الله
ويستوجب القتل مع أن كل هذا مخالف لطبيعة الدين والفكر الإسلامي. وكما كان يحدث في
الحكم البابوي في أوروبا من التسلط الكنسي على الدول بل والتحكم في الملوك وفي
العلوم وإتهام كل مفكر بالهرطقة ومن ثم حرقه.
ونجد في أصحاب الفكر الثيوقراطي أي حكم رجال الدين البعد
الشديد عن الديمقراطية والمدنية وتعدد الآراء وقبول الرأي الآخر والاختلاف وهذا لأن
الاستبداد بكل أنواعه يرفض المناقشة التي من الممكن أن تؤدي إلى تخطيئه وضياع
مصلحته الشخصية.
وأفضل طريق للقضاء على هذا النوع من الاستبداد والفاشية هي التوعية بالدين السليم والوعي الصحيح وأنه لا يوجد أي شيء من هذا القبيل ولا يوجد من هو مفوض من الله في الأرض ليحكم باسمه، وإنما الحكم هو شورى وديمقراطي وبه حرية الرأي والخلاف والحوار المتبادل من أجل مصلحة الوطن.
الفاشية الوطنية
توجد هذه الفاشية بسبب الحكم العسكري والتي تستخدم ادعاءات
الوطنية بطريقة مبتذله حيث تجعل من نفسها حامية حمى الوطن والوطنية وأي فرد يحاول معارضتها
يكون هو غير الوطني والعميل والخائن الذي يحمل الأجندات الخارجية ويسعى لهدم الوطن
مع أنه تكون سمة هذه الأنظمة العسكرية هي الخيانة والعمالة ولكن كالعادة صاحب
العار يوصم غيره بوصمته حتى يبعدها عنه.
ونجد في هذه الأنظمة أن أصحاب البدلات العسكرية هم أصحاب
المقام الرفيع في الدولة ولهم كل الصلاحيات والسلطات والنفوذ والامتيازات وقوة
التصرف في أي شيء وبأي طريقة ودون قدرة من أحد على المساءلة.
ومن التربية العسكرية والعقلية العسكرية التي تربت على الثواب
والعقاب وتنفيذ الأوامر دون نقاش يكون من الصعب لهذه العقلية القدرة على العمل
المدني الذي يقوم في الأساس على المناقشة والمحاورة والاختلاف فتكون هذه العقلية
غير مستعدة للتحاور وقبول المعارضة بل يكون رد فعلها هو العقاب الدائم والبطش بكل
معارضيها ووصمهم بعدم الوطنية والعمالة ورفض كل ما هو ضد مصلحته وضد رأيه وكأنه هو
الأعلم بكل شيء رغم أن دراسته لم تتخطى الأساليب العسكرية وليست الإدارية والمدنية
وفكره بعيد عن الطرق السليمة لتطبيق الديمقراطية. خصوصاً لو كان الحكم العسكري جاء
على ظهر دبابة وبانقلاب عسكري على السلطة.
فيستخدم الحاكم قوات الأمن المكونة من الجيش والشرطة
لحمايته هو ونظامه فتتحول مهمتها من حماية الوطن والشعب إلى حماية الحاكم والنظام
ويقوم باستمالتهم بالأموال والمصالح الاقتصادية والمناصب فتكون مهمتهم حمايته وحماية
مصالحهم ويصبح دورهم في حماية الوطن وكأنه فعل يقومون به تكرماً منهم على الشعب وليس
وظيفتهم الحقيقية فنسمع في هذه الأنظمة جمل مثل (نحن نموت من أجلكم، نضحي بأنفسنا،
ننام بالعراء، ...إلى آخره) في الوقت الذي لا يحدث فيه هذا في الأساس ولكن لتبرير
السرقة والفساد والقتل والتنكيل بالمعارضة ويتم تداول هذا الكلام لكي يتم إسكات الشعب
عما يفعلونه ولإسكات ضمائرهم عن فسادهم.
والأمثل لهذه الأنظمة في محاربتها هو سلاح التوعية والوحدة
الشعبية أمامها من أجل إسقاطها بسلمية لأن رد فعل مثل هذه الأنظمة هو العنف واستخدام
السلاح بطريقة مباشرة لقتل المتظاهرين وهذا ما حدث في الثورة التشيلية 1973 والرومانية
1989 والمصرية 2011 والتونسية 2010 فلم يكم من حكومات هذه البلدان سوى القتل واستباحة
دماء الشعوب بدم بارد من أجل الحفاظ على مصالحهم ومناصبهم.
فيكون التعامل معها بطريقة سلمية باستخدام الدعم والحشد
الشعبي بعد نشر الوعي عن أكاذيب وفساد هذه الأنظمة السلطوية. لأن التعامل بأي أسلوب
آخر سيؤدي إلى كارثة في الأوطان إما حرب أهلية بسبب انقسام الشعب بين مؤيد ومعارض
أو انقسام الوطن بين جيش يحمي مصالحه ويدافع عنها وشعب يحمي وطنه ويدافع عنه وفي
الحالتين سيكون الموت والدمار للكثير وما هو لا تريده الثورات الوطنية.


