أسباب نجاح الثورات ج 6 (افتعال الأزمات، الفاشية الدينية، الفاشية الوطنية)

 

اسباب نجاح الثورات

نتابع سوياً الإعادة لنشر سلسلة أسباب نجاح الثورات ومناقشة أسسها وكيفية الوصول إلى الدولة المدنية

 وبعد أن ناقشنا الثورة وفكرتها نصل الآن إلى كيفية نجاح الثورة

افتعال الأزمات

في النقطة السابقة تحدثنا عن أن النظام في الثورات يستخدم الفوضى والقوة المفرطة ولكن هذا مع الثوار أما الشعب الذي وقف كظهير شعبي للثورة يستخدم معه أسلوب آخر ألا وهو الأزمات المفتعلة.

فيعمل على وجود أزمات متتالية تشل حركة الشعب والدولة لكي يزيد الفجوة بين الناس والثوار وتأجيج مشاعرهم ومصالحهم الحياتية ضد الثورة ويستخدم إعلامه بنشر فكرة الأزمات وأن السبب هي الثورة والثوار فيكون رد فعلهم أن الثورة هي السبب وبالتالي حدوث الفجوة وتكريه الناس والشعب للثورة فتخسر الثورة ظهيرها الشعبي المساند لها.

ونجد أن هذا قد حدث في الثورة الرومانية 1989 وفي الثورة المصرية 2011 وثورة لبنان 2019 حيث قامت الأنظمة بافتعال الأزمات مثل الكهرباء والغاز وزيادة الأسعار وتدهور الاقتصاد وغيرها من العوامل التي جعلت أفراد الشعب ترى أن الثورة هي السبب رغم أن الذي يحكم ليس من الثورة وأن الهدف الأساسي للثورة هو تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وغيرها. ولكن عدم الوعي والالتفاف من الأنظمة المستبدة هو السبب.

لذا يجب على الثوار محاولة فهم هذه المشاكل وتوعية الشعب عليها وسرعة السيطرة على مفاصل الدولة حتى لا يتسنى للنظام القديم أن يفتعل الأزمات ومن ثم خسارة الثورة لظهيرها الشعبي وعليه سيكون من السهل على النظام الديكتاتوري العودة مرة أخرى وذبح الثورة والثوار.

ونجد أن النظم الفاسدة الديكتاتورية حتى في الأوقات العادية تقع في الأزمات الاقتصادية والسياسية التي من تدفع الثوار والشعب إلى الانتفاض ومحاولة تغيير السلطة ومحاسبة الفاسدين ووضع حد للدمار بالدولة مثلما حدث بالأرجنتين بعد حرب الفوكلاند عام 1983 فبعد هزيمة الأرجنتين أمام إنجلترا كانت السبب في إجبار الحكومة الأرجنتينية على التنازل عن لسلطة وإقامة انتخابات ديمقراطية لأول مرة. وأيضاً مثلما حدث في مظاهرات لبنان عام 2019 عندما هب الشعب على زعماء الطوائف المسيطرين على السلطة وفسادهم وسرقاتهم التي لا تنتهي واستغلالهم لموارد الدولة في مقابل عدم وجود الخدمات الأساسية المطلوبة للشعب. وحدث في انتفاضة وثورة العراق 2019 التي جعلت من جموع الشعب يثور من أجل عدم وجود العدالة الاجتماعية ولا الحياة السياسية ووجود المشاكل الاقتصادية متتالية أغرقت البلاد التي كانت تنعم في الخير وسرقة خيراتها من قبل أمريكا وحكامها الفاسدين ومحاولات تقسيم أراضيها وهذا غير تفشي المذهبية بين السنة والشيعة والعرقية بين العرب والأكراد فنهشت جسد الشعب العراقي الذي ما لبث أن ثار على حكامه الظالمين ودستورهم الطائفي.


الفاشية الدينية

وتتكون هذه الفاشية بسبب الحكم الثيوقراطي أي حكم رجال الدين للدولة ومن يتخذون من أنفسهم خلفاء لله في الأرض ومن ثم الحكم باسم الله، وأن كل أفعالهم وأقوالهم هي من عند الله ولا يصح معارضتها. ويزداد الأمر بأن أصحاب هذه السلطة يوصمون معارضيهم بأنهم مارقين عن الدين وضده لمجرد الخلاف في أمور الحكم.

ويكون دوماً أصحاب الفكر الديني مبجلون في هذه الدولة وكأنهم آلهة أو منزلين أو مرسلين من الله ولا يخطئون أبداً ولا يصح أن يتم معارضتهم أو مخالفتهم لأن آراءهم يروجون لها أنها مستندة على المرجعية الدينية على حسب فهمهم لها على أساس مصلحتهم وتوجههم. وهذا ما نجده في بعض الأفكار السياسية الإسلامية التي تبيح القتل والسبي والإرهاب بتفسيرات للقرآن بطريقة خاطئة تفيد مصلحتهم وهاجسهم النفسي الدنيوي المقزز ويعتبرون أن الخلاف معهم هو خلاف مع الله ويستوجب القتل مع أن كل هذا مخالف لطبيعة الدين والفكر الإسلامي. وكما كان يحدث في الحكم البابوي في أوروبا من التسلط الكنسي على الدول بل والتحكم في الملوك وفي العلوم وإتهام كل مفكر بالهرطقة ومن ثم حرقه.

ونجد في أصحاب الفكر الثيوقراطي أي حكم رجال الدين البعد الشديد عن الديمقراطية والمدنية وتعدد الآراء وقبول الرأي الآخر والاختلاف وهذا لأن الاستبداد بكل أنواعه يرفض المناقشة التي من الممكن أن تؤدي إلى تخطيئه وضياع مصلحته الشخصية.

وأفضل طريق للقضاء على هذا النوع من الاستبداد والفاشية هي التوعية بالدين السليم والوعي الصحيح وأنه لا يوجد أي شيء من هذا القبيل ولا يوجد من هو مفوض من الله في الأرض ليحكم باسمه، وإنما الحكم هو شورى وديمقراطي وبه حرية الرأي والخلاف والحوار المتبادل من أجل مصلحة الوطن.

الفاشية الوطنية

توجد هذه الفاشية بسبب الحكم العسكري والتي تستخدم ادعاءات الوطنية بطريقة مبتذله حيث تجعل من نفسها حامية حمى الوطن والوطنية وأي فرد يحاول معارضتها يكون هو غير الوطني والعميل والخائن الذي يحمل الأجندات الخارجية ويسعى لهدم الوطن مع أنه تكون سمة هذه الأنظمة العسكرية هي الخيانة والعمالة ولكن كالعادة صاحب العار يوصم غيره بوصمته حتى يبعدها عنه.

ونجد في هذه الأنظمة أن أصحاب البدلات العسكرية هم أصحاب المقام الرفيع في الدولة ولهم كل الصلاحيات والسلطات والنفوذ والامتيازات وقوة التصرف في أي شيء وبأي طريقة ودون قدرة من أحد على المساءلة.

ومن التربية العسكرية والعقلية العسكرية التي تربت على الثواب والعقاب وتنفيذ الأوامر دون نقاش يكون من الصعب لهذه العقلية القدرة على العمل المدني الذي يقوم في الأساس على المناقشة والمحاورة والاختلاف فتكون هذه العقلية غير مستعدة للتحاور وقبول المعارضة بل يكون رد فعلها هو العقاب الدائم والبطش بكل معارضيها ووصمهم بعدم الوطنية والعمالة ورفض كل ما هو ضد مصلحته وضد رأيه وكأنه هو الأعلم بكل شيء رغم أن دراسته لم تتخطى الأساليب العسكرية وليست الإدارية والمدنية وفكره بعيد عن الطرق السليمة لتطبيق الديمقراطية. خصوصاً لو كان الحكم العسكري جاء على ظهر دبابة وبانقلاب عسكري على السلطة.

فيستخدم الحاكم قوات الأمن المكونة من الجيش والشرطة لحمايته هو ونظامه فتتحول مهمتها من حماية الوطن والشعب إلى حماية الحاكم والنظام ويقوم باستمالتهم بالأموال والمصالح الاقتصادية والمناصب فتكون مهمتهم حمايته وحماية مصالحهم ويصبح دورهم في حماية الوطن وكأنه فعل يقومون به تكرماً منهم على الشعب وليس وظيفتهم الحقيقية فنسمع في هذه الأنظمة جمل مثل (نحن نموت من أجلكم، نضحي بأنفسنا، ننام بالعراء، ...إلى آخره) في الوقت الذي لا يحدث فيه هذا في الأساس ولكن لتبرير السرقة والفساد والقتل والتنكيل بالمعارضة ويتم تداول هذا الكلام لكي يتم إسكات الشعب عما يفعلونه ولإسكات ضمائرهم عن فسادهم.

والأمثل لهذه الأنظمة في محاربتها هو سلاح التوعية والوحدة الشعبية أمامها من أجل إسقاطها بسلمية لأن رد فعل مثل هذه الأنظمة هو العنف واستخدام السلاح بطريقة مباشرة لقتل المتظاهرين وهذا ما حدث في الثورة التشيلية 1973 والرومانية 1989 والمصرية 2011 والتونسية 2010 فلم يكم من حكومات هذه البلدان سوى القتل واستباحة دماء الشعوب بدم بارد من أجل الحفاظ على مصالحهم ومناصبهم.

فيكون التعامل معها بطريقة سلمية باستخدام الدعم والحشد الشعبي بعد نشر الوعي عن أكاذيب وفساد هذه الأنظمة السلطوية. لأن التعامل بأي أسلوب آخر سيؤدي إلى كارثة في الأوطان إما حرب أهلية بسبب انقسام الشعب بين مؤيد ومعارض أو انقسام الوطن بين جيش يحمي مصالحه ويدافع عنها وشعب يحمي وطنه ويدافع عنه وفي الحالتين سيكون الموت والدمار للكثير وما هو لا تريده الثورات الوطنية.

وللحديث بقية في السلاسل القادمة


أسباب نجاح الثورات ج 5 (النظام)

 

احمد عادل داوود

نتابع سوياً الإعادة لنشر سلسلة أسباب نجاح الثورات ومناقشة أسسها وكيفية الوصول إلى الدولة المدنية

 وبعد أن ناقشنا الثورة وفكرتها نصل إلى الضلع الرابع في الثورة

النظام

النظام المكون من أعضاء الحكم بداية من الحاكم سواء إن كان يسمى (رئيس، رئيس وزراء، مستشار، ملك) ثم معاونيه من الوزراء والسياسيين والمستشارين وصولاً إلى حزبه الذي يساعده في الإدارة، يكوَنون طريقة الحكم وكيفيتها إما يكون نظام مدني ديمقراطي أو نظام ديكتاتوري مستبد. فيكون تركز السلطة في حزب أو مجموعة أو جماعة أو فرد مستخدمين أساليب الاستبداد من أجل حماية نظام الحكم.

والنظام الذي يحكم دولة يكون إما سبب تقدمها أو نكبتها على حسب توجهه في الإدارة هل هي العمل من أجل الوطن أم من أجل مصلحته الشخصية والفساد مستخدماً كل أساليب الفساد والاستبداد لكي يحافظ على نفسه ومصالحه. والدول الاستبدادية تستخدم سياسة التجويع والتجهيل لأنها تعلم أن من جاع ومن جهُل عن خفايا الحياة لا يستطيع التفكير بأكثر من اشباع نفسه.

وهنا نتحدث عن الأنظمة المستبدة ونقاط ضعفها وقوتها وأدوات الاستبداد التي تستخدمها.

-نقاط القوة: -

تكمن نقاط قوة الأنظمة المستبدة في استخدام وسائل وأدوات الاستبداد بطريقة مفرطة لكي تحافظ على وجودها مثل (الإعلام، رجال الدين، الأموال، الشرطة والجيش) وهذا لتجميل وجهه من جهة ومن جهة أخرى لقمع المعارضة.

ويستخدم المستبد مثلث الاستبداد للتمكن من الدولة وهو:

أ‌-     الوصول للسلطة.

ب‌- التأييد الشعبي بالتزييف والدعاية.

أ‌-     استخدام القوة والبطش.

-نقاط الضعف: -

تتضح نقاط ضعف الأنظمة الاستبدادية من خوفها الدائم من ضلعي الثورة ألا وهو (الوعي، الوحدة) فإذا كان هذان الضلعان متواجدان فسيكون سقوط النظام بطريقة سهلة وسريعة وهذا ما حدث في تونس 2010 وتشيلي 1990 ومصر 2011 والسودان 2019 ورمانيا 1989 وبطريقة سلمية بحتة فقد تجمع الشعب مع الثوار ضد النظام. بل ونجد أن هذه الأنظمة قد استسلمت بمجرد الهتاف والتواجد في مظاهرات على مستوى الدولة بالمدن الرئيسية منها حتى وإن استخدم النظام العنف كان الرد دائماً بوعي الوحدة وعدم التسليم له فلم يستطيع أي نظام منهم الاستمرار رغم استخدام القوة الغاشمة والمفرطة مع الثوار.

ومن أوجه ضعف النظم الاستبدادية هو الفساد المستشري في جسده فرغم استخدامه لسلاح الفساد كحماية له من المعارضين وإغداقهم بالأموال والمناصب إلا أنه يكون سبب ضعفه لأن كل فرد فاسد سيتخلى عن الحاكم عند أول موجة ثورية تهتز فيها مركب الظلم من أجل أن يحمي نفسه من الحساب الثوري.

-مثلث ترسيخ الاستبداد: -

1- الحاكم: -

الفرد الذي تتمركز بيده السلطة ويوجهها إلى مصالحه وحماية نفسه فقط وليس لمصالح الدولة ويستخدم كل مؤسسات الدولة ومواردها لأمنه ولأمن نظامه فقط.

2- السياسي والنخبة: -

ويتكونون من أعضاء النظام كمساعدين للحاكم ومن النخبة السياسية والمثقفة الذين يعملون من أجل النظام والحاكم للحفاظ على أمنه واستقراره وحمايته من السقوط ليس من أجل مصلحة الحاكم كشخص ولكن لحماية مصالحهم الاقتصادية والسياسية والسلطوية والاستفادة الدائمة منه.

3- الإقطاعي الرأسمالي: -

 وهم المجموعة التي تتسلق النظام وأفراده من أجل تنمية مواردهم المالية على حساب الشعوب والدولة دون النظر لموت ومعاناة أحد.

-أدوات الاستبداد: -

1- السلطة: -

ويستخدمها الحاكم وأعوانه في البطش بمن يعارضه بالقوة المفرطة ولتخويف الشعب من انتقاد الحاكم وسلطته الاستبدادية وتصرفاته الفاشية وتكون أداة السلطة في البطش هي قوات الأمن المكونة من الجيش والشرطة التي يعتمد عليها في الخطف والترويع والاعتقال لكل من يعارضه. بل ويصل الأمر إلى التعذيب والقتل العمد والتصفية.

ومن ضمن الأدوات التي يستخدمها السلطات القضائية والتشريعية التي يخضعها له ويستخدمها للبطش بالشعب وتنفيذ أوامره.

2- المال: -

ويستخدمه النظام لاستمالة بعض أصحاب الرأي الذين يؤثرون في الشعوب فقد لا يصح معهم الاعتقال في بعض الأوقات وتكون الأفضلية في استخدام النخبة والمثقفين في إقناع الشعوب بأن الحاكم ونظامه هم الأفضل.

ويتجاوب البعض مع هذه الطريقة ممن ليس لديهم ضمير وطني ولهم أحلام مادية ولا يكون لهم وازع ومبدأ قوي. فيبحثون عن الأموال من أجل اشباع رغباتهم الفاسدة.

3- المناصب: -

ويستخدمه في استمالة من يكونون أصحاب إدارة قد تساعد النظام في ترسيخ حكمه ويستخدم في تقويض المعارضين أصحاب النفوذ الضعيفة من أجل التخلص من معارضتهم.

4- الإعلام: -

ويستخدمه النظام في تجميل صورته أمام الشعب بنشر أكاذيب ودعايات كاذبة عنه وعن إنجازاته التي لا يوجد لها حقيقة ولا تعود على الشعب والدولة بأي نتيجة بل هي مجرد أفعال غير مدروسة لخمد مشاعر الثورة وكأن النظام الحاكم يسعى للتقدم ولكن تظهر الحقيقة بمرور الوقت وعدم وجود فائدة عائدة على الشعب. وأيضاً يستخدمه في تشويه معارضيه ممن لم يجتذبوا بالأموال أو المناصب.

5- رجال الدين: -

ويستخدمهم النظام من أجل الحصول على شرعية تؤيد وجوده وتبرر أفعاله السلطوية الاستبدادية ومحاولات تفريغ الشعوب من الروح الثورية ومن الوعي.

وبهذا يستخدم النظام أدواته من أجل ترسيخ سلطته والحصول على مصلحته بطريقة دائمة ويقوم بهذه الأدوات للحفاظ على نفسه وسلطته الدائمة وتصفية معارضيه وتشويههم ووصمهم بتهم شخصية أو باستخدام فاشيته سواء الدينية أو الوطنية وهذا يتحدد على حسب النظام هل هو عسكري أم ثيوقراطي. فيكون توجهه على هذا الأساس من حيث الإدارة ومن حيث التشويه أيضاً ولذا يكون استخدامه لأدواته مرهون بتوجهه الثيوقراطي بالحكم باسم الدين أو العسكري مدعي الوطنية.

ويستخدم النظام الاستبدادي أسلوب آخر مع الشعب وهو الترهيب فمن ناحية يرهب الفرد والشعب بالاعتقال ضد المعارضين والاعتقال العشوائي لنشر الخوف بين الناس والاختفاء القسري كما يحدث لأصحاب الرأي المخالف والثوريين كما حدث في تشيلي 1973 في فترة حكم بينوشيه الديكتاتورية والأرجنتين 1966:1973 بعد حدوث انقلابات عسكرية على الرؤساء المنتخبين أكثر من مرة مثل خوان بيرون وما تلاها من الحرب القذرة التي حدثت في الشعب الأرجنتيني من قتل واختفاء قسري حتى وصل عدد الوفيات إلى 30000 قتيل وفي مصر2011 بعد عودة العسكر مرة أخرى للحكم خصوصاً من الفترة التي تلت 2013. ومن ناحية أخرى يرهب الشعب بفزاعة كالإرهاب أو الجماعات الإسلامية المتطرفة أو استخدام الفوضى.

وأن لا بديل عن نظام الحكم العسكري للحفاظ على الأمن والاستقرار ويجمله الإعلام الموالي له بأنه نظام الأمن والأمان ولكنها ما تكون إلا أكاذيب كالعادة. ويحصل على الدعم الدولي والشرعية الدولية بنفس المنطق بأنه يستخدم العنف للحفاظ على الاستقرار والأمن.

ويقوم النظام الظالم المستبد عند حدوث الثورات باستخدام سلاحي القوة المفرطة والفوضى، فيتعامل مع الثوار والشعب الثائر بالقتل والاعتقال من أجل إرهاب باقي جموع الثورة خصوصاً أفراد الشعب التي تساند الثورة لكي يبتعدوا عن مواقفهم الثورية من أجل التغيير.

ويقوم بالتهديد بالفوضى ومحاولة نشرها بالبلطجة واللصوص وفتح زنازين السجون كما حدث في مصر 2011 وتم إطلاق سراح العديد من المعتقلين الجنائيين لإرهاب الشعب وإشاعة الفوضى، ورومانيا 1989، وتشيلي 1973 بنشر البلطجية والقتلة.

ويحاول افتعال الأزمات وعمل الثورة المضادة باستخدام أذرعه السابق ذكرها من أجل إفشال الثورة الحقيقة وتكريه الشعب في الثورة والثوار. هذا غير التفتيت الذي يسعى له وتخويف الشعوب من الإرهاب والانقسام ونشر الدمار في الدولة.

ولكن يجب ألا يهاب الثوار هذه الأفعال من أجل التغيير وإسقاط الأنظمة المستبدة.

وللحديث بقية في السلاسل القادمة


أسباب نجاح الثورات ج 4 (الشعب)

 

أسباب نجاح الثورة

نتابع سوياً الإعادة لنشر سلسلة أسباب نجاح الثورات ومناقشة أسسها وكيفية الوصول إلى الدولة المدنية

 وبعد أن ناقشنا الثورة وفكرتها نصل إلى الضلع الثالث في الثورة


الشعب

الشعب صاحب السلطة ومصدرها وقوتها وأساس الدولة فإما يعليها بوعيه وثقافته أو ينهيها بجهله وسكونه وهذا هو الحمل الثقيل الذي به تتحدد مدى وعي وثقافة الشعوب وإيمانها بحقوقها.

فإما نجد شعب يتكيف مع الفاسدين والظلمة ويعيد السبب أن هذا هو الحال في كل مكان لتبرير استكانته واستسلامه وموت ضميره تجاه الوطن بدعوى الاستقرار مشكلاً من المواطن المستقر أو نجد شعب لا يكل ولا يمل في البحث عن حقوقه وعدم التعدي عليها من أحد.

وسنجد أن المستبد دائماً يحاول السيطرة على الشعب بالترهيب المستمر من أجل كسر شوكة الشعوب ووحدتهم، ويعمل باستمرار على تفرقتهم، ويضع صوب أعينهم على الدوام فزاعة الإرهاب أو الحرب وعدم الاستقرار إذا حدث تغيير ليظهر بأنه المخلص الأوحد.

وقد تكون العادة ألا يتحرك الشعب بوجود الأزمات السياسية التي لا يستوعبها ولا يهتم بها إلا المواطن السياسي، ولكن يبدأ بالتحرك المواطن المستقر عندما تضغطه الأزمة الاقتصادية والاجتماعية أو بعد هزيمة في حرب أو بعد محاباة الأعداء من قبل المستبد وخضوعه لهم أو بعد كارثة أو مجاعة تحل على البلاد ويتهاون المستبد في حلها، ولكن الفرق في هل سيتحرك أم سيبرر، فهذا هو مقياس وعي الشعب الحقيقي.

وهنا نجد ونعرف مدى القدرة الشعبية في التحرك السلمي في محاربة الفساد وإسقاط النظام المستبد الظالم وهل سيستطيع أم سيتهاون ويبرر ويلوم من يثور ويحمله أعباء ما لم يفعله وكأنه هو السبب في التدهور الاقتصادي وليس نظام الحكم ونعرف مدى وعيه وهل سيصدق أكاذيب النظام عن الثوار أم سيرى الأمور بعقله ويعي أن من يضحي بنفسه من أجله لا يريد سوى الإصلاح ولا يريد المنصب والجاه كمن بالسلطة الذي يشوه كل من يعارضه للحفاظ على سلطته ونفوذه ويحمي رقبته من القصاص.

-      نقاط القوة: -

تكمن قوة الشعوب بوعيها ووحدتها وحشدها مع كسر حاجز الخوف، فبها يتكون لدى الشعب القدرة والإرادة للتغيير وفهم الأوضاع وليس التفرج من بعيد على ما يحدث وانتظار الفرج الإلهي. بل يكونون بوعيهم قادرون على تحليل الأمور والأزمات ومحاولة التفكير في مخرج والعمل كمواطنين فاعلون سياسياً بالدولة وليس كمجرد أفراد في منطقة لا يملكون من الأمر شيئاً. ويستغلون عددهم ويصنعون منها الوحدة التي إن تحركوا بها استطاعوا إسقاط أي نظام مستبد بالهتاف ليس إلا وبمساندة الثوار بأن يكونون له ظهير يحميه ولا ينقلبوا عليهم بمجرد الإشاعات والتفاهات والاتهامات الملفقة من النظام المستبد الذي يريد أن يحافظ على مصالحه وإبقاء فساده محل التنفيذ حتى لا يوضع تحت طائلة القانون والمحاسبة على ما اقترفه من جرائم في حق الوطن والشعب.

-      نقاط الضعف: -

تكمن نقاط الضعف بنفس مناطق نقاط القوة، فالشعب الذي لا يملك وعي لا يملك القدرة على الوحدة ومن لا يملك القدرة على الوحدة لا يملك القدرة على التغيير ولا يستطيع كسر حاجز الخوف والحشد لإسقاط الأنظمة الفاسدة.

هذا غير عدم المبالاة بالفساد والتعايش معه وأنه وضع عادي في كل مكان ولا يمكن تغييره بل وتربية الأبناء على الضعف والاستسلام.

ولهذا الضعف أسباب عديدة هي: -

1-   أسباب نفسية من الإحباط والإحساس بالدونية داخل وخارج الوطن وعدم وجود قدرة على التعبير وفقدان الأمل في الحياة والمستقبل.

2-   أسباب سياسية بسبب الفساد والقهر السياسي.

3-   أسباب اجتماعية بسبب تآكل الطبقات الاجتماعية وتكبر الطبقة السلطوية.

4-   أسباب دينية بسبب التبريرات الدينية للاستبداد ونشر الطائفية.

5-   أسباب تعليمية بسبب عدم وجود تعليم وتربية جيدة.

6-   أسباب أمنية بسبب توحش القبضة الأمنية للحفاظ على النظام ومصالحه والسيطرة على الشعب بالترهيب.

وهذه الأسباب تؤدي في النهاية إلى الانفجار وقيام الثورات.

ونجد أن على الشعوب أن تعي تماماً أن النظم المستبدة والطغاة يحاولون دائماً الالتفاف عليه وتأجيج مشاعره ضد الثورة والثوار وافتعال الأزمات ونشر تهم الخيانة والادعاءات الباطلة على كل من يعارض الطغاة لكي يحافظوا على مصالحهم وتكريه الشعب في الثورة والتغيير.

ويجب الوضع بالحسبان أن الشعوب عامة وعادة لا تتقبل التغيير بسهولة خوفًا من المستقبل ومن الأزمات التي يقوم بها المستبد من أجل الضغط على الشعوب لرفض التغيير، هذا غير أن الطغاة يستعملون فزاعة الإرهاب والحرب الوهمية دائماً لترهيب الشعوب من التغيير وتصويره أنه كحاكم هو الوحيد الذي سينقذه.

وهنا يأتي دور المثقفين والثوار في توعية الشعوب كما ذكرنا بالسابق لكي يظلوا صامدين موحدين أمام الاستبداد ومحاولة إسقاطه والقضاء عليه وتغيير الوطن للأفضل وبناء دولة ذات حرية وديمقراطية وتقدم واقتصاد وعدالة اجتماعية يسعد بها الشعب نفسه لأنها ستعود عليه بالخير بعدما عاد عليه الاستبداد بالظلم والفساد والفقر والتجهيل. وتوعيته بمحاولات النظم المستبدة افتعال الأزمات من أجل تكريه الشعب بالثورة.

ويجب أن تكون التوعية السياسية هي الأساس مهما كان تعليم الشعب متدني، ففهم العمل السياسي لا يكون متوقفاً على مقدار التعليم وإنما متوقف على مقدار الاحتكاك السياسي والممارسة السياسية التي تكبتها النظم السياسية الاستبدادية من أجل عدم إقدار الشعوب على الوقوف لهم بالمرصاد، لذا يكون توعيتهم بالمشاكل السياسية والاقتصادية والأسباب والنتائج من أجل التأهيل للثورة ولما بعد الثورة وبما سيعود عليه كمواطن بالفائدة من الثورة وإصلاح الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

ويجب أن يعمل كل فرد في الشعب على التغيير النفسي له ولأولاده من أجل إحداث تغيير مجتمعي شامل في كل نواحي الحياة الأخلاقية والثقافية والتربوية قبل كل شيء.

وللحديث بقية في السلاسل القادمة


أسباب نجاح الثورات ج 3 (المثقفون والنخبة)

 

احمد عادل داوود

نتابع سوياً الإعادة لنشر سلسلة أسباب نجاح الثورات ومناقشة أسسها وكيفية الوصول إلى الدولة المدنية
 وبعد أن ناقشنا الثورة وفكرتها نصل إلى الضلع الثاني في الثورة


المثقفون والنخبة

تتحمل النخبة السياسية والاجتماعية المثقفة العبء الأكبر في توجيه الشعب والثورة في الاتجاه الصحيح. وإذا لم تؤدِ دورها بشكل سليم وتتحمل مسؤولياتها كاملة، قد يؤدي ذلك إلى تدمير الثورة والدولة وإعادتها إلى أحضان الاستبداد السياسي مرة أخرى.

لأن وعيهم وثقافتهم تؤهلهم لتوجيه دفة شباب الثورة والشعب الغير الواعي إلى مقدرات الثورة وأهدافها أما إذا خانوا ضمائرهم والحق والعدل فتكون نهاية الثورة وعودة الدولة إلى أنظمة استبدادية أكثر عنفاً مما قامت عليه الثورة.

وتتكون هذه النخبة من المثقفين ورجال الدين والجهتان مكملتان لبعضهما ويحتاجهما المستبد ليستمر في حكمه وتحتاجهم الثورة لكي تحقق الرخاء والعدل وترسي قواعد الدولة الديمقراطية السوية. الفارق أن المستبد يسعى لاستغلالهم ويعمل على جذبهم بعوامل إغراء كثيرة منها الرشوة والمناصب او من خلال ترهيبهم. أما الثورة التي لا تملك من أمرها غير الهتاف ضد الاستبداد من أجل الحرية لا تستطيع أن تعطي شيئاً للنخبة ولكن تطلب منهم العون في التوعية والتثقيف من أجل إرساء مبادئ الدولة الديمقراطية المدنية فيكون الوازع للتحرك من داخل النخبة ومن ضمائرهم.

ويكون الضمير إما مساعد لهم على التوعية والوقوف في وجه الظلم دون خوف ودون الميل للإغراءات أو يكون ضميرهم ميتاً فيتوجهون للاستفادة من المعارضة للنظام شكلياً من أجل جذب أعين النظام إليهم ومن ثم الحصول على مكاسب مادية أو معنوية كمناصب وغيره دون النظر لمصلحة الشعب والوطن.

وقد تكون هذه النخبة عبارة عن مشجعين ومبررين للضعف والفساد والاستبداد منذ البداية ومنهم المتلون أصحاب العبارات الفضفاضة الذي يأكل على كل الموائد على حسب الموجة الأعلى وعلى حسب المصلحة التي ستعود عليه بفائدة. ويوجد أنواع لهذه المجموعة كلاً على حسب فكره وتوجهه: -

1- المثقفون: -

أصحاب الفكر الدنيوي وعلماء السياسة والتاريخ والفلسفة ومن يستطيع الاستفادة منهم في التاريخ والأحداث السياسية والفلسفة وفهم الأحداث أو يستطيع أن يستفيد منهم المستبد في تقنين وضعه الديكتاتوري وإقناع الشعب بعدم فائدة الثورة ومن الممكن محاربته بهم بسبب تصديق الشعب الغير واعي لهم ولخيانتهم للثورة والعدل وضمائرهم

2- رجال الدين: -

علماء الدين والوعظ والأخلاق وقد يكون منهم الذي تربى على الفكر الديكتاتوري وانتهى به المطاف إلى الفساد الديني واستخدام علمه لتحليل ما يملى عليه من المستبد وتجريم من يخرج على الحاكم ويثور عليه ويطالب بتحقيق العدل والمساواة والديمقراطية ومنهم من يكون صاحب فكر ووعي ولديه القدرة على قول الحق ولا يخشى لومة لائم فيكون منفعة للشعب بتوعيته وتقويته وإعانته على مواجهة الظلم والظالم. وهؤلاء قليلي العدد خصوصاً في عهد يستخدم رجال الدين من أجل اكتساب شرعية لنظامه واستبداده وتكميم أفواه الشعب باسم الدين وإلغاء عقولهم. فهؤلاء تجار للدين يستخدمونه من أجل الحصول على أمان النظام ومكاسب مادية منه والمحافظة على مناصبهم.

3- الأحزاب: -

وهي المكونة من أشخاص سياسيين يتعاملون مع المجتمع المدني والمجتمع السياسي وعليهم العمل لمصلحة الشعب والوطن وليس لمصلحة الحاكم وأعوانه. وكل حزب ليس بالسلطة هو معارض يعمل من أجل الوصول إلى السلطة وجذب الجماهير إليه بالعمل السياسي المعارض، وقد تكون هذه الأحزاب في الأنظمة الديكتاتورية هي أحزاب رخوية ذات طابع غير سوي لا تفعل فعل المعارضة الحقيقية فتكون للأسف مساعدة للمستبد أن يستمر في ظلمه واستبداده. فعليهم فهم دورهم الحزبي والسياسي كجزء من المجتمع السياسي بالدولة.

-      نقاط القوة: -

الثقافة والوعي اللذان تتمتع بهما النخبة هما قوتهم الأساسية التي عليها يعول طرفي الصراع (الثورة والنظام المستبد) وبسبب هذا يتمتع بجانب من المصداقية أمام الشعب ويكون عامل مساعد لهم في التوعية والتثقيف إن كان على صدق. فتكون ثقافته فائدة للشعب وللثورة في توعية الثوار وإعطائهم خبرات قراءاتهم للتاريخ والأحداث السابقة وكيفية الاستفادة من ضعف النظام واستغلال قوة الوحدة الثورية وأساليب التوعية للشعب واكتساب ثقتهم من أجل إنجاح الثورة.

-نقاط الضعف: -

تكمن نقاط الضعف في النفوس حيث ما يستغل من أجل المصلحة الشخصية والحصول على مكاسب وليس النظر إلى المصلحة العامة. فمن المثقفين والنخبة من يستغل علمه ومعرفته للحصول على مكاسب مادية والاستفادة من النظام وفساده. فيكون الحاكم من السهل عليه استمالتهم بالرشوة والمناصب والفساد ويحدث هنا عدم قدرتهم على المعارضة بل يكونوا معاونين للظلم وترسيخه.

لذا هنا يتوجب على المجتمع المثقف والنخبة المثقفة أن تعي أن دورها في الدولة تاريخي إما إصلاح أو إفساد فمعاونتهم للثورة والشعب يساعد على القضاء على الظلم والفساد أما معاونتهم للظالم يساعده في فجره وجوره بل وبهم يكسب الشرعية ويستطيع التخلص من المعارضين والثوريين.

فدورهم التوعوي والثقافي هو موجه للجماهير لاحتضان الثورة والوقوف خلفها كظهير شعبي يحمي ظهرها من الانقلاب عليها ومساعدها للتخلص من الفاسدين والظلمة ومن قلبوا النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي والقانوني لمصلحتهم الشخصية ومن ثم مساعدتها في بناء النظام الديمقراطي المدني الذي يؤسس لحياة سليمة تطبق العدل والمساواة والحرية ويكون لكل فرد حقه. فهم جزء من معركة الوعي بجانب الثوار لتوعية الشعب وجعل الشعب حائط صد قوي وموحد وصامد وظهير شعبي للثورة يحميها من الانقلاب عليها بل ويكون مساند لها لا يسير وراء شائعات وتخوين الطغاة للثوار والمعارضين ولا تتفكك هذه الوحدة بسبب الأزمات المفتعلة من قبل المستبدين لكي يفقدوا الثورة هذا الظهير فلذا عليهم توعيتهم جيداً حتى لا تذبح الثورة.

ويكون ميزانهم هو الضمير السياسي لديهم الذي يجعلهم مخلصين للوطن ويحثهم على مواجهة الاستبداد والفساد وعدم الانصياع له والدخول في دهاليزه بالموالاة له.

ومن ضمن النخبة يكون الإعلاميون والصحفيون الذين إما يكونوا أداة في يد الطاغية يزين به صورته ويهللون له ويشوهون صورة من يعارض المستبد أو يكونوا عين الشعب لكشف الفساد وفضحه وتعريته أمام الجميع ويكون دورهم نشر الوعي والتوعية السياسية وحقوق المواطن.

وللحديث بقية في السلاسل القادمة


أسباب نجاح الثورة ج 2 (الثوار)



نتابع سوياً الإعادة لنشر سلسلة أسباب نجاح الثورات ومناقشة أسسها وكيفية الوصول إلى الدولة المدنية
 وبعد أن ناقشنا الثورة وفكرتها نصل إلى الضلع الأول في الثورة

الثوار

الثوار هم نواة الثورة وقلبها وهم من يحاول الحفاظ عليها في قلوبهم وعقولهم ويطبقون فكرتها داخلهم ولم ينجرفوا مع الإغراءات والفساد ولن أعمم وأدعي أن كل من اشترك في الثورة أو في الموجات الثورية قبلها أو بعدها هم فعلاً يستحقون لقب ثوار وإنما الأغلبية هكذا. فهؤلاء يشكلون الكتلة الثورية للثورة.

وذلك لأن الاشتراك وحده لا يكفي فقد يكون الاشتراك من أجل حزب أو جماعة تأمر وتنهي على الفعل أو يكون بسبب انتظار الفرصة السانحة من أجل الحصول على مكاسب مادية وقد حدث هذا أو ذاك مع البعض ممن اشتركوا وانجرفوا وراء مصالحهم وخانوا مبادئ الثورة وأهدافها ودافعوا عن القتل والفساد والظلم والاستبداد سواء الديني أو العسكري.

ويجب أن يتحلى الثائر بأفكار الثورة وأخلاقها وليس مجرد ناقم على الأوضاع فقط فكل الشعب وقت الثورة يكون ناقم وقد يتحرك منهم البعض مع الثوار. ولكن الثائر الحق هو من يعي جيداً المبادئ والأخلاق الثورية ويتحلى بها. فالفارق بينه وبين المواطن العادي الناقم هو أساس ومبادئ التحرك والفكر الثوري. فالفرد أو المواطن العادي يتكيف مع الفساد السياسي ولا يتحرك إلا للأزمة الاقتصادية وبعد أن تطغى عليه وتطحنه وقد يتحرك بسبب الأزمة الاجتماعية بعد أن تنفجر وتتفاقم أما الثائر يتحرك من قبله بفترة بسبب الأزمة السياسية التي ينتج عنها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والقانونية وغيرها.

أما المبادئ التي يتوجب على الثائر أن يتحلى بها هي على سبيل المثال لا الحصر: -

1-   التعامل السياسي بمصداقية دون تحيز.

2-   العدل.

3-   المساواة.

4-   الوعي الثقافي والسعي للتعلم.

5-   تقبل الآخر.

6-   النقد الذاتي للنفس.

7-   المحافظة على الآداب العامة ليكون صورة جيدة للثورة والثوار في محيطه.

8-   نصرة الضعفاء والمظلومين رغم الاختلاف معهم.

9-   عدم التكبر أو التعالي على الشعب بعلمه وثقافته بل التقرب منهم وتوعيتهم.

10-الثبوت على المبدأ الثوري وليس الحلول الوسط.

ولكن كثيراً ما نجد أن هذه المبادئ ليست متوفرة عند جميع الثوار ومنهم من يتصنعها ولكن في النهاية يظهر كلاً على حقيقته ولكن بعد تدهور الأحداث مع الأسف فيكون من الأفضل أن تحافظ المجموعات والكيانات الثورية على نفسها من هؤلاء الأفراد لأن في النهاية ستعاب الثورة وليس الأفراد الفاسدين.

ومن الواضح أن كل عنصر من عناصر الدولة (الثوار، الشعب، النظام، المثقفين) يمتلك نقاط قوة ونقاط ضعف تؤثر وتساعد في تحركاته ومن هنا سنرصد هذه النقاط وكيفية استغلالها وعدم الإخفاق فيها.

- نقاط القوة: -

أ- التنظيم والوحدة: -

كان دائماً وأبداً يمتلك الثوار على مر التاريخ العنصر الأساسي في إنجاح الثورة ألا وهو التنظيم والقيادة والوحدة في الصف الثوري والشعبي. فالوحدة على هدف وعمل تنظيمي بإرادة قوية تستطيع أن تسقط أقوى الأنظمة الديكتاتورية والإمبريالية بقوى ناعمة وسلمية وبثورات بيضاء غير دموية تؤدي إلى تحقيق الهدف بقوة وإجبار النظام والسلطة إلى النزول على رغبة الشعب الثائر.

ب- النزعة الأخلاقية: -

من نقاط القوة أيضاً هي النزعة الأخلاقية لدي الثائر الذي يرفض الظلم والاستبداد على أي أحد من الشعب بل يعمل على منع هذا غير الأخلاق الثورية التي تجعله داعم للعمل الثوري والجماعي والوحدة ضد الاستبداد.

ج- القوة العددية: -

نقطة أخرى لقوة الثورة والثوار هو القوة العددية التي تأتي نتيجة الحشد الثوري للجماهير الشعبية التي تشكل ظهير شعبي للطليعة الثورية، والتي انضمت للطليعة نتيجة للضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية عليها من النظم المستبدة والفاسدة. فتستطيع القوة العددية اسقاط الأنظمة المستبدة مع وجود التنظيم الثوري والوحدة الشعبية.

فعدم وجود القيادة والتنظيم يؤدي إلى تلقف الأحزاب والسياسيين للثورة واستخدامها لمصلحتهم، وعدم وجود الوحدة تؤدي إلى تفتت الثورة واختراقها وضياعها بين أرجل الفاسدين.

- نقاط الضعف: -

غالباً ما تكون المجموعات الثورية منغلقة على نفسها لا تتواصل بشكل كبير مع الشعب وهذا لعدم الثقة فيه بسبب القمع الاستبدادي والتخوف منه ومن أساليبه العفنة ولكن هذا يؤدي إلى ازدياد الفجوة بين الشعب والثوار خصوصاً لو كان وعي الشعب قليل فسيكون سهل الانقياد وراء دعايات النظام الفاسد.

لذا على الثائر أن يكون دائماً قريباً من الشعب حتى لا يكون الشعب سهل الانقياد من قبل النظام الفاسد ومحاولة تثقيفه وتوعيته بحقوقه وواجباته وكيفية فهم الأزمات السياسية وأبعادها وتأثيرها ونتائجها من أزمات اجتماعية واقتصادية وفساد في الدولة. فابتعاد الثوار عن الشعب يقود إلى عدم شعور الشعوب بأفراد الثورة بأنهم يمثلوهم وأنهم خرجوا وثاروا من أجلهم وسيكونون بهذا عبارة عن قطعة مستساغة سهلة في أيدي الديماغوجيين للسيطرة عليهم وتسلقهم والحصول على السلطة بل سوف يكونوا أداة سهلة في أيديهم للقضاء على الثورة مثلما حدث في الثورة الرومانية 1989 وعاد أعضاء النظام القديم للحكم رغم إعدام تشاوشيسكو وخلفه أحد وزراء حكومته وكان أليسكو وزيرا في حكومة تشاوشيسكو، وقاد جبهة الإنقاذ التي أدارت البلاد بعد اندلاع الثورة من مدينة تيميسورار غربي رومانيا في ديسمبر/ كانون الأول عام 1989. وأصبح رئيسا مؤقتا لرومانيا لمدة شهر، وانتخب رئيسا للبلاد عام 1990 ثم تولى الرئاسة لفترة تالية من 2000 إلى 2004. وكما حدث في الثورة التشيلية 1973 وانقلاب بيونشيه على الرئيس المنتخب الليندي بعد افتعال الأزمات. فالمعركة ليست مع النظام فقط وإنما هي معركة توعية الشعوب أيضاً، فلابد أن يحاول الثوار السعي في الاتجاهين.

وتكون باستخدام دوائر المعارف الخاصة والعامة ومحاولة تعزيز فكرة الثورة على الظلم داخل أفراد المجتمع.

وعلى الثوار التثقيف المستمر لأنفسهم في كل المجالات لاستخدام علمهم عند نجاح الثورة، والتعلم من أخطاء الآخرين وكيفية تفادي الالتفاف على الثورة حتى لا تموت وتنتهي كما كان من الممكن أن يحدث في مصر 2011 وحدث في سوريا 2011 وليبيا 2011 ومن قبلهم في تشيلي 1973 وغيرها من الدول التي التف فيها أعضاء النظام القديم على الثورة وعادوا إلى السلطة مرة أخرى ولم تستطع إلى الآن أن تحقق أهدافها ولازالت تحاول ومنها من تأخر حتى عادت الروح الثورية ونجحت في تحقيق أهدافها، ومنها من تحول إلى حرب أهلية كما حدث في سوريا والصومال.

وعليهم العلم بأهداف الثورة الحقيقية وتحديدها وماذا سيحدث وكيفية حدوث الثورة وخطواتها والاستفادة من أخطاء الماضي بالثورات الأخرى لتفادي هذه الأخطاء. وكيفية هدم الفساد وبناء الدولة من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتعريف الشعب بأفكارهم ليساعدوهم ولا يقفوا ضدهم.

ويجب أن يعي الثائر أن الثورة لن تحقق أهدافها وتؤدي إلى النتائج المرجوة إلا في حالة نجاح الثورة وتحكم هي بأبنائها الثوار لتحقيق مرادها وهو إعطاء الإرادة للشعب وتحقيق آماله وتطلعاته في الرخاء والعدل والمساواة والحرية وتكون هذه الأهداف محل التنفيذ فعلاً وعدم التعفف عن السلطة.

أما في حال عدم حكم الثورة تكون هنا الثورة في موضع إما الحفاظ على كينونتها الثورية والمعارضة الثورية حتى لا تسقط وتنتهي الفكرة أو ستكون في مهب الريح ومحاولات التخلص منها حتى لا تكون عائق في عودة الاستبداد وتكون دائماً هذه هي الحالة التي تحدث إذا لم تحكم الثورة. فلم يأتي حاكم من خارج الثورة وحكم دولة بعد ثورة كبيرة إلا وقضى على أفراد الثورة حتى لا يثوروا عليه ويستطيع الانفراد بالسلطة هذا غير أن الاحتمال الأكبر هو أن يأتي الحاكم من ظهر النظام القديم التي قامت عليه الثورة وسيقوم بتصفية كل الكيانات الثورية ووصمها بالتهم واعتقالها حتى يتسنى له حماية نظامه والسيطرة على السلطة وهذا حدث في مصر 2011 ورومانيا 1989 وتشيلي 1973.

ويكون هذا نتيجة لعدم وعي أعضاء الثورة بالثورات السابقة وتجارب الآخرين وأنهم لم يقتربوا من الشعب ولم يحاولوا كسب ثقته وتوعيته وتثقيفه بل تركوه لقمة سائغة في أيدي الإعلام والمنتفعين والمتلونين.

وعلى الثوار السعي الدائم لبناء الرأي العام الجماهيري وفهم سيكولوجية الشعب مع التخطيط الجيد والمحافظة على سلمية الثورة. هذا مع عدم إثارة نعرات العرقيات أو القوميات أو الطوائف بل العمل على إذابة الجميع في بوتقة واحدة وهي الوطن والعمل جميعاً من أجله وليس تفتيته.

ويجب على الثوار الذين يقودون الثورة واللذين يكونون أهل ثقة لدى الشعب والمؤيدين للثورة عدم الاستماع إلى المنهزمين واليائسين والمفككين للثورة لإحباطهم حتى لا يكون ذلك خذلان للشعب وآماله بعد أن كانوا دافعين له للتغيير.

وأيضاً على الثوار عدم التقديس لشخصية بعينها أو جعلها أيقونة حتى لا يستغل الثورة لمصالحه أو لا يأتي اليوم وتضيع الثورة بسبب مواقف هؤلاء الأشخاص سواء بسبب ضعفهم أو تخاذلهم أو بسبب تقديسهم الشديد فيجعل من بعض الثوار غير متقبلين لمعارضتهم فتكون النتيجة الانقسام الثوري وفرصة للاستبداد للعودة إلى السلطة وإجهاض الثورة.

وكما تحدثنا في نقطة الثورة عن الاستمرار في الثورة إلى نهاية المطاف وعدم الكل من الوقت مهما طال وعدم قبول الثوار بالحلول الوسط أو التصالح مع النظم المستبدة فيجب عليهم التمسك بالمبادئ الثورية بإسقاط النظام المستبد كاملاً ومحاسبته.

وللحديث بقية في السلاسل القادمة

أسباب نجاح الثورات (ج1)



لإنجاح أي ثورة لابد من معرفة عناصر القوة لدى الثوار واستغلال عناصر الضعف لدى النظام الحاكم. هذان عاملان أساسيان في نجاح أي ثورة وتمكين الثوار من الحكم. بالإضافة الى معالجة نقاط الضعف لدى الثوار وهنا نتوقف عند مشكلة الوعي والثقافة لدى الفئات الاجتماعية المختلفة وانعكاسها على نجاح الثورة أو فشلها.

وسنرى نقاط القوة والضعف في الثورة سواء لدى الشعب أو النظام أو الثوار أو النخبة المثقفة وكيف لم يكن أصحاب الوعي المثقفين والنخبة على مستوى الثقافة التي تجعلهم قيادات قوية في الثورة ولم يحاولوا سد فجوة الفراغ الثقافي لدى الشعب، حتى أن الثوار أنفسهم لم يحاولوا بل زادوها مجبرين بسبب الأحداث.

وعوامل نجاح الثورة وتوضيح أفكارها وحضاريتها وأن الثورة فكرة لا تموت والأفكار دائماً أقوى من القوة الاستبدادية وتقف أمامها كسد منيع مهما طال وقت الظلم ومهما تأخرت الثورة فهي موجودة وستنجح يوماً ما.

الثورة

 

في البداية علينا أن نعرف ما هي الثورة وأهدافها لكي نستطيع استيعاب كيف تنجح والعمل على إنجاحها كعمل إنساني.

فالثورة هي عمل إنساني وتحرك شعبي جماعي من كل أفراد الشعب وطوائفه على اختلاف أعراقها وديانتها ويكون هذا التحرك بناء على أسباب مختلفة سياسية واقتصادية واجتماعية وانتفاضة من الشعب على ممارسات الأنظمة القمعية الاستبدادية من أجل إحداث التغيير المطلوب في نظام الحكم لصالح الدولة.

وتحدث هذه الانتفاضة بعد كسر الشعب لحاجز الخوف والإقدام على التحرك ضد النظام المستبد والتوحد الشعبي ضده.

وتكون أهداف الثورة من أسباب ودوافع حدوثها فالثورة تكون من أجل إزالة الاستبداد السياسي وإقامة الحريات السياسية والمساواة الاجتماعية والتوزيع العادل لرأس المال وتطبيق العدل والقانون على الجميع دون تفرقة. وهذه هي المبادئ الثورية العامة التي تقوم من أجلها الثورات مع اختلاف الأسباب الفرعية التي تختلف من دولة إلى أخرى.

وعلى الثورة أن تمتلك تنظيم وقيادة ثورية وشعبية منها ولا تتمثل في فرد بعينه حتى لا يستبد بها في وقت من الأوقات وأن لا تكون في نفس الوقت بلا تنظيم أو قيادة حتى لا تضيع بين أرجل المستغلين كما حدث في مصر 2011 التي لم تحقق أهدافها حتى الآن وفي رومانيا 1989 التي تأخرت سنوات للنجاح، فالثورة المصرية رغم توافق الثوار في ائتلاف شباب الثورة في البداية وكان هذا الائتلاف يصدر البيانات والمنشورات يتجمع حولها الجميع في أنحاء مصر ويخرج المتظاهرين في مدن مختلفة لتلبية نداء المليونيات ولكنه لم يتوافق على زعيم للثورة أو مجموعة تصل للحكم وهو شيء ضروري. فبهذا تستطيع أن تصل إلى النجاح والسيطرة على مؤسسات الدولة لتحقيق مبادئها وأهدافها. وهذه القيادة تفرز من داخل الثورة وقت حدوثها أو أثناء بدايتها مع الاعتصامات والاحتجاجات.

ومن العوامل المهمة لتحقيق النجاح أن توضح الثورة موقفها وتظهر أهدافها أمام الشعب وأمام العالم كله لتنال الثقة الداخلية والخارجية، فكل من بالداخل والخارج يريد الاستقرار ولا يريد زعزعته مهما كان نظام الحكم غير سوي في هذه الدولة. فتوضيح أهداف الثورة ببياناتها المتتالية يجعل منها محط اهتمام وإظهار لحضاريتها وسلميتها وعدم تبني الثورة للعنف.

ويجب أن توضح الثورة للشعب أنها لا تريد إسقاط الدولة بل تريد إسقاط نظام الحكم وتغييره وشتان بين الاثنان. ففارق كبير بين الدولة والنظام الحاكم المستبد الذي يدير الدولة لمصلحته وليس لمصلحة الشعب الكادح بل يعمل على مص دمائه وأمواله.

وتقوم الثورة بإسقاط النظام الحاكم بإزالته عن الحكم ومحاكمته ثورياً هو وأعضاء حكومته وكل معاونيه وليس إزالة رأس النظام فقط حتى لا يلتف ذيل النظام على الثورة ويخنقها ومن ثم إعادة بناء الدولة بنظام حكم قائم على مبادئ الثورة ويحقق أهدافها الثورية ويبني الدولة المدنية والديمقراطية. فإن التغيير يكون جذري ولا يجب الرضا بحلول الوسط حتى لا يحدث التفاف على الثورة.

ويجب أن يعي الجميع أن الثورة وأفكارها تبقى داخل الفرد الثوري والشعب أبد الأبدين مهما زاد القمع ومهما طالت مدة الاستبداد والطغيان ومهما تأخر نجاحها وزادت محاولات خنق الحالة الثورية داخل الشعب الثائر فبعد سنوات الالتفاف ومحاولات الإجهاض تعود الثورات لقوتها بعد الاستفادة من أخطائها وتنجح كما حدث في رومانيا 1989 وحدث في تشيلي ونهاية حكم الديكتاتور بيونشيه 1990 ومحاكمته. وعليه يجب على الجميع خاصةً الثوار أن لا يملوا من الوقت أثناء الثورة وعدم استعجال تحقيق أهدافها حتى لا يؤدي هذا إلى فشلها والاستمرار حتى النهاية بإسقاط النظام كاملاً.

ويجب أن يعي الجميع أن الثورة عندما تقوم لا يعني هذا أنها تحقق مآربها في الوقت واللحظة بل يحدث لها انعطافات وانكسارات وهبوط حتى ينمو الوعي الثوري والشعبي بدرجة كاملة ومن هنا تبدأ المرحلة الثورية الحقيقية والقوية لتحقيق أهداف الثورة، وقد تأخذ هذه المرحلة بعض الوقت حتى أنها قد تصل إلى عدة سنوات لا تقل في المجمل عن عشرة سنوات وقد تصل إلى العشرون عاماً. وهذا ما حدث للثورة الفرنسية والرومانية مثلاً اللذان لم يحققها أهدافهم إلا بعد مرور سنوات عدة.