نظم وأشكال الحكم (الديكتاتورية العسكرية ج 1)

 

الديكتاتورية العسكرية



نتابع ما بدأناه بالحديث عن أشكال الدول، والتي بدأناها بالحديث عن الدولة المدنية وأسس تكوينها

هي نظام الحكم الذي يكون المسيطر فيه بشكل مطلق الجيش والسلطة العسكرية على النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية.

ويتحكم فيها الجيش بالدولة ولا يسمح لأحد غيره من مؤسسات الدولة بالتصرف في أي قرار إلا تحت إمرته.

ولأن الجيش صاحب القوة العسكرية هو من يحكم هذه الدول فتكون أكثر وأشد نظم الحكم عنفاً وقسوة، ويكون متحكم بكل مؤسسات ومقدرات الدولة بالعنف والإكراه، ولا يعطي فرصة للمحاسبة أو المراقبة بل يكون بطشه قوياً مع أي معارضه له.

ويكون في هذا النظام الحكام من رئيس الدولة والوزراء والمسؤولين الفعليين بشكل مباشر أو غير مباشر من العسكريين الذين يحملون رتب عسكرية، ويضعون القوانين العسكرية الصارمة القاسية لإدارة البلاد.

ويصل الجيش للحكم في هذا النظام بانقلابات عسكرية على حكومات شرعية أو ملكية أو جمهورية منتخبة. وهذا ما حدث في الانقلاب العسكري في الأرجنتين على ايزابيل بيرون عام 1976، انقلاب 1936 في اسبانيا، انقلابات البرازيل في 1930، 1964، الانقلاب العسكري باليمن 1955، الانقلاب العسكري في مصر 1952، 2013، انقلاب ليبيا 1969، انقلابات سوريا 1951، 1954، 1961، 1963، 1966، 1970، العراق 1968، بولندا 1926، والقائمة طويلة.

والانقلاب هو حركة مفاجئة تحدث على الحكومة الحالية لتنحيتها جانباً والسيطرة على مفاصل الدولة وعادة ما يفعلها الجيش والعسكريون لذا يكون الجيش هو أكثر من يرفض مصطلح الانقلاب ولا يعترف به.

وقد يحدث أن يقوم الجيش بحركة انقلابية ولكن لدعم الديمقراطية على أثر ثورة شعبية مثلما حدث بالسودان 1985 مع المشير عبد الرحمن سوار الدهب الذي تقلد السلطة ولكنه سلمها عام 1986 لحكومة الميرغني المنتخبة من الشعب.

وقد يحدث أن الجيش الذي نفذ انقلاب لا يتولى السلطة بشكل مباشر ويسلمها للمدنيين، ولكنه يكون مسيطر عليهم بشكل كامل، وهنا يسمى البريتوريانية التي تعني السيطرة للجيش على الحكومة المدنية وعلى كل قراراتها السياسية والإدارية بشكل عام بالدولة مثل نظام الحكم في سوريا.

ويستخدم قادة الجيش في الانقلاب الأسلوب الديماغوجي لاستعطاف الجماهير بالخطب، والشعارات الرنانة واللعب على مخاوف الشعوب من أجل تقبلهم الحكم حتى وإن وصل الجيش لأقصى قسوة معهم.

أسس الدولة العسكرية

لهذا النظام أسس قد تكون الأقسى، والأقوى في نظم الدول حيث أن الجيش وأعضاءه الذين تولوا السلطة يتحكمون بالدولة ولا يعطون فرصة الوصول لأحد غيرهم لأي منصب، ويصل الأمر بهذا إلى الفساد لعدم وجود تداول سلطة أو معارضة أو مراقبة عليهم أو محاسبة، هذا غير استخدامهم للعنف للبطش لكل معارض بشكل وحشي.

وتكون فيه السلطة العسكرية للجيش والشرطة صاحبة اليد الطولى بالدولة، وتمارس القمع بشكل علني ووحشي.

1- لا يوجد تداول للسلطة: -

تسيطر الطغمة العسكرية على الحكم وتمنع تداول السلطة أو حدوث انتخابات حقيقية، فإن حدثت هذه الانتخابات تكون صورية ومليئة بكل أشكال الرشاوي والتزوير العلني وبدون أدنى رقابة. لكي يظل العسكريون من الجيش مسيطرين على السلطة.

ويظل قائد الانقلاب على رأس هذه السلطة حتى موته، ومن يليه يكون من نفس الطبقة العسكرية المسيطرة على مقاليد الأمور. وهذا ما حدث في سوريا بعد موت حافظ الأسد 1990، وفي مصر عند موت جمال عبد الناصر 1970، وبعد موت السادات 1981.

2- الديماغوجية: -

هي اللعب على مخاوف الشعوب من الإرهاب أو الاحتلال أو الفوضى، وهذا ما يستخدمه عادة قادة الانقلابات والحكام العسكريين، ويستخدمونه في لغتهم وشعاراتهم وخطاباتهم السياسية من أجل تملق الشعوب بطريقة عاطفية أو تخويف من أي بديل غير سيطرة الجيش والعسكريين على السلطة.

ودائماً ما نجد هذه الخطابات بعيدة عن المنطق الذي يحث على التفكير بل تكون مجهلة للشعوب ومعتمدة على التضليل والوعود الكاذبة وجهل الشعوب، ويكون مبهم وعاطفي والغرض منه ترويج الأفكار التي يؤمن بها الانقلابيون ويطرحون فيها مقدمات تقود لنتائج هم فقط الذين يرونها.

بل وتكون خطابات عاطفية تحض على العنصرية والكراهية لمن يخالف فكر قائد الانقلاب، وتحمل رسائل التحذير للمخالفين، والأمر للمؤيدين. وهذا نجده في خطابات عبد الناصر قائد انقلاب 1952، السيسي قائد انقلاب 2013 في مصر، صدام حسين في العراق، القذافي في ليبيا، ماو تسي تونج بالصين.

3- إضعاف الحياة السياسية: -

تعمل الدولة الديكتاتورية العسكرية على إضعاف الحياة السياسية، وإنهائها بشكل أزلي من أجل التحكم بالسلطة دائماً وأبدا، وهذا عن طريق قتل الوعي السياسي بالشعوب، وقمع الممارسة السياسية التي تضعف الوعي السياسي لدى المواطن. وبالتالي يظل المواطن والشعب ككل لا يرى حاكم أو أحد آخر غير قائد الانقلاب والجيش ككل هو فقط من يصلح للسلطة ولا يوجد غيره.

4- الاستبداد ومنع حرية الرأي: -

لا يقبل الانقلابيون العسكريون أي معارضة، وبالتالي يمنعون حرية الرأي والتعبير وتعتبر عندهم من المحرمات، ولا ينفكون في قتل المعارضة وكل من تسول له نفسه التعبير عن رأيه بأي وسيلة.

وهذا لمنع الوعي السياسي، ومنع فضح ممارساتهم القمعية وفسادهم السياسي والاقتصادي.

5- هزلية البرلمان والسلطة التشريعية: -

يجعل قادة الجيش عند الانقلاب السلطات التشريعية مجرد صورة ليست إلا، وليس لها القدرة على ممارسة سلطتها الحقيقية بمراقبة السلطة التنفيذية التي بيد الجيش أو التشريع لقوانين تكون في مصلحة الدولة.

بل يصل الأمر أن يكون أعضاء السلطة التشريعية معينين بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق انتخابات صورية يتم فيها التزوير من أجل أعضاء يسيطر عليهم قادة الجيش والعسكريين.

وذلك من أجل ضمان كرتونية البرلمان التشريعي وهزلية الرقابة، وضمان البقاء والقبض على السلطة دون أي مشاكل للجيش المسيطر على مفاصل الدولة، وتمرير القوانين التي تصب في مصلحة قادة الجيش والانقلاب.

6- التحالف مع رجال المال والفساد: -

يتحالف رجال الجيش والسلطة العسكرية مع رجال المال من أجل إشباع رغبتهم في المال الذي يستطيعون التحصل عليه بجرة قلم، وسن القوانين المناسبة لهم، ولأعمالهم الفاسدة، وجشعهم المادي بعد حصولهم على السلطة والنفوذ.

فمع سيطرة السلطة العسكرية على الدولة ومقدراتها وممتلكاتها يتعامل قادة الانقلاب على أن كل شيء ملكهم ويمكن بيعه وشراءه حتى لو كان تاريخ الدولة نفسها.

ولعدم وجود رقابة أو محاسبة لهم يتحالف رجال السلطة العسكرية مع رجال الأعمال والمال الفاسدين من أجل عمل مشاريع تخدم مصالحهم فقط ولا تخدم الدولة. ويتم على هذا تمرير القوانين والخدمات المجانية أو المخفضة لهؤلاء الفاسدين من العسكريين ورجال المال من أجل مصالحهم.

7- السيطرة على رجال الدين واستخدامهم: -

يسيطر قادة الانقلابات على رجال الدين لجعلهم يصدرون الفتاوي والتبريكات التي بها يسيطرون على عقول السذج من الشعب من أجل تمرير مواقفهم وقراراتهم وأصباغها صبغة دينية تجعل من الشعوب تتقبلها حتى لو وصل الأمر إلى تحليل القتل والظلم والاعتقال. وهذا دائماً ما يحدث بعد الانقلابات العسكرية.

 

وللحديث بقية في السلاسل القادمة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم