نتابع ما بدأناه بالحديث عن أشكال الدول، والتي بدأناها بالحديث عن الدولة المدنية وأسس تكوينها
تعني
الدولة ذات الطابع الديني وحكم رجال الدين باسم الله وتحكمهم بالقرارات السياسية
والاجتماعية والاقتصادية بالدولة، ويحكم فيها على أن كل قرار هو قرار إلهي لا يمكن
النقاش أو الجدال أو حتى التفاوض به. بل يتم العمل به حتى لو كان خطأ. فيكون الحكم
الثيوقراطي ليس حكم الدين فقط وإنما حكم رجال الدين باسم الدين وباسم الله لمنع
المعارضة وكبت الحريات.
ويكون
فيها الحاكم مولى من الله وقراراته دينية لا تقبل النقاش لأنه يحكم باسم الله فلا
يمكن أن يكون خطأ، ويكون مسيطر على قرارات الدولة بطريقة كهنوتية.
فيقول
الكواكبي: -
(لا من
مستبد سياسي إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك بها الله أو تعطيه مقاماً ذا علاقة
بالله..).
وظهر
المصطلح من يوسيفوس فلافيوس أو يوسف بن ماتيتياهو الروماني الذي سطر التعريف على
أساس ما رآه كونه يهودي من مواليد أورشليم من نظام حكم اليهود الذي يرجع كل شيء
إلى التوراة، وأن الحكم يكون باسم الله لا جدال فيه.
وحدث
أن حكمت به بعض البلدان مثل الصين القديمة وقت مملكة تشانغ، حكم العصور المظلمة في
ممالك أوروبا وسلطة الكنيسة عليها، فلورنسا
الإيطالية أثناء فترة حكم الراهب الدومينيكاني جيرولامو سافونارولا، المملكة المتوكلية باليمن.
وبالعصر الحديث يوجد دول تحكم بحكم ثيوقراطي مثل: -
1- الفاتيكان: -
التي يكون فيها البابا حاكم
مدى الحياة ومفوض عن الله بالأرض.
2- السعودية: -
وحكمها ملكي مطلق فوق دستوري
لا يوجد فيه أدنى أنواع الحرية أو التعبير عن الرأي أو حتى مجلس تشريعي بل مجلس
شورى لا رأي له، وأي معارضة للملك تعتبر خروج على الحاكم وتستوجب القتل تحت مسمى
الشرع الذي هو بريء من هذا.
3- أفغانستان: -
وكانت تسيطر عليها حركات
إسلامية متشددة، وتحكم بالحديد والنار، وتفرض سيطرتها على الناس رغماً عنهم بقوة
السلاح، وتطبق أقسى أنواع العقوبات باسم الشريعة التي هي بعيدة عن هذه الأفكار.
4- إيران: -
الحكم فيها ثيوقراطي من
الدرجة الأولى حيث أنه يوجد فقيه إسلامي يحكم ويسيطر على قرارات الدولة وهو المرجع
للرئيس، مع مجلس خبراء يحدد من يستحق الترشح للرئاسة ومراجعة التشريعات إن كانت
تطابق مع الشريعة أو لا.
5- الكيان الصهيوني (إسرائيل): -
هي الدولة المحتلة لأرض فلسطين، وتحكم بالشريعة اليهودية في كل نواحي الحياة بصورة شبه مدنية في بعض الأحوال، حتى أنها تحرم بعض المأكولات وبالتالي ممنوع تداولها بالأسواق أو وجودها بالمطاعم، وإن نشأتها في الأساس قائمة على أساطير توراتية.
أسس الحكم الثيوقراطي
رغم أن
الحكم الثيوقراطي حدث على أكثر من فترة زمنية وعلى تفاوت وفي أماكن مختلفة وباسم
أديان مختلفة إلا أنه لا يختلف عن بعضه في شيء، حيث أن الأساس فيه واحد ولا يتغير.
1- الحكم باسم الله: -
يكون
الحاكم فيه يتعامل على أنه مفوض من الله في الأرض ويحكم باسم الله، وأن رأيه أمر
إلهي غير قابل للنقاش، وأنه يعلم ما لا يعلمه غيره.
2- عدم وجود رأي آخر: -
الحاكم بهذا النظام كما ذكرنا بالنقطة السابقة يحكم باسم
الله، وبالتالي لا يقبل أي نوع من أنواع الرفض أو النقاش أو الجدال. لذا لا يتكون
أي مجالس تشريعية أو استشارية، وإن وجدت يكون وجودها وكأن لم تكن في الأساس.
وأي أحد يرفض قرار الحاكم ويعبر عن رأيه يعامل كأنه خرج
من الملة، ورفض أمر الله لأن الحاكم مفوض من الله ويحكم باسمه. لذا لا يوجد فيها
أدنى أنواع حرية الرأي أو التعبير.
3- حكم بالشرع بطريقة متشددة: -
تتحكم
الشريعة على حسب الديانة التي يطبق بها الحكم في الدولة الثيوقراطية في الحياة
بالدولة الاجتماعية منها والسياسية، بل ويصل الأمر إلى التشدد وتطبيق قوانين لا
توجد بالشريعة نفسها. وهذا ليس إلا لمنع الخروج على الحكام وأمره الإلهي.
فالحكم
في هذه الدولة يكون للشرع والدين في كل نواحي الحياة بطريقة متشددة وصارمة لا يوجد
بها أدنى عقلية أو رحمة، وتكون بأحكام تتعدى الشريعة نفسها كما يحدث بالسعودية
وإندونيسيا بالحكم بالجلد يصل إلى 500 جلدة لمجرد الخروج لمناطق ممنوعة وهذا ليس
له أساس بالشريعة الإسلامية.
وأن
المرجعية الدينية إذا طبقت لا تصل بالدولة إلى الثيوقراطية طالما لم تتخطى أحكام
الشرع وليس بالتشدد بشرائع خارج منهج الشريعة.
4- سلطة رجال الدين: -
في هذا
الحكم تكون سلطة رجال الدين قوية جداً لدرجة تحكمهم في القرارات السياسية
والاقتصادية بل وتصل إلى التحكم في مجريات الحياة الاجتماعية وإجبار الناس على
أمور يراها رجال الدين على أنها ملزمة، فيقوموا بإلزام الجميع بها وكبت أي مجال
للحريات والحقوق الشخصية.
5- العنصرية الدينية والمذهبية: -
تتزايد
في هذه الدول ذات الحكم الديني النزعة الدينية وتصل إلى العنصرية مع أصحاب الأديان
الأخرى ويتشدد في وجودهم وممارسة معتقداتهم، بل يصل أمر التشدد مع نفس دين الدولة
إذا كان الخلاف مذهبي فيتم التضييق عليه.
6- التكفير: -
يعتمد
هذا النظام اللغة التكفيرية لكل من خالفه الرأي وعارضه لأنه يظهر أن كل حكمه من
عند الله ومن الشرع، فيكون كل مخالف له هو كافر، ومخالف لأحكام الله. وهذا حدث في
السعودية وباكستان وفي أوروبا بالعصور الوسطى.
7- لا وجود لتداول السلطة: -
مترتباً على ما سبق، ولأن الحاكم إما أن يكون خليفة الله بالأرض أو أنه من طبقة الكهنوت الدينية التي تحكم باسم الدين فلا يوجد تداول للسلطة أبداً ويستمر الحاكم على كرسي السلطة قابضاً عليه لحين وفاته، ثم يخلفه شخص من نفس طبقة الكهنوت ورجال الدين المسيطرين على الدولة أو من يتبعهم، لمنع خروج السلطة الأزلية من أيديهم.
يتضح هكذا أن الحكم الثيوقراطي هو حكم متشدد يفرض رأيه فقط، لأنه يعتبره منزل من عند الله،
ولا يقبل النقاش فيه، ويتعامل مع الشعب وكأنهم مسيرين لما يراه الحاكم الذي يمثل
إرادة الله في الأرض، وأن كل من يخالفه بالتالي يخالف الله فوجب إقامة عليه
العقوبة والحد وكأنه أجرم جرم لا يغتفر. فلا يوجد حرية رأي مكفولة لأي أحد.
يقوم
هذا النظام بتحكيم الشرع ولكن بطريقة متشددة وصارمة وبأحكام ما أنزل الله بها من
سلطان ويتم تنفيذ عقوبات مشددة على أفعال لا تعد جريمة بالأساس، وفي نفس الوقت
يقوم الحاكم بجرائم أفظع ويبررها بأنها من الشرع، ويقوم رجال الدين الذين له
السلطة والسيطرة بهذه الأنظمة بالتبرير والتحليل الديني لهذه الأفعال.
يسيطر
الحاكم على مقدرات الشعب والدولة ويحكم بطريقة موبوقراطية أي يتحكم بكل شيء
بالدولة والشعب ومقدراته ومستقبله دون رقيب أو حسيب.
لا
يوجد بهذه الأنظمة نظم تشريع أو سلطة تشريعية أو رقابية بل يكون رجال الدين هم
المسيطرين على حق الانتخاب والترشح وتحديد من له الحق في الترشح كما يحدث في
إيران، أو لو وجد مجلس يكون ليس له من الأمر شيء مثلما يحدث بالسعودية والإمارات.
الأنظمة هذه تؤدي بالنهاية إلى دمار الأوطان والشعوب
بسبب عدم وجود فكر جماعي ونظام سوي للتشريع واتخاذ القرار. لأن كل هذا بيد فرد
واحد أو مجموعة دينية وكهنوتية لا يمكن معارضتها بل يجب أن تكون الطاعة لها عمياء.
وهذه المجموعة قد تضع القوانين التي تتناسب معها وتحور الشرع لما تريده فقط، هذا
غير الرشاوي والمحسوبية.
فبالتالي
مهما حدث من تحضر بهذه الدول يصل الأمر بالنهاية للسقوط المدوي. مروراً بأحداث
طائفية، وعنصرية، وانهيار سياسي واجتماعي وثقافي واقتصادي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكراً لتعليقكم