نتابع ما بدأناه بالحديث عن أشكال الدول، والتي بدأناها بالحديث عن الدولة المدنية وأسس تكوينها
8-نظام ذو أيدولوجية محددة: -
نظام
الحكم الشمولي دائماً ما يكون صاحب أيدولوجية محددة وواضحة ويعلن عنها ويعمل على
الترويج لها في كل منابر الإعلام والفن والحياة وجهات الإرشاد التي يصنعها ويضم
لها الجماهير الشعبية.
ومن
خلال هذه الأيدولوجية يحاول أن يبني لنفسه طريقاً بالدولة على جثث الشعوب من أجل
تحقيق هذه الغاية مهما بلغ من تدمير وفساد بالدولة والشعب مثلما حدث في حكم ستالين
بالاتحاد السوفيتي، ومع ماو تسي تونغ بالصين، وعبد الناصر في مصر.
9-مركزية التنظيم كهرم من الأعلى للأسفل: -
تحكم
النظم الشمولية بطريقة مركزية في اتخاذ القرار، فيكون الحكم هرمي الشكل ولكن من
أعلى الهرم إلى أسفله. فيخرج القرار من الزعيم القائد ويتم تعميمه على كل الطبقات
والفئات بالهرم الشعبي حتى يصل إلى قاعدته بدون مشاورات أو تعبير عن الرأي أو حتى
بمناقشته، وهل تتناسب هذه القرارات مع قاعدة الهرم أم لا.
وهذا
لأن الحاكم الشمولي لا يرى سوى مصلحته، وتحقيق أفكاره الأيدولوجية فقط، فيتخذ على
هذا الأساس قراراته دون الرجوع لأحد أو ما إذا كانت تتناسب مع الشعب أو لا.
فينتج
الفساد السياسي والتخبط في القرارات التي لا تكون في صالح الشعوب.
10-ادارة مركزية للاقتصاد: -
كما
يحكم هذا النظام بإدارة مركزية في القرارات السياسية من خلال الشخص الواحد والحزب
الواحد، تكون أيضاً قراراته الاقتصادية بناءً على مركزيته في الحكم وما يخدم
أفكاره وأيدولوجيته التي يروج لها، ويعمل عليها في قراره السياسي والاقتصادي، وليس
على أساس المصلحة العامة لمناطق الدولة وسكانها وأهدافهم.
فتخرج
القرارات الاقتصادية المجحفة التي تطبق بالقوة سواء بفرض الضرائب الباهظة التي لا
تتناسب مع دخل المواطن أو عدم دعم الخدمات والاحتياجات الأساسية للمواطن.
وإن
حدث بعض الدعم فيكون ليس إلا من أجل دعم الفكر والأيدولوجية التي يروج لها النظام
الشمولي وليس بحكمة اقتصادية، فيحدث الخلل الاقتصادي بالدولة مثل إلغاء القطاع
الخاص وتأميم كل الشركات في الاتحاد السوفيتي ومصر والصين من أجل دعم المواطن
واحتياجاته، ولكن جاءت النتيجة مخالفة بل وأدت إلى اللامبالاة العمالية في الإنتاج
وإلى الدمار الاقتصادي لعدم وجود منافسة أو جودة مختلفة.
11-تولد كحركة وتنتهي إلى السلطة المطلقة: -
تبدأ
الكيانات الشمولية كحركات تحررية في البداية، وهذا لأنها تعتمد على الجماهير في
الحشد ضد الأنظمة الحاكمة مؤججة فيهم روح الثورة ضد الفساد والظلم الذي يقع عليهم
من الحكام، وتستخدمهم من أجل رفض سلطة الحاكم وقبول ثورتهم وسلطتهم وتؤيدهم،
وتثيرهم بالشعارات والمطالب التي تتمناها الشعوب.
ولكن
لا تلبث هذه الأنظمة أن تصل إلى الحكم فتحكم بسلطة مطلقة غير قابلة للتزحزح عنها،
بل وتنفض ما تفوهت به من شعارات عن الحرية والتحسين السياسي والاقتصادي
والاجتماعي، ولا تقبل ولا ترضى بأي معارضة أو مخالفة في الرأي والقرار السياسي
وتعاقب كل من يحاول معارضتها ورفض سيطرتها المطلقة وحكمها الشمولي الاستبدادي.
12-تعتمد في وجودها على الجماهير: -
في
بداية التحركات التي تصل للحكم الشمولي تعتمد اعتماد رئيسي على تأييد الجماهير
وتعمل بكل الطرق لاكتساب موافقتهم على عزل السلطات الموجودة بدعوى تحسين الأحوال
الاقتصادية والاجتماعية، ولكنها لا تثق فيهم ولا تعطيهم فرصة الاختيار لبديل عن
الحكام السابقين بل يفرضوا عليهم سلطتهم الشمولية كأمر واقع.
ورغم
اعتماد هذا النظام على الجماهير بالبداية، إلا أنه يخضعها ويستعبدها بالنهاية،
وذلك لأنه عندما يصل للحكم لا يريد من الجماهير سوى الصمت والقبول بالأمر الواقع
والقرارات المختلفة التي يصنعها الزعيم دون معارضة مهما كانت خاطئة.
فيرغمها
بالقوة والتخويف والإرهاب والفزاعة المختلقة بوجود عدو خارجي أو داخلي إلى الخضوع
له وعدم المعارضة بل والتحالف معه لتبرير الأمر الواقع، ويكون في الأغلبية بسبب
عبادة الزعيم والانسجام العاطفي معه، وقبول قراراته اللوذعية، وكأنها ستجعل الحياة
جنة على الأرض، وأن ما يقوله الزعيم شيء لا يقبل التفاوض.
13-لا وجود لحرية الرأي والتعبير: -
الحكم
الشمولي الذي يحكم بسلطة مطلقة يرفض كل أنواع التعبير عن الرأي والحرية في الفكر،
ولا يتوانى في قتلها بكل الطرق فيعمل على تدمير التعليم والأخلاق والتربية
والسيطرة على الإعلام ليوجه الرسائل التي يريدها ويبث أفكاره المسمومة في الشعوب
ويمحي أي وجود لأي منبر معارض له.
ويسيطر
على السياسيين ويجعل من السلطة التشريعية والقضائية مجرد صورة هزلية هو من يتحكم
فيها وفي تعيناتها وقراراتها.
ويقوم
بالسيطرة على رجال الدين الذين يساعدوه في الترويج عن أفكاره لإعطائه الشرعية
الدينية التي يحتاجها في حكمه، ومع استخدام القوة المفرطة تجاه أي أحد يعارضه يكون
قد أحكم قبضته على أي نوع من أنواع المعارضة.
فينتج
عن هذا عدم وجود أي شكل من أشكال المعارضة الحقيقية التي تحاول
أن تنشر الوعي بين أفراد الشعب وتفضح مساوئ النظام الشمولي وفساده.
14-لا وجود للتعددية الحزبية: -
تعمل
السلطة الشمولية على تدمير العمل الحزبي والسياسي وأي تنظيمات سياسية وأي عمل
يهددها، وتجتهد بقتل العمل السياسي والجماهيري والحزبي للسيطرة على الشعب بسهولة
ومنع القدرة على العمل العام والتنظيمي. من أجل أن يظل الشعب تحت قيادة الزعيم
الأوحد ولا يجد غيره يستطيع أن يقود الدولة فيكون بالنسبة له كأب روحي لا غنى عنه،
ويجب عليه أن يتقبله مهما بلغ منه من قسوة واستبداد وفساد، ويظهره إعلامه أنه
النقي الذي يكد في العمل من أجل الوطن ولكن لا يوجد من يساعده.
لذا
يكون الشعب فرداً فرداً متقبل لفكرة الزعيم الأوحد والشمولية وأنه لا يوجد غيره
يصلح سواء هو أو من في طغمته بالحزب الواحد الذي يحكم لأنهم أصحاب الإدارة والرؤية
فقط ولا يوجد غيرهم يستطيع أن يسد فراغهم إذا تمت إزاحتهم. ولا يفرقون بين الفرد
الحاكم كوظيفة وبين الدولة، بل يخيل إليهم أن الاثنان شيء واحد.
ويكون
رد المواطن الذي تربى في أنظمة شمولية دائماً: من البديل...؟
فلا
يستطيع تقبل فكرة المؤسسات والحكم الجماعي الديمقراطي والذي يقوم على أسس مدنية
وتداول السلطة والفصل بين السلطات، ولا يعي سوى وجود شخص واحد شمولي يحكم كل شيء،
ويعمل على توجيهه في كل حركة سواء في حياته العامة أو الخاصة، ويتكل عليه أنه من
يأخذ عنه القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي ويكون هو كفرد مرغم على تقبل هذا
القرار حتى لو لم يكن في صالحه من أجل أن هذا قرار الزعيم القائد الذي ليس له
بديل.
كل هذا
بسبب قتل الحياة السياسية والعمل السياسي وتدمير وعي المواطن وقتل بداخله روح
التفكير والعمل الجماعي وحرية الرأي والتعبير.
15-السيطرة على كل جوانب الحياة: -
يتضح
لنا من مسمى النظام الشمولي أو الكُلية أو التوتاليرية، أنها تعمل على السيطرة على
كل أركان الحياة بالدولة والمواطن، وهذا من أجل إحكام السيطرة عليه من كل جانب.
فتتحكم الدولة بالقرار السياسي والاقتصادي وأيضاً بالقرار الاجتماعي والتوجه
والإرشاد. لما تؤمن به هذه النظم وأيدولوجيتها وتكرس لهذا كل السبل لتقويض المواطن
كالتوجيه الإعلامي والهيئات الاجتماعية العامة والخاصة.
هذا
غير أنها تتحكم في التوجهات الأخلاقية للمجتمع والحياة العامة بل والخاصة أيضاً
لأفراد الشعب لضمان السيطرة الكاملة على عقول الشعب، وتعمل على التوجيه بالمدارس
فيصل بها الأمر إلى التلاعب بالتاريخ وإخفاء الحقائق وتزويرها من أجل دعم موقفها
وأيدولوجيتها.
16-تدمير المجتمع: -
من السيطرة المطلقة على وسائل الاعلام والتعليم والتوجيه
المستمر للشعوب بما يرغبه النظام الحاكم الشمولي، وإفساد الحياة الاجتماعية، وتفشي
الفساد، والرشوة، والمحسوبية، والبيروقراطية، والروتين كل هذا يجعل من المجتمع
مفتت ومحطم الطبقات ومتصارع مع بعضه.
وتتعمد النظم الشمولية تدمير التعليم من أجل خلق أجيال
غير واعية ومجهلة ولا تعي معنى العمل السياسي والحقوق السياسية والاجتماعية. ويجعل
من التعليم مجرد ورقة ولا يكون الفرد صاحب علم أو ثقافة حقيقية.
ويتم في هذا النظام إعلاء شأن الجهلة والتحقير من أصحاب
العلم فيفقد الفرد الرغبة في الترقي وتحصيل العلم ويعمل على التبرير للنظام
الشمولي ليحاول أن يصل لترقيات وحياة أفضل.
هذا غير أن عدم حصول الفرد على خدماته وحقه كمواطن
بالدولة يفقده الانتماء لها ويرغبه في الهجرة والتخلي عنها بسهولة.
ويزيد الأمر من عدم الوعي مع زيادة التجهيل الإعلامي
والتعليمي فيكون الشعب نفسه متعاطف مع الحاكم ويفتتن بالقوة المفرطة التي يستخدمها
الحكام حتى لو كانت ضده. تعويضاً عن نفسه من الضعف والصمت الذي يتملكه والخوف الذي
يستشري به.
ومن سبل تدمير المجتمع أنه يجعل من أفراد الشعب مخبرين
وجواسيس على بعضهم البعض من أجل الحصول على الأمان والرضا والمصلحة الخاصة.
ونتيجة للتدمير الاقتصادي والتعليمي والتربوي والأخلاقي
ينتج عن هذا مجتمع مهلهل مفكك يأكل بعضه بعضاً لرغبة كل فرد أن يحصل على قطعة
كبيرة من الحلوى وعلى نصيب أكبر من الآخر.
فينتج مجتمع مع مرور الأجيال مختل غير واعي لا يعي قيمة العلم
أو التعليم، وخاوي من مفاهيم الحرية والتعايش السلمي بين الناس وحرية الرأي
والتعبير، ويظهر هذا في تعامل الناس بينهم وفي التعامل الأسري والسلطة الأسرية
التي تمنع حرية الرأي.
17-لا يوجد فصل بين السلطات أو تداول للسلطة: -
لأنه نظام شمولي فيعمل على التحكم بكل السلطات، وتكون
الانتخابات صورية ليست إلا شكلية فقط، ويكون كل أفراد السلطة التشريعية بتعيين
مباشر أو غير مباشر بانتخابات مزورة، ونفس الشيء ينطبق على السلطة القضائية التي
تكون معينة من الحاكم مباشرة لكي تكون تحت طوعه، وأحكامها منه.
ولا يتوانى النظام الشمولي في التحكم بكل أشكال السلطات
المختلفة، والقبض عليها بأسلوب أمني مستبد من أجل التحكم في الدولة من الناحية
السياسية والعسكرية. فلا يوجد فيها فصل بين القرار السياسي والقرار العسكري بل
يكونان متداخلين.
لا يوجد بهذه الأنظمة فكرة الانتخابات أو تداول السلطة،
بل تكون بيد الفرد الذي يحكم ولا يخرج من يده إلا بموته وتنتقل لاحد أفراد الحزب
أو المجموعة الحاكمة ويتم عمل استفتاءات شكلية على الحاكم الذي لا يوجد غيره مرشح
في الأساس.
فوجدنا
بهذا في النظام الشمولي الشكل الفاسد للحكم السياسي، والذي يعمل من أجل مصلحته فقط
وأيدولوجيته وترويجها دون مراعاة احتياجات الشعب، ووجدنا به المركزية بالقرار الذي
لا يقبل المعارضة أو حرية الرأي والتعبير ويستخدم مع هذا القوة المفرطة، ويحاول أن
يغير الشعب إلى أيدولوجيته الخاصة ومنها إلى تغيير الطبيعة البشرية للمجتمع لإحكام
السيطرة عليه.
وجدنا
فيه الاستبدادية الشديدة التي لا تتوانى في استخدام الشعب لمصلحتها فقط، فتتعامل
مع الشعوب على أنها أداه لوصوله للحكم ومن ثم يستعبدها ويطوعها لأمره، ويؤدلجها في
النهاية على حسب رؤيته حتى يضمن عدم خروجها عليه وعدم استخدامها من أحد غيره فيثور
عليه.
النظام
الشمولي مهما بلغت قوته في بدايته إلا أنه في النهاية ينهار، وهذا لأنه يصل بالشعب
إلى الانحدار السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي، الثقافي، العلمي، التربوي، والأخلاقي
ويدمر الشعوب والدول. فتكون النهاية سقوطه أو تدمير الشعب والدولة إذا لم يتم
تغيير نظام الحكم مثلما حدث بالاتحاد السوفيتي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكراً لتعليقكم