نتابع ما بدأناه بالحديث عن أشكال الدول، والتي بدأناها بالحديث عن الدولة المدنية وأسس تكوينها
هي
الدول التي تسيطر على شعوبها بشكل كامل، فتتحكم في القرارات السياسية، الاقتصادية،
التوجيه الأخلاقي، الحياة الاجتماعية، السيطرة على التعليم، الفن، الإعلام بشكل
كامل.
فهي
شكل من أشكال الطغيان السياسي، ويكون الحكم فيها بشكل استبدادي عنيف، وتستخدم كل
وسائل القمع والإرهاب، وتكون الدولة تحت سيطرة حزب واحد أو مجموعة واحدة هي التي
تتحكم في الدولة وقراراتها السياسية وتوجهاتها الاجتماعية لما يرونه يناسب فكرهم
فقط بدون أي معارضة. لذا يمنع حرية الرأي والتعبير، ويسيطر الحاكم على كل منابر
الإعلام بالدولة.
ولا
يسمح الحزب المتحكم بالدولة بهذا النظام بتداول السلطة أو الانتخابات، وقد تكون
شكلية إذا وجدت، ويعتمد فيها على النظام والإرهاب البوليسي لقمع أي محاولة
للمعارضة وإحداث وعي سياسي.
وتتدخل
السلطة في هذا النظام في حياة الفرد ومجرياته وتسيطر عليها وتعمل على التوجيه
الاجتماعي والأخلاقي بما يتناسب معها ولخدمة مصالحها لتشتيت الشعوب، لذا لا يوجد
قيمة للفرد بل للشعب ككل الذي هو بدوره يكون مقموع من السلطة التي تتعامل معه بقوة
مفرطة ليكون الحكم مطلق للقائد والحزب الحاكم.
فهو
نظام يعمل على تعبئة الجماهير في اتجاه واحد محدد من قبل الحاكم وأيدولوجيته، ولا
تتسامح مع أي رأي مخالف لها وتستخدم معه القمع والقوة المفرطة، وتسيطر فيه السلطة
على الأعمال التجارية والإعلام والنقابات.
ومن
أشهر الأمثلة على هذا الحكم هي الشيوعية في الإتحاد السوفيتي خاصة وقت حكم ستالين،
وألمانيا النازية تحت حكم هتلر، إيطاليا الفاشية تحت حكم موسوليني، والصين الشعبية
وقت الحكم الشيوعي لماو تسي تونغ، ومصر وقت الحقبة الناصرية، وكوريا الشمالية تحت
حكم سلالة كيم.
وقد
ظهر المصطلح على يد موسوليني الذي وصف به الحكم الفاشي في إيطاليا بمطلع
العشرينات، وتم تنظيره بمعنى إيجابي للمفهوم في كتابات جيوفاني جنتيلي المنظر الرئيسي للفاشية.
واستخدم
جنتيلي مفهوم الشمولية للإشارة إلى بنية وأهداف الدولة الجديدة، وهي التمثيل
والتوجيه الشامل للأمة والأهداف القومية، ووصف الشمولية بأنها مجتمع تؤثر
فيه أيدولوجية الدولة والسلطة على معظم
المواطنين. ووفقا لبينيتو موسوليني ، هذا
النظام يسيس كل شيء روحي وبشري فوصفه بمقولة في خطاب ألقاه في 28 أكتوبر عام 1925:
-
(الكل
في الدولة ولا قيمة لشيء إنساني أو روحي خارج الدولـة فـالـفـاشـيـة Fascism شمولية والدولة الفاشية تشمل جميع القيم وتوحدها، وهي
التي تؤول هذه القيم، وتفسرها إنها تعيد صياغة حياة الشعب كلها).
أسس الدولة الشمولية
للدولة
الشمولية طابع خاص يميزها ويتضح في أسسها ونظام الحكم فيها، وحتى في حراكها
وسلطتها ومدى تحكمها بالشعوب والدولة.
1-وجود زعيم ملهم ديماغوجي: -
يعتمد النظام الشمولي على الزعيم القائد الملهم صاحب
الكاريزما الشعبية، والذي يستخدم الأسلوب الديماغوجي في تملق الشعوب، وترديد
الشعارات الرنانة التي تجعل من الشعوب طوع أمره وموافقين على قراراته حتى لو كانت
ليست في صالحهم.
2-السيطرة على الإعلام للتوجيه والاقناع والسيطرة على الجماهير: -
تتعمد
النظم الشمولية السيطرة على الإعلام المسموع منها والمقروء والمرئي من أجل الترويج
لأكاذيبها وإقناع الشعوب بما تفكر فيه وتبرر لهم بسبل غير منطقية وكاذبة قراراتها.
فتتعمد
السيطرة على كل أشكال الإعلام العام والخاص، وترقية وتصدير المنافقين لها من
صحفيين ومثقفين وإعلامين من أجل السيطرة على عقول الشعوب وإقناعهم بما تتخذه
الدولة من أيدولوجية وقرارات، وتعمل على تدعيم موقفها بهذا لبث رسائل القبول لدى
الشعوب بكثرة ما يستمعون له من توجيهات إعلامية منافقة وكاذبة.
ويتعمد
هذا النظام إنشاء وزارات وهيئات للسيطرة على الإعلام لكي تستطيع توجيهه بسهولة،
وإنشاء إعلام خاص بها يعمل على الترويج لها، ويعتمد على أن يكون كل الإعلام بكافة
أشكاله يبث نفس الأخبار والأكاذيب في وقت واحد من أجل نشر ما يريده النظام ولا
يوجد بديل عما يسمعه المواطن فبالتالي يصدقه لأنه لا يسمع ولا يرى حوله سوى ما
تريده الدولة من أخبار وأكاذيب.
3-استخدام الدين لترويج أفكارهم: -
يستخدم
النظام الشمولي ما يجعل من خلايا الدماغ لدى الشعوب في حالة تخدير دائم، وهو تحليل
ما يفعله وإصباغه بصبغة دينية من أجل جمع التقبل الجماهيري والشعبي وقبول الناس
لقراراته حتى لو كانت بقتل الغير.
هذا
غير استخدام الدين في شعاراته وترويج أفكاره لتكون لائقة للعقول التي تستمع لمثل
هذه الأكاذيب التي تجعل من الدين مجرد لعبة في أيدي الطغاة ليس من أجل الأخلاق
الحميدة والعبادة.
4-نظام الحزب الواحد الذي يراقب أجهزة الدولة: -
يسيطر
على الدولة حزب واحد حاكم أو مجموعة هي التي تستلم زمام الأمور، بل تكون هذه
المجموعة أو هذا الحزب عبارة عن دولة داخل الدولة، ومن ثم يراقب عمل الأجهزة والمؤسسات
الأخرى وهذا ليس من أجل مصلحة الدولة بل من أجل مصلحة الحزب الحاكم لضمان عدم خروج
أحد عن توجيهات وأيدولوجية هذا الحزب وفكره وقراراته، ولضمان عدم وجود أي فكر
مخالف قد يهدد مصالح هذا الحزب وطغمته الحاكمة.
5-الطغيان والاستبداد والحكم المونوقراطي: -
الحكم المونوقراطي
هو حكم الفرد الواحد المتحكم بالشعب والدولة ومقدراتها، وتكون السمة الكبرى لهذا
النوع من الحكم هو الطغيان بطريقة مفرطة في استخدام القوة بالقسوة التي تجعل من
الحزب الحاكم وطغمته يشعرون بأنهم ينشرون الخوف بين الجميع لضمان إحكام سيطرتهم
وقوتهم، ولضمان بقاء السلطة في أيديهم، وحتى لا يفكر أحد في المحاولة للتفكير في
الثورة على طغيانهم.
ويصل
الأمر في الطغيان إلى الاعتقالات العشوائية والاختفاء القسري والسجن لسنوات بدون
تهم بل والإعدام السياسي، وكل هذا من أجل إحكام القبضة على الشعب وتخويف أي أحد من
المعارضة أو الرفض لسياسة وقرارات السلطة.
والغريب
والملفت للنظر أن هذه القوة المفرطة تجعل من الشعب متعاطف مع المستبد بل والافتخار
بهذه القسوة، وكأنها نوع من العقاب وجلد الذات لتبرير مخاوفهم وصمتهم على الظلم
والفساد، فيتغنى الشعب بأن من تم اعتقالهم أو قتلهم يستحقون هذا لأنهم رفضوا
النظام الاستبدادي الشمولي، وهذا نتيجة التجهيل والسيطرة الإعلامية التي تحكمها
النظم الشمولية على الشعوب، وترويج الأكاذيب عن المعارضين وتشويههم واستخدام الدين
لتبرير اعتقالهم وقتلهم.
6-سيطرة أمنية بأجهزة لا يوجد لها ضوابط: -
تتعمد
النظم الشمولية إطلاق القبضة الأمنية على الشعب بمنتهى القسوة المفرطة، وذلك من
أجل إفراغ الشعوب من أي فكر رافض لسياسة الحكم الشمولي أو من أي رأي مخالف له أو
من أي محاولة للثورة عليه، ونشر الإرهاب والخوف من السلطة بين الناس.
يتعامل
النظام الشمولي مع الشعب على أنهم عبيد لديه، ويجعلهم جواسيس على بعضهم البعض
إمعاناً في التحقير، وبث الرعب والخوف. حتى يجعل من الفرد لكي يأمن شر النظام
فيتجسس على بني وطنه من أجله. مثلما كان يحدث بالعراق وقت حكم صدام فكرم أب
لإبلاغه عن ابنه.
ويصل
الأمر إلى الاعتقال والقتل العلني بدون هوادة ليس إلا لجعل الضحية عبرة لغيره من
الشعب حتى لا يحاول أحد رفض الحكم الشمولي واستبداديته.
7-استخدام فزاعة الإرهاب والحرب ونظرية المؤامرة: -
يبرر
النظام الشمولي دائماً وجوده وعنفه المستمر واستخدامه للقوات العسكرية حتى مع
الشعب بأنه يحميهم من شيء ما خفي عنهم لا يروه، ودائماً يروج لهذا في خطاباته
ورسائله عبر الإعلام وقنواته التوجيهية والإرشادية.
وقد
يخلق النظام الشمولي فزاعة للشعب يستخدمها وقت الحاجة ويتصالح معها وقت الحاجة
أيضاً مثلما حدث في مصر وقت الحقبة الناصرية مع الإخوان المسلمين، وفي الحكم
السوفيتي الذي استخدم فزاعة الإقطاع الرأسمالي. كل هذا لتخويف الشعب من أي بديل
غيرهم.
ويوجد
أنظمة شمولية تخلق حرب لتبرر عنصريتها وقسوتها وتروج لأفكارها مثلما فعل هتلر في
ألمانيا، وموسوليني في إيطاليا، أو كما فعل الحكم العسكري في الأرجنتين بافتعال
حرب الفوكلاند في ثمانينات القرن العشرين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكراً لتعليقكم