نظم وأشكال الحكم (الدولة المدنية ج 4)

 

الدولة المدنية

نتابع ما بدأناه بالحديث عن أشكال الدول، والتي بدأناها بالحديث عن الدولة المدنية وأسس تكوينها

8- عدم وجود ثيوقراطية أو فاشية عسكرية: -

يجب أن نوضح في البداية معنى الثيوقراطية والفاشية العسكرية: -

أ‌-     الثيوقراطية: -

هو مصطلح يعني حكم الكهنة ورجال الدين أو تحكمهم برأس السلطة، وكأن حكمهم مستمد من الله مباشرة فلا يجب معارضتهم أو مناقشة قراراتهم على أساس أنها من الله، فيحكمون باسم الله على الأرض.

ويتم في الحكم الثيوقراطي استخدام الفاشية الدينية لكل معارض حيث أنه يتم اتهام كل فرد يعارض الحاكم بأنه كافر وخارج عن الدين لأنه يعارض من يحكم باسم الله وبقرارات من الله، ويتم فيه احتكار الدين للموالاة له فقط. فيكون حكم فاشي يستخدم سلاح التكفير مع المعارض والمخالف للرأي.

وهذا يتنافى ويتعارض مع الدولة المدنية التي أساسها الحرية الفكرية والعملية للفرد، حيث أنه يستطيع فيها اتخاذ القرار والتعبير عن رأيه، وحق مساءلة الدولة ومن بيده السلطة. لأن قراراتهم بشرية وليست إلهية لا تقبل النقاش دون الاستبداد بالقرار والحكم لجهة واحدة كما في الدول الثيوقراطية.

فيجب ألا يحدث هذا حتى لا تفقد الدولة مدنيتها بالاستبداد بالقرار والحكم، وتكون على قواعد مدنية سليمة، يكون للشعب فيها حق اتخاذ القرار والتعبير وحرية الرأي والسيادة، ويملك فيه الشعب حق المساءلة والمحاسبة لمن بالسلطة لأن قراره من بشر وليس قرار إلهي لا يقبل النقاش فيه.

ويوجد عدة دول ثيوقراطية تعمل بهذه الفكرة والعقيدة الفاشية ومن أمثلة هذه الدول (الفاتيكان، أندورا، السعودية، أيران).

ب‌- الفاشية العسكرية: -

وهو مصطلح يعني الاستبداد بقوة السلاح العسكري حيث يكون فيه الجيش هي المسيطر على السلطة بكامل وجوهها فروعها. هذه السيطرة تتحول إلى فاشية واستبداد عسكري، وبحكم تربيتهم العسكرية يكون من الصعب عليهم تقبل المعارضة والرأي الآخر فيمنع أي رأي معارض لهم.

ويتم فيه اتهام كل معارض للحاكم بأنه غير وطني وعميل لدول أخرى، ويتم احتكار الوطنية لمن يوالي الحاكم فقط. فيكون حكم فاشي يستخدم سلاح التخوين والسلاح العسكري لكل معارض ومخالف للرأي.

وهذا أيضاً يخالف بشكل كلي مبادئ الدولة المدنية التي تقوم على أساس الحرية وتداول السلطة وحرية الرأي والتعبير، لذا يجب ألا يحدث هذا حتى لا تفقد الدولة المدنية أسس تداول السلطة وحرية الرأي التعبير، ومن أمثلة هذه الدول (روسيا، مصر).

ولتحقيق الدولة المدنية بحق يجب ألا يحدث أي نوع من أنواع الحكم الاستبدادي والفاشي سواء بفاشية وطنية أو دينية.

بمعنى أوضح يجب أن يتم ضمان حدوث ما سبق وما هو قادم من أسس الدولة المدنية خاصة حرية الرأي والتعبير وتداول السلطة بشكل سلمي حتى لا يحدث أي نوع من أنواع الاستبداد.

9- حرية الرأي والتعبير: -

حتى تصل الدولة لقواعد المدنية وقمة التحضر والتقدم يجب أن يحدث حرية للرأي والتعبير، وعدم كبت للحريات، وحق كل فرد في أن يظهر رأيه، ويعترض على ما لا يراه مناسباً وتكون الغلبة في النهاية للحجة والأغلبية.

وتعدد الرأي يضمن حدوث تعاصف للأفكار والأذهان والتفكير السوي للقرارات والمشاريع لأكثر من زاوية ورأي وفكر ويؤدي هذا بالنهاية إلى الوصول إلى أصوب القرارات المناسبة للوطن سواء في السياسة أو المشاريع الاقتصادية.

ولذا لا يجب أن توجد رقابة من الدولة على الصحف أو أي نوع من الإعلام المرئي أو المسموع أو المقروء أو على حرية أفراد الشعب في التعبير عن آرائهم، حتى لا يخاف أحد من التعبير عن رأيه بحرية واستقلالية وبطريقة سلسة.

بل يجب على الدولة دعم التعبير عن الرأي وإطلاق الحرية لتكوين الصحف والإعلام المستقل لكي تستفيد من الآراء المختلفة ومنها لتعود الفائدة في النهاية على الدولة والشعب.

10-التعددية والأحزاب والنقابات: -

من وسائل حرية الرأي والتعبير والمدنية والتي تساعد على وجود مؤسسات رقابية من المجتمع المدني هو أهمية وجود التعددية الحزبية والسياسية، ووجود النقابات والجمعيات المدنية المختلفة. التي تعمل على مراقبة المجتمع السياسي والدولة، وتعمل على توعية الشعب بحقوقه وبمجريات الأمور التي تحدث بالدولة.

وتقوم هذه المؤسسات بمعاونة الدولة على مهامها المدنية سواء بعمل الجمعيات والمراكز المجتمعية التي تساعد الشعب أو بالتوعية وما غير ذلك.

وأهم هذه المؤسسات هي الأحزاب التي تعمل على وجود معارضة سياسية للحكومات بالدولة، وتقوم هذه المعارضة بتوعية الشعوب على أخطاء الحكومات وأيضاً تلفت نظر الحكومات على أفعالها.

وتتكون على أساس أيديولوجي موحد لكل حزب على حسب توجهه سواء يمين أو يسار أو معتدل، ومنها يطرح أفكاره وبرنامجه السياسي الذي يساعده على جذب أكبر عدد من المؤيدين والناخبين في وقت الانتخابات من أجل الوصول إلى السلطة.

فيعمل كل حزب على إظهار أخطاء الحكومات ومعارضاً لكل ما هو خطأ محاولاً اجتذاب المؤيدين والناخبين للوصول إلى السلطة سواء التشريعية أو التنفيذية.

وقد يحدث تكتل حزبي من أحزاب المعارضة من أجل مواجهة أحزاب الأغلبية إن كانت تسيطر على المجالس التشريعية، ويكفل كل هذا حرية الرأي والتعبير.

وقد تتكون أحزاب من اتجاهات مختلفة سواء شيوعية، اشتراكية، ليبرالية، علمانية. والحكم في تكوينها هو قانون الأحزاب الذي لا يمنع التأسيس للأحزاب أو الجمعيات المدنية إلا لو كانت تحض على العنصرية أو تدعم الأفكار الإرهابية والمتطرفة.

11-حق تداول المعلومات والمراقبة والمحاسبة: -

يجب توفر حق المساءلة والمحاسبة والمراقبة الحرة على الحكومة من قبل أي فرد أو مؤسسة سياسية أو مدنية. وهذا من أجل إثراء العمل السياسي وتعاصف العقول والعمل من أجل مصلحة الدولة.

فلا يصح أن يتم حجب أي معلومات عن أي أحد أو منع للنشر أو منع أي فرد من مساءلة أي شخص في موقع مسؤولية بالدولة، فهذا حق مسلم به طالما هذه المعلومات غير سرية ولا تضر الصالح العام إذا تم نشرها وتداولها.

فحجب المعلومات وعدم المساءلة يؤدي إلى تفشي الفساد وعدم وجود أي إحساس بالمسؤولية تجاه الشعب وبالتالي دمار الدولة سياسياً، اقتصادياً، اجتماعياً وقانونياً، فمن آمن العقوبة أساء الأدب واستخدم السلطة لمصلحته الشخصية على حساب المصلحة العامة للدولة.

12-الحقوق الاقتصادية: -

يجب توافر الحقوق الاقتصادية الكاملة لكل مواطن كما يتوفر الحقوق السياسية وهذا لتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، ومن ثم تحقيق الدولة المدنية على أسس ومبادئ سوية.

فلا يجب أن يحدث تقييد للنشاط الاقتصادي أو السلطة عليه، والسيطرة الشاملة من قبل الدولة حتى لا يحدث تفشي للفساد والخمول العام، وأيضاً يجب ألا يحدث عدم رقابة على السوق من أجل وجود حماية للمستهلك، ولعدم وجود احتكار أو تكتل اقتصادي لكيانات اقتصادية تتحكم بالسوق، ومنها تتحكم بالشعب ومن ثم بالدولة.

وعليه لا بد أن يحدث تعدد ملكية مع وجود رقابة حكومية على الأسعار والمنتجات بوجود إنتاج حكومي للمنتجات والخدمات الأساسية لتحمي المواطن، مع وجود القوانين اللازمة لحماية العامل والمستهلك.

ووجود قوانين للضرائب التصاعدية على الشركات الضخمة تكفل للحكومات بالدولة الأموال اللازمة لتوفير الخدمات والبنية التحتية للدولة، وحتى تمنع وجود احتكار أو تكتل اقتصادي بقوانين الاحتكار والضرائب التصاعدية من أجل الحفاظ على مصلحة المواطن.

ويجب على الدولة المدنية أن تعمل على تنمية المشروعات الصغيرة المختلفة من أجل وجود إنتاج موازي وقوي مقابل الكيانات والشركات الاقتصادية الضخمة. هذا غير وجود تنوع في الإنتاج.

وتسهيل قروض المشروعات ودعم المشاريع الصغيرة يؤدي إلى الحفاظ على الطبقة المتوسطة وحمايتها من التآكل لأنها أساس التكوين المجتمعي بل يعمل على إغناء الفقير وتحويل الطبقة البسيطة إلى طبقة متوسطة، مع عدم تمركز الأموال في يد فئة صغيرة من الشعب لإحداث التوازن والعدالة الاجتماعية.

وللحديث بقية في السلاسل القادمة، وأرجو النقد بالتعليقات لما يراه القارئ غير صحيح لنناقشه ونعدله سوياً لصالح الأمة.

هناك تعليقان (2):

شكراً لتعليقكم