فلسفة الفكر الإسلامي 9



وصلنا الآن إلى النقطة ٢١ بباب السياسة والتي تناقش التعامل التجاري لأهل السياسة وأقاربهم وهذا لمنع استغلال النفوذ باسم المناصب ولعدم تضارب المصالح. فقام النبي بالتوقف عن التجارة مع بداية الدعوة والدولة وعليه سار الخلفاء الراشدين وكانوا من التجار والأثرياء خاصة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان. وكانت المحاسبة لكل الولاة الذين تتضخم أموالهم فأخذ عمر بن الخطاب نصف مال هؤلاء الولاة أمثال عتبة بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وقال له (ولكنكم معشر الأمراء قعدتم على عيون الأموال ولن تعدموا عذراً)، وهذا لأنهم لن يجعلوا غيرهم ينال شيء بسبب سلطتهم وتضارب المصالح. وكان نفس الأمر على أهل الحكام وهذا لنفس السبب حتى لا يستغلوا سلطة ونفوذ ذويهم، فعندما وجد عمر بن الخطاب إبل إبنه عبدالله يتم استغلال إسم أبيه لتسمينها، فأمره بالتبرع بها لبيت المال. فكان هذا قانوناً لمحاسبة أهل السياسة والحكم ومنعهم من التجارة هم وأولادهم حتى لا يتم استغلال النفوذ وتحقيقاً لمبدأ تكافؤ الفرص، فلم يترك الفكر الإسلامي مال قيصر لقيصر بل أن يحاسب قيصر على ماله من أين أتى به.
‏نناقش بالنقطة ٢٢ بالباب الأول(السياسة) نقطة حرية الرأي والتعبير والتي من خلالها يكون مقياس عدالة وديمقراطية الدول ومدى قدرة الأفراد على التعبير والمعارضة. فقال الله تعالى (لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ) فلا يحق لأحد السيطرة والتحكم بأحد وبفكره ورأيه.ومن الأدلة على حرية الرأي والتعبير والمخالفة في الرأي وقبوله الحوار مثلاً حوار السحرة مع فرعون عندما رفضوا أمر فرعون بعد ما رأوا من سيدنا موسى المعجزة. وحث الفكر الإسلامي على معارضة الحكام فقال النبي ( سيد الشهداء حمزة ورجل قال كلمة حق لملك جائر فقتله)، وهذا لكي يسعى الفرد لقول الحق في وجه الظلم دون خوف. وعلى هذا كان النبي مع أصحابه ويشاورهم في أمور الحكم والدنيا، فوجدنا بأمثلة سابقة تم ذكرها بالسابق مثل استماع النبي لرأي الحباب في اختيار موقع غزوة بدر، وخلاف الصحابة والناس للنبي في رأيه في غزوة أحد ولم ينكر على أي أحد رأيه بل تقبل الجميع مشجعاً لهم للخلاف البناء والتفكير الجماعي الذي يؤدي إلى العمل السليم. ومثله كان الراشدون فقال أبو بكر (إن أسأت فقوموني)، ومثله عمر بن الخطاب الذي لم ينكر معارضة إمرأة له بل وقال (أصابت إمرأة وأخطأ عمر) فكان هذا بمثابة تشجيع للخلاف وعدم الخوف من التعبير. ومن هنا تكون حرية التظاهر السلمي فهي طريقة للتعبير طالما لايكون بها أي تعدي على حقوق وملكية الغير وكان المثال هو عدم التعدي على المتظاهرين على عثمان بن عفان ورفض التعرض للمحاصرين رغم أن هذا قد أودى بحياته. فكان هذا بمثابة تحقيق لمبدأ حرية الرأي والتعبير والمخالفة والحرية الفكرية طالما هي في حدود الآداب وقائمة على النقد البناء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم