فلسفة الفكر الإسلامي 14

‏الآن نتحدث بالنقطة ٣٢ من باب السياسة عن علاقة الدولة بجيرانها والعلاقات الدولية فقال الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) فالأساس هو التعارف والمودة والسلامة بين الناس، ويحكمها المنفعة المتبادلة بين الدول دون إفساد أو إتلاف، مع التأكيد على الحرص في التعامل وفهم كل دولة بدراسة تاريخها وسلوكها لمعرفة كيفية التعامل معها بقول النبي (إذا اردت أن تأمن مكر قوما فأعرف لغتهم). فتكون مبادىء الدولة السلم وعدم الإعتداء والأخوة. وبالنقطة ٣٣ التي تتحدث عن عدم التدخل بشؤون الآخرين قال النبي (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) فمما نرى أن التعامل الدولي يكون بسلام وبما أن على الفرد عدم التدخل في شئون غيره فيكون بالتالي على الدول نفسها والحكام عدم التدخل في شؤون الغير تحت أي ظرف، وهذا لأنه قد يؤدي إلى الإضرار بالغير بحكم الاستفادة ويكون أساس المواقف السياسية بين الدول هو اختيار أقل الضرر والأكثر فائدة دون ضرار لأحد. والنقطة ٣٤ تكون للتعاملات التجارية فقال النبي (الدين المعاملة) ومن هنا يكون التعامل بعدل مع الجميع طالما يوجد فائدة للدولة ودون اضرار للمصلحة العامة. فكان النبي يتاجر مع الجميع دون النظر لدين أو جنس. فكانت النتيجة أن الإسلام انتشر كدين في دول كثيرة دون فتوحات كأقصى شرق أسيا (اندونسيا) وجنوب أوروبا (البوسنة والهرسك والبانيا) ومناطق وسط وغرب أفريقيا وذلك بالتجارة والتعامل الأخلاقي مع الجميع بالشرط الأساسي بالتجارة وهو المصلحة المتبادلة والرضا في التبادل التجاري.
‏بالنقطة ٣٥ بباب السياسة نناقش سوياً المؤسسية واللامركزية في الفلسفة السياسية الإسلامية. فكيفما كان هناك دولة كانت المؤسسات. فحدد النبي الاختصاصات في المدينة وتوسعت مع توسع الدولة وفتح مكة بوجود مسؤول عن الحج والحجابة والسقاية. وكان لكلا منهم حرية التصرف على أساس الوثيقة وهي الدستور الذي وضع للدولة وعلى أساس المرجعية التي اتخذتها الدولة. وكانت الشورى مؤسسة من مؤسسات الدولة، وكان النبي يترك من ينوب عنه في المدينة عند خروجه لغزوة. وكان تأسيس بيت المال كمؤسسة مالية ليكون كل شيء بالدولة مراقب ومؤيد. وكان بعدها من الخلفاء أن زادوا فقام عمر بن الخطاب بوضع الدواوين المختلفة كالبريد والعسس، وكانت البعثات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية التي تؤكدها كتب تاريخ دولة مثل الصين . وكانت المركزية واضحة عند توسع الدولة ووجود ولايات مختلفة تأتي منها الأموال، فكانت تصرف أموالها على خدماتها أولا ثم يرفع الباقي لخزينة الدولة بالمدينة حتى يشعر كل مواطن أن ما يدفعه من أموال سواء زكاة أو جزية أو ضريبة تعود عليه بالنفع. وبالنقطة ٣٦ نناقش حق اللجوء السياسي فقال تعالى (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ) وقال عليه السلام (إذا استأمنك امنته وإذا استجار بك أجرته) فيجب بهذا على الدولة نصرة الضعيف والذي يلجأ إلى الدولة لحمايته من ظلم أو قهر دون النظر لدين أو جنس وهذا هو أول قانون في التاريخ لحق اللجوء السياسي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم