كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 140 (قواعد الحوار)

 


-قواعد الحوار: -

1- تحديد موضوع الحوار والالتزام بالموضوعية: -

نجد الرسول عندما رأى سهيل بن عمرو في صلح الحديبية قال: لقد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل.

فحدد الرسول موضوع الحوار والنقاش وهدفه ثم بدأ بالنقاش حتى انتهى بالصلح وتوقيع معاهدة الحديبية. فلابد أن يكون النقاش حول فكرة محددة في البداية وبمواقف وأفعال ليكون نقاش فكري وليس هجوم شخصي والالتزام بالموضوع حتى لا يحدث خروج عنه وضياع النقاش.

2- تحديد الأوليات في النقاش والهدف منه: -

يجب عند النقاش البدء بما هو أهم حتى ننتهي منه. فنجد في صلح الحديبية مثلاً يبدأ النبي بحقوق المسلمين في الحج (الأهم) وهو سبب خروجهم وهمهم لدخول مكة ثم يأتي لحقوقهم التجارية بعدها (المهم) عملاً بقاعدة الأهم فالمهم في الحوار.

3- الاتفاق على أرضية مشتركة من أجل حوار بناء: -

-قال الله تعالى: -

(تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ...)

-ونجد رسالة النبي إلى النجاشي ملك الحبشة وكان يدين بالمسيحية ويدعوه فيها للإسلام: -

(... فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة فحملت بعيسى فخلقه الله من روحه ونفخه كما خلق أدم بيده ونفخه وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فإني رسول الله وقد بعثت إليك ابن عمي جعفراً ونفراً معه من المسلمين فإذا جاءك فأقرهم ودع التجبر فإني أدعوك وجنودك إلى الله فقد بلغت ونصحت فأقبلوا نصحي. والسلام على من اتبع الهدى).

فالاتفاق على نقطة متفق عليها وأرض مشتركة بين المتحاورين يضع نقطة للتقارب بين المتحاورين، ويجعل من النقاش سلس ونخرج منه بإيجابيات ويجعله حوار خصب وبداية اتفاق على جدوى الحوار فيما نختلف عليه ونتحاور عليه ومنها للوصول إلى نقاش مثمر ينتج عنه توافق بين المتناقشين على اقتناع أحد بأفكار الآخر أو جزء منها.

4- ترك ما نحن متفقون عليه ونتناقش فيما مختلفون فيه لعدم إضاعة وقت النقاش: -

-قال الله تعالى: -

(تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ)

من المهم أن نحدد ما هو مشترك ومتوافق بيننا في موضوع الحوار لتكون أرضية مشتركة حتى نتجنب النقاش فيما نحن متفقين به لعدم ضياع وقت الحوار ونتناقش فيما نختلف عليه وهذا بعد تحديد الموضوع الأساسي فنبحث عما هو مشترك في الحوار ومتوافق عليه بتفاصيله.

فإذا كنا في نقاش وظللنا نتحاور في شيء متفق عليه ومشترك بين المتحاورين إذن فأين النتيجة التي سنصل اليها ونحن متفقون في الأساس. فالأفضل ترك المتفق عليه والنقاش حول ما نختلف عليه للوصول لوجهة نظر مشتركة.

5- الثقة في الحوار: -

نجد هذا في حوار النبي يوم صلح الحديبية نجد الثقة المتبادلة مع مبعوث قريش في الاتفاق والحديث دون تشكيك في أحد. وأيضاً في حوار السقيفة بين الصحابة.

فلابد من الثقة مع من نحاوره وعدم محاولة تخوينه أو التشكيك فيه أبداً ولا مهاجمة ذات الشخص المحاور ونقده ذاتياً حتى لا يتحول النقاش أو الخلاف لخلاف شخصي يفسد بين الناس الود والتفاهم والحب والأخوة فلابد أن تظل الثقة متبادلة بين أطراف الحوار.

6- التجرد للوصول للحق حتى لو لم يوافق آرائنا: -

فنجد حوار النبي مع الحباب في غزوة بدر عند اختيار موقع للعسكرة فيه وحاوره الحباب في هذا المكان وأن الأفضل هو عند بئر بدر فاقتنع النبي برأي الحباب ووافقه ولم يتمسك برأيه السابق (وقد ذكرناه تفصيلاً بباب السياسة).

وأيضاً موقف عمر بن الخطاب مع السيدة التي عارضته بالمسجد وتقبل رأيها واعترف بصحته كما ذكرنا بالسابق.

يقول الإمام الغزالي: -

(التعاون على طلب الحق من الدين ولكن له شروط وعلامات منها: أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد معاونه ويرى رفيقه (محاوره) معيناً لا خصيماً ويشكره إذا عرفه الخطأ وأظهره له).

فلابد بعد النقاش والوصول إلى نتيجة سليمة وصحيحة أن نعترف بها حتى إن لم تكن تصيب وجهة نظرنا والموافقة عليها إحقاقاً للحق والتجرد لإظهاره على الباطل والحق هو الحق الإلهي الذي لا يتنافى مع الفكر الإسلامي الإلهي الذي يدعو لإظهار الحق الخالص من أجل تطبيق العدالة.

فالهدف للحوار هو الوصول إلى الصواب وأصح الأفكار، وليس اثبات وجهة نظرنا فقط فقد تكون خطأ.

7- عدم التعصب لآرائنا إن ثبت خطؤها والتراجع عنها والاعتراف بالخطأ: -

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً).

والمراء هو من يتمسك برأيه وهو على خطأ. فالرضاء بنتيجة النقاش وعدم التعصب لآرائنا إن كانت في الموقع الخطأ والاعتراف بالخطأ لأن الاعتراف به فضيلة وليس تقليلاً من النفس.

فنجد الرسول عندما لم يصب رأيه الصواب في حادثة النخل لم يتعصب لرأيه بل قال للصحابة (أنتم أعلم بأمور دنياكم).

ونجده عليه السلام عندما نزل في موقع ما بغزوة بدر وكان من الخطأ المكوث به ونوه له أحد الصحابة (الحباب) بهذا وأكد له أن الحرب والمكيدة هنا تقول إلا نمكث بهذا المكان وقال فلنقم وننزل بماء القوم (النزول عند الماء ومنع العدو من الوصول له). فلم يتعصب الرسول لرأيه وجاء في صف الرأي الصواب والحق.

ونجد عمر بن الخطاب وهو أمير المؤمنين في المسجد عندما خطأته امرأة صحح من رأيه ولم يتعصب لنفسه قال: -

(أصابت امرأة وأخطأ عمر).

وكان يخطب في زيادة المهور ورأيه أن يتم تقليلها فقالت له امرأة يقول تعالى: -

(وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا)

فقال قولته عندما تبين أنه خطأ ولم يتعصب لرأيه ولم يتشبث به، وأن رأيها أصاب الحق بقولها وخطأ نفسه وصحح رأيه متجرداً دون تعص من أجل إحقاق الحق.

يقول الإمام الغزالي: -

(إن التعصب من آفات علماء السوء فإنهم يبالغون في التعصب للحق....).

فالتعصب للرأي الخطأ يؤدي إلى الفساد في النهاية وليس للرأي الصواب. فيجب قبول الرأي الآخر لأنه لا يوجد من يملك الحق والصواب المطلق بل كل رأي يحتمل الخطأ والصواب. فهدف للحوار الوصول إلى الصواب وأصح الأفكار، وليس اثبات وجهة نظرنا فقط فقد تكون خطأ.

8-استخدام مفاهيم ومصطلحات مفهومة للمتحاورين: -

لابد من استخدام مفاهيم ومصطلحات تتناسب مع المستمعين والمتحاورين من أجل الوصول إلى جميع الناس على اختلاف قدراتهم الفكرية والتعليمية لفهم كل جوانب النقاش مع تحديد دقيق للمصطلحات والمعاني لعدم فهم الكلام بأسلوب خاطئ. وهذا حتى يستوعب الجميع ويستفيد المستمع وتسد الفجوة بين المتحدث والمتلقي.

9- استخدام الأدلة والحجج في النقاش لإثبات أقوالنا وآرائنا: -

-قال الله تعالى: -

(... قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)

فهذه دعوة من الله للنبي في حواره مع المشركين بأن يأتوا بدليل على كلامهم ليثبتوا إن كانوا صادقين في حديثهم أم لا. فللتأكيد على آرائنا لابد من استخدام الأدلة سواء من الدين أو التاريخ أو المنطق على حسب الموضوع حتى يتحلى المحاور بالثقة عند المستمع ويكون كلامه مدعماً بحجة قوية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم