مرت أوروبا في العصور الوسطى بعصور تسمى المظلمة وهذا لمدى الفساد والظلم والاستبداد والقهر والتخلف والجهل الذي تفشى مع سيطرة رجال الدين على العلماء ورفضهم لكل تحديث في العلوم قد يضر كهونتهم، مع وجود الملوك الذين قهروا الشعوب بالممالك المختلفة وعاثوا فساداً في الأرض.
ورغم أن المنطقة العربية كانت تمر في هذا الوقت بعصر نور وعلوم متنورة وعلماء متقدمين بمجالات مختلفة بعد أن توصلوا لعلوم اليونان وغيرهم وترجموها وبدأوا من الإستفادة منها إلى تزويدها وتطويرها كعادة أي حضارة، ولكن انقلب كل شيء فتوقف العلم وتمادى الجهل وخرجت أوروبا من الجهل إلى النور بأخذ هذا العلم وتطويره وبناء حضارة خاصة بهم.
نحن الآن نمر بما مرت به أوروبا في العصور الوسطى من تخلف واحتقار للعلم وتحقير العلماء والمفكرين وعدم تقدير الكلمة والكتابة بل السعي إلى التفاهات وزيادة الجهل بالتحكم المستبد في التعليم والفساد الإقتصادي والدمار الصحي، وتهافت المجتمعات على الحماقات والجهل والخرافات والسحر والشعوذة والتكفير باسم الدين لمن يحاول يفكر ويغير ويرفض الفساد والظلم والتبعية وراء رجال دين وسياسيين لمجرد العاطفة وعدم تقبل الآخر ورأيه وعدم وجود لغة حوار بل الاستبداد مكنون بداخل كل فرد فمع مجرد الخلاف يمنع غيره من الحديث سواء بالواقع أو على مواقع التواصل بالبلوك فمثلهم كمثل المستبد على رأس السلطة فهم لو في مكانه كانوا فعله مثله وأكثر.
ما آلت إليه أمورنا ليس بسبب الدين كما يدعي البعض وانما بسبب استخدام الفاسدين من حكام ورجال دين لأكاذيب وصبغها بصبغة دينية من أجل الحفاظ على مكاسبهم الفاسدة.
توالت السنون وتراكمت الهموم ومازالت القداسة حول التاريخ مغلفة لا يمكن نقده أو التحدث عنه حتى لا يتهم أحد بالكفر، ونتراجع تدريجياً إلى عصور الظلام لتكون عربية خالصة نستخدم فيها التكنولوجيا ولكن كمستهلكين من أجل إشباع الغرائز وليس من أجل التعلم والتثقيف بل تجد من يحتقر العلم وأنه غير ذي جدوى المهم تاخد شهادة ولكن ليس من المهم أن تستزيد علماً ومنهم من يتفاخر بجهله، تجدهم يكفرون من يفكر وينقد، وتجد الدولة تستبد وتظلم وتدمر التعليم والصحة، ينتشر الاقطاع بصور حديثة والجميع عبيد لديهم ولا أحد يقوى على الوقوف في وجه الملوك الجدد ببيوت الرئاسة وقصورها الفخمة، ونجد الحاشية تتمتع بخير الأوطان والشعوب عبيد لديهم وتصدر القوانين ليتنعموا أكثر ويستعبد الشعب أكثر فأكثر.
ما أشبه اليوم بالبارحة مع اختلاف الزمان والمكان فمن أوروبا إلى المنطقة العربية التي كانت في حضارة ونور أصبحت الآن في غياهم الظلمات ولا أحد يحاول الخروج منها بل يتمسك بجهله ويرفض التعلم والوعي ويرفضون الاستماع له ونسوا كلمة اقرأ التي هي أساس المعرفة فبُعدها ليس القراءة فقط أو التعلم بل المعرفة بشكل عام ونقلها للآخرين ومنها إلى التطوير والتقدم، وليسأل كل فرد نفسه كيف بنت أوروبا حضاراتها الآن ليس إلا بالقراءة والكتابة فمن منتصف القرن الخامس عشر بدأت النهضة وتوال كتاب الفسلفة ومن هذه الكتابات لروسو ومونتسكيو وغيرهم بنيت السياسة الحديثة التي هي أساس تطور المجتمعات والدول بتحرير الشعوب وامتلاكهم لمقدراتهم وتحررهم من الجمود الفكري.
فهل يمكن أن نصل لهذا أم سنظل في غياهم الظلمات وعصور الظلام العربية للأبد دون محاولة؟!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكراً لتعليقكم