كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 1

 


هذا الكتاب يشرح منهج الفكر الإسلامي وفلسفته... ويوضح أنه ليس فكر ديني قاصر على المساجد فقط؛ وإنما هو نظام ومنهج شامل يحتوى على أسس سياسية، اقتصادية، اجتماعية، وثقافية، معمول ببعضها الآن في الدول المتحضرة، وينادي ويدعو لها أصحاب الأفكار الغربية، وأتعجب بعد محاورة البعض... يقولون إن الإسلام هو أساس الاشتراكية، أو منبع الليبرالية؛ رغم كل الأخطاء في هذه الاتجاهات والأفكار، ورغم أن كلاً منهم ذو أفكار ناقصة، وقد ظهرت عيوبه بعد ذلك؛ وأن النظام الإسلامي يعالج كل هذه الأخطاء كما سنرى.

فرأيت بعد قراءات عديدة ونقاشات مختلفة مع أصدقاء وزملاء مختلفين في الاتجاهات والأفكار أن أحاول شرح منهج الفكر الإسلامي وفلسفته بمختلف جوانبه؛ حتى يعلم من لا يعلم ما هو منهج وفكر الإسلام (السياسي والاقتصادي والاجتماعي) ومنهجه الشامل للدولة، وقمت بالتدليل على كلامي بأدلة من القرآن والسنة ومواقف للنبي والصحابة؛ لأثبت لكل صاحب فكر ورأي أن الله أعطانا أساس المدنية منذ أكثر من 1400 عام فلماذا أبحث عن بديل ناقص ومرقع ومازال يحتاج إلى رقع عديدة.

وهنا نقول أن النظام الإسلامي وفكره ما هو إلا فهم بشري لمنهج إلهي، وأنه جاء بتشريعات إلهية وخطوط عريضة وتصرفات من النبي، ومن تابعيه على أساس فهمهم للجوانب الإنسانية وقواعد الدولة المدنية في الإسلام على ثلاث أسس في الحياة هي (العدل، الحرية، المساواة)، فلذا نسير على هداهم بقول الرسول:-

(عليكم بكتاب الله وسنة رسوله والتابعين من بعدي).

ونجد من يقول أن الإسلام ما هو إلا دين فقط، وإذا دخل إلى الدولة أصبحت دولة دينية كما حدث في أوروبا إبان العصور الوسطى، ولكن نرد عليه أن هذا لم ينادي به الفكر الإسلامي أبداً، كما سندلل على هذا في باب السياسة غير أن الرسول كان يفصل بين الأمور الدينية التي كان يبلغها من الله ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4))، والتي لا يخطئ بها أبداً وبين الأمور الدنيوية التي كان يشارك الصحابة بها ويمشي فيها برأيهم مادام نال موافقة الأغلبية، وأيضاً التي أخطأ بها في بعض الأحيان كحادثة النخل وقال بها (أنتم أعلم بأمور دنياكم).

ولأني أجد من يتحدث أن الدين الإسلامي لا يرتبط بالدولة ولا يوجد له أي دخل بالسياسة وإن أي تدخل للدين بالسياسة هو وجود لحكم ثيوقراطي مستبد. فمن يقول هذا هو من يضع صوب عينيه التاريخ الأوروبي في العصور الوسطى والتجربة الإيرانية ولكنه لم يدرس التاريخ الإسلامي في عصر الخلفاء الراشدين ومن قبلهم أحكام وأفعال الرسول في الدنيا وفي إدارة الدولة التي أسسها في المدينة بعيداً عن الدين، ولكن كل ما فعله هو تأسيس لمعنى مصطلح (الدين والدولة) فجعل الدولة بعد حرف العطف ليؤكد أن الدولة لابد أن تربطها مرجعية دينية أخلاقية ثابتة ولكن لا تحكم باسم الله، فالرسول نفسه لم يحكم باسم الدين وباسم الله أبداً، وإنما بفكر الدين وفلسفته في الدولة والحياة وسندلل على هذا في رؤيتنا التالية.

ولكنه أسس لدور الحاكم وما هو ملزم به لإدارة الدولة ليؤكد على وجود الدولة في الإسلام مثل جمع الزكاة (الضرائب)، القصاص (تطبيق القانون)، مصارف الزكاة (التخطيط)، تطبيق العلم، الشورى (الديمقراطية). وأكد على ضرورة وجود حاكم ووجود حكومة مساعدة فكان نقباء المهاجرون الأولون ونقباء الأنصار الاثنا عشر منهم أهل الشورى والوزراء ووزعت عليهم الحقائب الوزارية فمن له الحجابة ومن له السقاية ومن له الترجمة ومن له حمل الأختام ومن له إمارة الحج ومن له الفقه ومن له التعليم والسفارة والحرب فأسست الدولة بأركانها منذ اليوم الأول مكتملة.

فنجد الدولة بالإسلام بدأت منذ أول يوم دخل به الرسول إلى المدينة فأخا بين المجاهرين والأنصار ووادع يهود المدينة (وحد الأمة) ثم كتب كتابه بين الناس (دستور الدولة) وبدأ ببناء مسجده (نواة الإعمار) ثم وزع الأدوار والمناصب وأستخدم المؤهلين وأصحاب الخبرة في مجالاتهم فحدد بهذا خطوات بناء الدولة الحديثة.

ومقولة (الدين المعاملة) توضح أن الدين الإسلامي يشمل كل شيء في المعاملات الحياتية السياسية منها والاقتصادية، الاجتماعية، التربوية، القانونية كما سنرى في فصول هذا الكتاب الخمسة.

وجاء القرآن بأسس الدولة وبتحقيق مقاصد الشريعة لحماية كرامة الإنسان بحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والعرض والمال وجاء بأسس قوية في نظام الأسرة وتكوينها وجاء بأسس حماية النفس وحرية الفكر والعبادة مع وضع الأسس القانونية لمحاسبة المعتدين على أي من حقوق الآخرين وبناء اقتصاد قوي وقانون عادل لبناء دولة حضارية قوية.

فلم يترك الفكر الإسلامي شيئاً إلا وتحدث فيه وشرع له فسن قوانين المعاملات التجارية والجنائية والدولية لإقرار السلام والأمن وحتى آداب الطعام والشراب (الإتيكيت) والسلام والحديث والسفر والمرض وكل ما يلزم الإنسان والمجتمع والدولة.

وعلى المستوى السياسي بالدولة وضع أسس الشورى والديمقراطية والحريات السياسية من أحقية الترشح والانتخاب والاعتراض وتداول السلطة برضا الشعب. والأساس بالدولة هو أن يكون الوطن قوي بقوة الإنسان الذي يحصل على العدل والكرامة والحرية والحياة الإنسانية وهذا بالشريعة ومبادئ الفكر الإسلامي ومقاصد الشريعة وهي مرنة لأنها أسس ومبادئ ومتروك للمطبق الإنسان كيفية تطبيقها في أي زمان ومكان لإقامة المشروع الحضاري للدولة والمجتمع والفرد.

وأن المشروع الحضاري للدولة يقوم على:-

1-  كفاءة الإنسان.

2-  فاعلية المجتمع.

3-  قوة الدولة سياسيا واقتصاديا.

4-  تحقيق مقاصد الشريعة (حفظ الدين، العقل، المال، النفس، العرض).

ولذا يجب أن يقوم الفكر والدولة على بناء الإنسان الكفؤ، تكوين مجتمع فاعل، دولة قوية حضاريا واقتصاديا، تحقيق مقاصد الشريعة لحماية حقوق الإنسان. وهذا ما يؤسس له الفكر الإسلامي.

فنؤكد أن المنهج الإسلامي كما وضع عبادات وضع منهج للمعاملات في كل مجالات الحياة وبناء الدولة وأكد أن العبادات في الإسلام توقيفية على النصوص أما المعاملات في مختلف الحياة هي تقديرية تقريبية على أساس المصلحة المتبادلة وعلى أساس الخطوط العريضة التي وضعها الفكر الإسلامي.

وأن العبادة في الإسلام داخلية للمساجد بين العبد وربه وخارجية بين العبد والناس فالدين المعاملة وتشمل المعاملة السياسة والاقتصادية والحياة الاجتماعية والثقافية. لأنه أسلوب حياة شامل كل هذا وإتباع قواعده في الحياة من العبادة.

وكانت الشريعة القانونية للعقاب على ما يفعله الفرد ويضر به المجتمع في الدنيا أما ما يضر به نفسه فعقابه مع الله.

الفكرة هنا أنه يوجد ترابط بين الدين والدولة ولكن الهدف هو أساس ومرجعية أو أيدولوجية، ولكن ألا يحدث استخدام للدين لخدمة أهداف سياسية غير سوية فتتحول الدولة لثيوقراطية ويغيب عقول الشعب وهذا ما سندلل عليه في الأبواب القادمة.

وإن كان المنهج الإسلامي جاء بما وصل إليه تفكير الغرب بمناهجهم البشرية دون عناء فهو بهذا لا يلغي العقل، وإنما جاء بالأسس والقواعد في السياسة والاقتصاد والقانون والحياة الاجتماعية وما إلى ذلك وترك للبشرية التفكير في كيفية التطبيق دون الخروج عن الأساس أما المناهج الغربـية اختلت لعدم وجود أساس قوي والخروج عن فكرها بالأنانية المطلقة في جني المادة دون وجود روح لها.

فلذا وضعت هذا الكتاب بين يدي الناس حتى أحاول أن أفسر فيه ما هو منهج الفكر الإسلامي (السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي والقانوني) وماهيتهم وخصائصهم وأسسهم التي تتحرك من خلالها الدولة لبناء حضارة ودولة قوية تتمتع بالسماحة والتعايش السلمي بين الدول.

وأنوه أن هذا عمل بناء على فهم بشري بحت مستلهم ويرتكز على أفكار مستوحاة من أسس و كلام الله لرسوله ولأحاديث ومواقف للرسول مع أصحابه وطرق إدارته للدولة ومن ثم الخلفاء الراشدين من بعده وقد أكون أصبت وقد أكون أخطأت في الفهم أو التوضيح. وأن الأفعال والأحداث والمواقف التي توظف لخدمة النقطة التي يتم شرحها ليست سرداً تاريخياً، وأن مواقف النبي في الدولة كحاكم نأخذ منها أسس الحكم ولكن مواقفه كنبي هي أمر آخر لا مجال لنقاشه في هذا الموضوع. والله الموفق والمستعان.

                                                   

                                                     أحمد عادل داوود

يونيو 2019


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم