نتابع ما بدأناه بالحديث عن أشكال الدول، والتي بدأناها بالحديث عن الدولة المدنية وأسس تكوينها
نصل
الآن إلى الدولة العَلَمانية وهي الدولة التي تعمل على الفصل بين الدين والدولة
بشكل أساسي وكامل وعدم التأثير الديني على أي قرار أو قانون بالدولة، وتعلي من
الحريات الفردية بشكل كبير، والتي قد تصل في بعض البلدان إلى التعدي على الأديان
الأخرى بدافع الحفاظ على مبادئ الحرية العَلَمانية.
تعمل
الدولة العَلَمانية على حماية الأقليات الدينية والعرقية وعدم التمييز بينهم رغم
المغالاة في التحفظ ببعض البلدان على بعض الأقليات الدينية.
ولا
تشترط الدولة العَلَمانية على شكل محدد في الحكم سواء ملكي، جمهوري، برلماني. إلا
أنها لا تشترط أيضاً وجود حكم ديمقراطي أو لا، فقد يتم تطبيقها مع نظام حكم
ديمقراطي أو شمولي أو عسكري.
ومع
صعوبة وضع تعريف محدد لها لأنها متحورة من دولة لأخرى، لكن تبقى بعض الأسس الثابتة
التي تحدد شكلها، وهذا ما سنتحدث عنه بالنقطة القادمة.
لا
تختلف أسس الدولة العَلَمانية عن أسس الدولة المدنية كثيراً مع زيادة الحريات في
بعض الأحيان أو انتقاص العدالة إذا طبقت الدولة العَلَمانية في حكم شمولي أو
عسكري.
1- الفصل بين الدين والدولة: -
تعمل
العَلَمانية بشكل أساسي على الفصل بين القرارات السياسية والدينية وعدم التأثير
عليها، واستقلالية القرار والسلطة من السيطرة الدينية، وهذا الفصل قد خدم الدين في
الولايات المتحدة من تدخل السياسية والدولة فيه، وخدم الدولة في أوروبا من تدخل
الكنيسة فيها وسيطرتها على الدولة، وهذا كان منبع فكرة العَلَمانية.
ويكون
الفصل في الدولة ليس بين الدين ومؤسسات الدولة فقط بل بين الشخصيات الدينية
والسياسية أيضاً، وهذا للحد من تدخلهم ومنع سيطرتهم على العمل السياسي والتوجيه
الديني السياسي للشعوب لخدمة أغراض شخصية.
وتعمل
على السعي إلى الاتفاق مع العلوم، والاهتمام في تَحقيق الانفصال بين شؤون الأديان
والدول، وقطع العلاقات بين المجتمعات والدين، وتطبيق كافة الأفكار والمُكوّنات
الصناعيّة المُعتمدة على صناعة الإنسان لها.
ويجب
على كل ما هو ديني وروحاني الامتناع عن فرض أي هيمنة على الدولة، وأن ينأى عن أي
بعد سياسي. فالعَلَمانية لا تتطابق مع أي تصور أو رأي ديني قد يرغب من خلاله
التحكم في النظام الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي، باسم الشريعة والمبادئ
المفترضة التي يحملها هذا الدين.
وتعمل
العًلًمانية على التمييز بين حرية التعبير الروحانية أو الدينية في المجال العام،
وهي حرية مشروعة وجوهرية للحوار وتعطي حرية الاختيار للدين بشكل مطلق وممارسته،
وبين الهيمنة على المجال العام، الذي يعد أمر غير مشروع في الفكر العًلًماني. ويعطي
الحق لممثلي هذه الخيارات الروحانية المختلفة أن يشاركوا بصفتهم هذه في الحوار
العام، على غرار أي فرد من مكونات المجتمع.
ويستفـيد
من هذا الانفصال كل من الديانات والدولة على حد سواء، فالأولى تركز على مهمتها
الروحانية وتجد فيها حرية التعبير والممارسة والاعتناق. والثانية الغير مقيدة بأي
رابط ديني أو مذهبي، وتعد وقتها الدولة ملكاً لجميع المواطنين بالمساواة في الحقوق
والواجبات.
وتتطلب
العَلَمانية استقلالية السلطة السياسة كما استقلالية مختلف الخيارات الروحانية أو
الدينية التي لا سلطة لها على الدولة، كما أن ليس لهذه الأخيرة سلطة عليها.
وفي
حيز الفكر العَلَماني، يعد كل تدخل سياسي فيما يختص بالتوجهات الروحانية أمر غير
مشروع. فإن العلمانية تنطوي على حياد الدولة فعليها ألا تمنح أية أفضلية لخيار
روحاني أو ديني دون غيره. واستناداً إلى مبدأ المساواة لا تمنح الدولة العلمانية
أي امتياز عام إلى أي من العبادات والأديان، كما أن العلاقات التي تقيمها مع كل
منها يميزها مبدأ الفصل القانوني والحرية العقائدية والشخصية.
2- الحرية الشخصية والدينية: -
تؤكد
الدولة العَلَمانية على الحرية المطلقة للأشخاص دون تقييد أو شرط حتى لو تعدى على
معتقدات الغير كما يحدث في بعض البلدان العَلَمانية بالتعدي على الأديان الأخرى
بصور كوميدية مثل فرنسا.
ولكن
تظل الحرية بالعقيدة وممارستها ميزة بالدولة العَلَمانية حيث أنها تعطي لكل فرد
الحق الكامل في اختيار ديانته بدون سلطة أحد من الأهل أو من الدولة.
فهي
ليست ضد الدين بشكل كامل ولكنها تضعه بمنطقة الحياد، وبعيداً عن الحرية العقائدية
وعن العمل السياسي وتعلي عليه الحرية، الشخصية بشكل كامل.
3- المساواة: -
تتعامل
الدولة بمنطلق المساواة بين الجميع دون أدنى تفرقة بين أحد على أساس عرقي أو ديني،
في كل مجالات الحياة، وبالمساواة في الحقوق والواجبات بينهم، وفي حق تكافؤ الفرص
في التعليم والخدمات والصحة والسكن وما غير ذلك مما تقدمه الدولة للمواطن.
4- الفصل بين السلطات: -
تحافظ
الدولة العَلَمانية على هذا المبدأ كجزء من أسسها، فلا يحدث تداخل بين السلطات
التشريعية، القضائية، التنفيذية. ويتم التنسيق بينهم للحفاظ على استقلالية كل سلطة
بدون تعدي احداهما على الأخرى.
ولكن
لأن العَلَمانية قد تطبق بدول ذات حكم شمولي واستبدادي فهذا يجعل مبدأ الفصل بين
السلطات عرضة للتلاعب وعدم الاستقلالية كما يحدث بروسيا مثلاً فرغم كونها دولة
عَلَمانية إلا إنها بها حكم ذات طابع شمولي استبدادي لا يوجد فيه فصل بين السلطات
ولا حرية رأي أو تعبير أو تعددية سياسية.
5- المواطنة: -
تحافظ
الدولة هنا على حقوق المواطنة والمواطن بصفة كاملة إلا إذا تأثرت بوجود حكم سلطوي
استبدادي، فيؤدي هذا إلى ضياع حقوق المواطن وضياع العدالة الاجتماعية، ويزداد
الأمر إلى التسلط على المجتمع ووجود طبقة أعلى من باقي الشعب تكون متحكمة فيه وفي
مقدراته. وهذا يرجع لعدم وجود ديمقراطية ووجود استبداد وحكم شمولي يمحي حقوق
المواطن من أجل إحكام السيطرة على الدولة..
أما إذا كانت الدولة بها حكم ديمقراطي فتتحقق مبادئ المواطنة والمساواة بين الناس كما تتحقق بالدولة المدنية بكل حذافيرها وفروعها من مساواة، وتكافؤ فرص وما إلى غير ذلك.
6- عدم تحديد دين للدولة: -
يؤكد الفكر العَلَماني على عدم تحديد دين للدولة، وهذا من أجل تثبيت فكرة الفصل بين الدين والدولة وحرية العبادة والعقيدة وممارستها.
7- حماية حقوق الأقليات: -
تعمل الدولة العَلَمانية على حماية الأقليات الدنيا والمستضعفة وتساوي بين حقوقهم وحقوق الأغلبية دون أي تفرقة. ولكن هذا قد يحدث به خلل عندما تغالي الدولة في حقوق الحريات، وعدم التزام الشخص بعدم التعدي على الآخرين ومعتقداتهم كما يحدث بفرنسا مثلاً من التعدي برسومات على الأديان الإسلامية، المسيحية واليهودية. وأيضاً ما يمارسونه من كبت للسيدات المسلمات وإجبارهم على خلع الحجاب لدخول الجامعة أو الدوائر الحكومية.

مقال ممتاز
ردحذفشكرا لحضرتك
حذف