يقول المفكر الفرنسي اتييان دو لا بواسييه في كتابه "العبودية الطوعية": -
(عندما يتعرض بلد ما لقمع طويل تنشأ أجيال من الناس لا تحتاج إلى الحرية وتتواءم مع الاستبداد، ويظهر فيه ما يمكن أن نسميه المواطن المستقر).
ولعلنا نعرف ونعي أن كل
حاكم يريد أن يستبد بالحكم ينشر مشاعر الكرة والذعر والإرهاب لكي يشعر المواطن أن أمنه
أهم من حريته وأن الطعام أهم من استقراره.
هكذا يتعامل النظام مع
الشعب فوضعه تحت وطئة القمع منذ انقلاب 23 يوليو ١٩٥٢ وقتلت الديمقراطية ولغيت الأحزاب،
ودمرت الحياة الاجتماعية. ثم جرت تدريجياً الي بوتقة التغييب وإلغاء العقول
واستحمارها بالتعليم الفاسد الضار للعقل، وبالإعلام المزيف التي تسيطر عليه الدولة.
سواء المسموع او المرئي او المقروء.
حتى تعالت أصوات الزيف
الإعلامي والتعليمي من كل جهة بسيطرة أجهزة المخابرات بوقتنا الحالي على عدة قنوات
وجرائد واستخدام الأذرع مختلفة من مثقفين واعلاميين ورجال دين بعد سيطرة الدولة
علي الازهر والكنيسة فأصبح كل هؤلاء أكبر الرعاع والافاقين، ودمرت الصحة العقلية وأصبحوا
من ضمن القطيع يسيرون دون عقل.
فخلق النظام المواطن
المستقر الذي يريد أن يعيش تحت أقدام الظلم غير مهتماً سوي بالطعام، وظهرت أمثال
على ذلك مثل (اللي يمشي جنب الحيط، ومن خاف وسلم) وغيرها من الأمثال التي تدعو إلى
الاستكانة، والجبن، والخوف. فخلق جيل كامل علي هذا المنوال دمر الوطن بجبنه وخوفه.
وظل مستكيناً للظلم وحاول أن يجعل جيل الشباب أن يموت ويستكين مثله. حتى بعد
الثورة ظل هذا الجيل يحمل الخوف بداخله من التغيير الذي صنعه الشباب.
جيلاً يرى أن
الديمقراطية والحرية تقضي عليه وعلى حياته، وصدق كل ترهات النظام الذي ظل يوهمه
بالإرهاب والخيال والذعر. فنقله في البداية بالخوف من عودة النظام الملكي الاقطاعي
الذي أفقر الشعب وجعل ثروات الوطن في يد قلة تحظو بكل شيء، مع الخوف من الاحتلال
الغاشم الذي نهب الوطن، إلى خيال الانقلابات علي ناصر كحادثة المنشية، الي الحروب
التي كان يسير إليها النظام بالمشوار وبالعنجهية والعنترية، إلى وهم الإرهاب الإسلامي
وفزاعة الإخوان حتى يستكينوا أكثر، ويصمتوا على كل أنواع الظلم والفساد والعسكرة
للدولة.
فكان النظام الاستبدادي
الشمولي العسكري الذي وضعه ناصر ليجهل الشعب ويجعله تحت طوعه بانتصارات زائفة مثل
انتصرنا وقت العدوان الثلاثي رغم الهزيمة الذي كان يجب أن يحاسب عليها، ومثل
صواريخ القاهر التي لم يكن لها وجود أو حقيقة فعلية. ولكن لا ننكر بعض الأعمال
التي شجعت الصناعة الوطنية التي دمرتها أيادي النظام العسكري السلطوي الذي وضعه
ناصر من بعده على يد السادات ثم مبارك الذي دمر المصانع الوطنية الذي بدأت في عهد
ناصر. ولكننا هنا بصدد التحدث عن مجمل الحكم وليس أقوال أو أفعال فالأعلى يناقش
الأفكار التي تشمل كل شيء والأدنى يناقش كلمة أو فعل ما. فكان النظام الشمولي
العسكري المستبد الذي أضاع الدولة تماماً بعد ضياع تحت وطئة الاحتلال لسنوات
وقرون.
فزُرع بالمواطن الخوف
والجهل بالحكم الشمولي الموجه له في كل شيء عن طريق الخطب الرنانة والاتحاد
الاشتراكي وندواته، ثم توالى التدمير الممنهج من بعده بالحكم السلطوي على يد
السادات ومبارك مع تدمير ممنهج للمواطن وتعليمه وصحته وحياته الأخلاقية والاجتماعية
والاقتصادية.
فأصبح المواطن يشعر أن أمنه
بغلو الأسعار وقتل الحرية وأن طعامه مرتبطاً بقتل الآخرين. فخيل لهم أن استقرارهم
ليس مهماً مقابل الطعام رغم أن بالاستقرار يحصل على طعامه متوفراً سهلاً وأن حريته
ليس مهمة مقابل أمنه رغم أن بحريته يحصل على أمنه واستقراره وطعامه وحياته كاملة.
حتى وصلنا إلى ما نحن فيه
إلى مواطن يكره الحرية ويخاف منها، ويسب ويخون من ينادي بها، ويصدق كل ترهات النظام
العسكري المستبد واعلامه. فصدق فيديو عن حرب بلعبة ما أنها حقيقية، وصدق من قبلها
جهاز الكفتة. ولم يصدق شباب يريد التغيير لإقامة العدل، والحرية، والمساواة وخونهم
وقبل قتلهم وظلمهم لمجرد الاختلاف في الرأي.
نتمنى أن نعي معنى
الحرية، ونعي أنه لا يوجد أصنام للعبودية، وأن الجميع قابل للنقد، وأن لا أحد فوق
النقد حتى نستطيع أن نرى أين الخطأ ونصححه. وأتمنى أن نعي أن وحدة الشعب هي القوة
الحقيقية مع نبذ الخلافات الجانبية والأيدولوجيات حتى نتحد أمام القهر والظلم
والفساد العسكري الذي يجثو على رقابنا منذ سبعون عاماً. فنصل إلى الاستقرار
الحقيقي بالحرية والعدل وليس بالقهر والظلم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكراً لتعليقكم