استكمال المقال السابق
تحدثنا بالجزء السابق عن الثروات المنهوبة في الوطن العربي من قبل الاستعمار الغربي، ولكن الأمر لا يتوقف عند نهب العرب فقط بل ونهب أفريقيا القارة الغنية التي تطعم الغرب ولا تجد ما تطعم به أطفالها.
وصاحبة نصيب الأسد في هذه السرقات والغنائم الأفريقية هي فرنسا، فذكر الكاتب الصحفي تومبورجيس المقرب من دهاليز الحكم في عدد من الدول الإفريقية ـ في كتابه (آلة النهب) بأن صادرات الوقود والمعادن من إفريقيا إلى فرنسا بلغت في 2010 نحو 333 مليار دولار، وهي علاقة تجارية ليست عادلة، حيث تصب المنفعة للطرف الفرنسي فقط هكذا، لأنه يستحوذ على أكثر من 80% من احتياطيات النقد الأجنبي في 14 دولة إفريقية كانت مستعمرات فرنسية في القرن العشرين، وتدفع فرنسا مقابل ذلك نحو 10% من المقابل الحقيقي للثروات المستوردة ـ بحسب تصريح لوزير فرنسي لموقع أفريكا انفو.
فتحتفظ فرنسا بالاحتياطي النقدي
لهذه الدول ببنوكها والذي بلغ أكثر من 17 مليار دولار بفائدة لا تتجاوز 1.5% وفي
المقابل تعطي قروض لهذه الدول بفائدة تتعدى 5%. فلا عدل يحدث، بل ويزيد الأمر
بتدبيرها للانقلابات العسكرية لتقف ضد رغبة الشعوب في التحكم بأقدارها وبنفس الوقت
تدعي الحرية، فحددت فرنسا على هذه
المستعمرات شروط لتكون تحت طوعها وتظل تحصل على استفادة كاملة منها وهي: -
1- ديون استعمارية لمصلحة الاستعمار الفرنسي: -
فالدول
المستقلة ملزمة بدفع استحقاقات البنية التحتية التي بنتها فرنسا في هذه الدول خلال
استعمارها له رغم أن فرنسا كانت تدمر كل شيء عند خروجها مثلما فعلت في غينيا 1958
فعند خروج 3000 فرنسي مع خروج الاحتلال، فقاموا بهدم المزارع والمدارس والحقول
وقتل الحيوانات التي كانوا يمتلكوها غير حصولهم على أموالهم التي هي في الأساس
مسروقة من غينيا وهي حق الشعب غينيا وليست من حقهم.
2- مصادرة تلقائية للاحتياطات القومية: -
فهذه الدول الأفريقية ملزمة بإيداع 85% من احتياطاتها
القومية من النقد في البنك المركزي الفرنسي ولا تستطيع الحصول. فتحتفظ باحتياطات النقد القومية لـ 14 دولة أفريقية منذ عام 1961:
(بنين، بوركينا فاسو، غينيا – بساو، ساحل العاج، مالي، النيجر، السنغال، توجو،
الكاميرون، جمهورية أفريقيا الوسطى، تشاد، جمهورية الكونغو، غينيا الاستوائية،
الجابون).
ولا تستطيع
هذه الدول الوصول إلى أموالهم إلا بنسبة 15 % فقط وإذا أرادوا أكثر من أموالهم للحكومة
الفرنسية حق الرفض أو إعطائهم مقابل فوائد فيحصلون على حقهم بالفائدة.
3- الالتزام بإرسال تقرير عن الميزانية السنوية والاحتياطي.
4- لفرنسا الحقوق الحصرية لتزويد جيوش هذه الدول بالمعدات
العسكرية وتدريب ضباطها: -
فخلال
برنامج متطور للمنح الدراسية واتفاقيات الدفاع” الملحقة لاتفاقية الاستعمار على
هذه الدول الأفريقية أن يُرسلوا كبار ضباطهم من الجيش للتدريب في فرنسا أو التدريب
على المعدات الفرنسية.
وذلك
لكي يظل لديهم القدرة على توجيه دفة قيادة جيوش هذه الدول لصالحهم وضمان انتمائها
إليهم بل وتربية ضباط خونة ليكونوا تحت طوع فرنسا لعمل انقلاب عسكري إذا حاول حكام
هذه الدول التمرد على فرنسا مثلما حدث مع موديبا كيتا أول رئيس منتخب لجمهورية
مالي عندما قرر الانسحاب من عملة الفرنك الأفريقي التي كانت مفروضة على 12 دولة
أفريقية مستقلة فكان ضحية انقلاب عسكري وكان مُنفذ هذا الانقلاب عضو
سابق في الفيلق الأجنبي الفرنسي هو الملازم موسى تراوري.
وفي
الأول من يناير 1966 قام جان بيدل بوكاسا عضو سابق في الفيلق الأجنبي الفرنسي
أيضاً بتنفيذ انقلاب ضد ديفيد داكو أول رئيس منتخب لجمهورية أفريقيا الوسطى.
وفي الثالث
من يناير 1966 موريس ياموجو أول رئيس منتخب لجمهورية فولتا العليا – جمهورية
بوركينا فاسو الآن – كان ضحية انقلاب تم تنفيذه من قبل أبي بكر سانجوليه لاميزانا الذي
كان أيضاً عضو سابق في الفيلق الأجنبي الفرنسي والذي قاتل مع القوات الفرنسية في
إندونيسيا والجزائر ضد استقلال هذه الدول.
5- لفرنسا حق الحصول على أي مواد خام أو موارد طبيعية تم
اكتشافها في إحدى هذه الدول: -
فرنسا جعلت
لنفسها الأولوية في شراء أي موارد طبيعية مُكتشفة داخل أحد مستعمراتها السابقة. إلا
عندما تقول فرنسا “لا أريد ذلك” تستطيع هذه الدول أن تبحث عن مشترٍ آخر.
6- فرنسا لها الحق في نشر قواتها والتدخل العسكري في أي من
هذه الدول للحفاظ على مصالحها: -
تحت ما
يسمى “اتفاقية الدفاع” الملحقة بالاتفاق الاستعماري جعلت فرنسا هذه الدول توقع
عليها من أجل الحصول على الاستقلال، فتكون فرنسا لها الحق القانوني للتدخل العسكري
في هذه الدول الأفريقية، وأيضًا تمركز قواتها بشكل دائم في قواعد عسكرية في هذه
الدول وتدار بشكل كامل من الفرنسيين.
7- الأولوية لفرنسا والشركات الفرنسية في الحصول على
العطاءات والمناقصات العامة: -
الشركات
الفرنسية يجب أن توضع في الاعتبار أولًا إن لم تستحوذ على عقد ما أحد الشركات
الفرنسية يمكنهم فقط في هذه الحالة منحها العقد لغيره. ولا يهم إطلاقًا إن كانت
هذه الدول تستطيع الحصول على نفع أكبر إذا منحت العقد لشركة غير فرنسية.
8- الالتزام بجعل اللغة الرسمية للبلاد هي اللغة الفرنسية وأيضًا لغة التعليم.
9- التنازل عن حقهم في الانضمام لأي تحالف عسكري مع أي دولة إلا بعد الحصول على إذن من فرنسا.
10- الالتزام بالتحالف مع فرنسا في حالة وجود حرب أو كارثة عالمية.
11- الالتزام بالعملة الفرنسية للمستعمرات “الفرنك الأفريقي.
ولا
ننسى أن فرنسا جعلت هاييتي تدفع ما يساوي اليوم 21 مليار دولار منذ عام 1804 وحتى
1947 (تقريبًا قرن ونصف من الزمان) مقابل الخسائر التي تكبدها تجار العبيد
الفرنسيين مقابل إلغاء العبودية في هاييتي وتحرير العبيد فيها.
فما
كان إلا استقلال على الورق بل ظلوا متمسكين بالرق والعبودية للغير رغم المناداة
الدائمة بالحريات والاستقلال واستعمار الدول بدعوى المدنية والديمقراطية.
وتتسابق
الآن بريطانيا مع الصين وفرنسا لاستغلال أفريقيا والسيطرة عليها بعد تصاعد التنمية
في بعض الدول الأفريقية وانخفاض معدلات البطالة والأمية في بعضها، وذلك بنفس
الطريقة التي يعتمدها الاحتلال الاقتصادي الحديث وهو بالقروض ودعم المستبدين
والفاسدين للوصول للسلطة وتهريب ثرواتهم إلى الخارج، وتحويل هذه الدول إلى مستهلكة
فقط وليست منتجة. لتظل دوامة الفقر والاستغلال لهم ولمواردهم مصها كيفما يشاءون.
فثروات
أفريقيا ليست بالقليلة وتشكل نسبة كبيرة من الإنتاج والاحتياطات العالمية، ودول
كثيرة في أفريقيا تمتلك ثروات منهوبة مثل الثروة البترولية بليبيا والتشاد
ونيجيريا بالثروات الأخرى وكلها منهوبة بسبب تحالف الفساد والديكتاتورية مع
المصالح الغربية لنهب هذه الشعوب وتعيش بالنهاية تحت خط الفقر.
فرغم
كل هذه الثروات إلا أن حجم إنتاج الدول الأفريقية مجتمعة، وعددها 54 دولة، أقل من
ألمانيا ويكاد يعادل فرنسا. وهذا بسبب نهب الثروات المستمر من الغرب بمساعدة
الفاسدين والحكام اللصوص وعدم وجود تنمية حقيقية للإنتاج. بل افقار مستمر وممنهج
من أجل احكام السيطرة على ثروات الشعوب.
فيجب
أن تعمل هذه الشعوب معاً جانباً إلى جنب للتخلص من الفاسدين والمستبدين ومن تحكم
مصاصي الثروات الغربيين، لتنمية أوطانهم التي إن توقفت عن تصدير المطاط لسارت
سيارات أوروبا على قضبان حديدية، وإن توقفوا عن تصدير البترول لتوقف الحياة في
أوروبا. فليكن التفكير والعمل سوياً على هذا من أجل تنمية عادلة لكل الشعوب وليس
للأوروبيين فقط.


مقال جميل
ردحذفمقال ممتاز
ردحذفمنكم نستفيد
ردحذفالعفو. الاستفادة متبادلة. شكرا لحضرتك
حذف