نكمل الآن الجزء الثاني من التربية وهي التربية النفسية للنشء
- التربية النفسية:-
هي أهم خطوة لتقبل النشء كل أساليب التربية وتشمل التدرج وإعطاء الثقة وكل
ما سبق من أساليب التربية لأنها تجعل من الطفل متقبل لكل شيء ومقتنع به وينفذه في
داخله بأسرع وقت وهذا لكي يحصل الطفل على الاتزان النفسي والمعنوي والاجتماعي
والشخصي بالتربية بقواعد سوية وضوابط سليمة.
والهدف أن يتخلص الطفل من مشاعر الخجل والخوف والنقص وغيره والتحلي بضوابط
النفس عن طريق:-
1- علاقة الحب والاهتمام:-
من المهم إشعار الطفل بمحبة أهله كما دعا النبي وذكرناها في (باب الحياة الاجتماعية
بنقطة التعامل مع الأطفال) فهذا يقرب الطفل من الأهل ويخلقه سوي نفسياً وعاطفياً
ويكون هذا بطرق متعددة سواء كان:-
(جسدياً، الإظهار عاطفياً، تأمين جو عائلي آمن، الاهتمام والاحترام،
الخصوصية والاستقلالية، الاهتمام بهواياته، مشاركة الأفكار).
فكلما شعر الأطفال بالاهتمام والعاطفة كلما شعروا بالأمان وتقبل الإرشادات
والنصح والعكس صحيح فالأطفال الذين لا يشعرون بالاهتمام تحكمهم النزعة للسيطرة والأنانية.
2- تعليم مكارم الأخلاق:-
أهمية تعليم وتربية الطفل على الأخلاق الحميدة التي ذكرناها في باب الحياة الاجتماعية
منذ الصغر كعدم الأنانية والحب للناس ونشر الإيجابية الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي
ومساعدة الغير وما هو الصواب والخطأ وما غير ذلك بالتعود على العمل العام وإيثار
الغير على نفسه برؤية هذا يحدث من قبل أسرته ومجتمعه.
3- القدوة الحسنة:-
أهمية أن يكون الأهل والمجتمع قدوة جيدة لأطفالهم ليكون هذا متوازياً مع التربية
الصحيحة وغرس الأخلاق والتربية النفسية فيهم فبدون القدوة تكون التربية بلا جذور داخل
الطفل.
فالطفل يأخذ أخلاقه ليس من الأهل فقط بل من المجتمع
أيضاً لأن الجميع يساهم في التوجيه السلوكي للطفل. فتكون ملاحظة الطفل لما يفعله
الأهل والمجتمع بعد توجيهه. فالقاعدة التعليمية السليمة هي افعل ما أفعل لا افعل
ما أقول.
لذا فالسلوكيات الخاطئة من الأهل ستجعل من الأطفال غير
أسوياء مهما كانت قواعد التربية سليمة لأنه سيرى أفعال عكس ما يتم تربيته عليها فسيؤدي
هذا إلى تناقض داخلي له ورفضه التعلم والتربية والتوجيه والنصح والإرشاد.
4- السيطرة على العواطف السلبية:-
مساعدة الطفل في السيطرة على الحزن والغضب والخجل وهذا
بإعطائه مساحة للتعامل مع الآخرين ومساعدة زملائه والتعامل الاجتماعي معهم بالمدرسة
والمجتمع حتى يستطيع بسهولة إبعاد أي عاطفة قد تؤثر عليه كالخجل أو الخوف من
التعامل مع الآخرين أو إبداء الرأي ويكون لديه سهولة بالتعامل مع المجتمع.
وأيضاً تعليمه كيف يحل المشكلات بنفسه دون الاعتماد على
أحد، فيستطيع بعد ذلك مواجهة الواقع ومشاكله وحلها بدلاً من أن تحل له.
فكما يشجع الفكر الإسلامي الفرد على التفاعل مع المجتمع
ويحصل على مال تشجيعي كما ذكرنا بباب (الحياة الاجتماعية) فيشجع الطفل أيضاً منذ
الصغر بالتعود على العمل المجتمعي والتفاعل مع زملائه ليسيطر على انفعالاته وهذا يكون
عن طريق المدارس والدولة بتشجيعه على العمل العام وخدمة المجتمع والحصول مقابلها
على درجات دراسية ومنح دراسية.
5- معالجة الأخطاء والاعتراف بالخطأ دون خوف أو حرج:-
كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج الأخطاء بطرق لا تجعل
من أخطأ في حرج وبطريقة تجعله يتعلم ولا يعود إلى هذا الخطأ ولا يعند فيه كما فعل
مع من تبول بالمسجد أن قام بتوعيته بهدوء وليس بعنف.
وحتى إن حدث وأخطانا نحن في التعامل مع الأطفال في مرة لابد
أن نقوم بإصلاح الخطأ وتوعيتهم بظروف ما دفع لكسر القواعد السلوكية وما هو الأفضل
وهذا يعلمهم الاعتراف بالخطأ وإصلاحه وترسيخ لسلوكيات وقواعد التربية كما اعترف
النبي بأنه أخطأ في موقف بحادثة النخل وقال (أنتم أعلم بأمور دنياكم).
ففي أحد الأيام للنبي أنه رأى أناساً في رؤوس النخل فسأل:
ما يصنع هؤلاء؟ فقال له موسى بن طلحة: يلقحونه. فقال النبي: ما أظن ذلك يغني شيئاً.
وبعدها لم يثمر النخل عندما توقفوا عن تلقيحه فأخبر بهذا النبي. فقال: إن كان ينفعهم
فليفعلوه فإني إنما ظنناً فلا تؤاخذوني بالظن فأنتم أعلم بأمور دنياكم ولكن إذا
حدثتكم عن الله شيئاً فخذوه فإني لن أكذب على الله.
فغرس بهذا ثقافة الاعتذار عن الخطأ دون حرج، وهذا له
أكثر من فائدة:-
1- يجعل من الطفل متقبل للخطأ ويعتذر عما فعله دون تكبر.
2- يجعل من الفرد يعلم خطأه ويصححه حتى لا يتفاقم الأمر
بإخفاء الخطأ.
6- التعريض دون تصريح في
معالجة الخطأ:-
حدث في يوم والناس تصلي حدث لمعاوية بن الحكم السلمي أنه
عطس رجل بالصلاة فقال له يرحمك الله فنظر له الناس فقال: واثكل أماه ما شأنكم
تنظرون لي؟ فضربوا على أفخاذهم ليسكتوه فسكت. ثم قام له النبي وقال له: (إن الصلاة
لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي للتسبيح والتكبير وقراءة القران).
فكان توصيل المعلومة باللين والفهم وعدم الإحراج لتفهم
التربية والنصح.
7- الإقناع بالأدلة والإشعار
بعظم الخطأ:-
وهذا ما رأيناه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم مع
الذي كان يسأله عن الزنا فأقنعه بالمنطق وعظم الخطأ في حق الغير أن هذا خطأ وجعله
يكره أن يعود إليه.
فعند استخدام المنع بكلمة (لا) بشكل دائم ومطلق دون إيجابية
بالإقناع يولد السلبية مع الطفل والنفور من الأهل بل الأفضل هو أن نستخدم الإقناع
بالخطأ الذي يقع من النشء وما هو الأفضل ولماذا. فيكون هذا أفضل وسيلة لإقامة حوار
مثمر ومقنع مع الطفل وبداية لإنشاء صداقة وصراحة بين الأهل والأبناء.
8- الثناء والمدح وعدم النقد
كثيراً لإعطاء الثقة والأهمية:-
-قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن عمر:-
(ونعم الرجل عبدالله).
ليدفعه ويحثه على أعمال الخير فكلما تم الثناء على المتعلم
كان هذا حافزاً له وإعلاء لفكره وتقويته لإظهار رأيه أما العكس فلا يوجد بداخل النشء
والفرد سوى الطاقة السلبية.
وكان النبي يشيد بهم لتزيد
ثقتهم في أنفسهم وإحساسهم بالاحترام فكان يقول عن الشاب معاذ بن جبل مشيداً بمكانته
العلمية:-
(أعلم أمتي بالحلال والحرام
معاذ بن جبل).
9- عدم التوبيخ والانتقاد:-
-قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر عندما عاير أحدهم
بأمه:-
(إنك أمرؤ فيك جاهلية).
فلا يصح معايرة
الغير بشيء فواجهه النبي بعيب به حتى لا يعود لمثل هذه الفعلة كأسلوب تعليمي.
فالتوبيخ باستمرار وبشدة يجعل من المتعلم يجبن ويخاف أن
يظهر برأيه فتأتي بنتيجة عكسية غير مرجوة وإنما الأفضل هو التعليم وتصحيح الخطأ بالحسنى
وبالمواجهة السليمة.
10-الهدوء بالتربية والتوجيه:-
-قال الله تعالى:-
(وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ
حَوْلِكَ ۖ ).
من المهم أن يكون الإرشاد من الأهل والمدارس بالحسنى
والصوت الهادئ وليس بارتفاع الصوت والمجاهرة حتى يتقبل الطفل النقد والتخطيء.
فعند التأديب بالتوجيه والتربية لابد من الهدوء مع الطفل
حتى لا يحدث عصبية ويكون التصرف مع النشء سليم فالقسوة والعصبية تؤدي لنتائج عكسية.
فلا يصح أن نصرخ على الطفل ونطلب منه الهدوء بالتعامل مع رفاقه ولا بالضرب تأتي
التربية وإنما ستأتي بشخص قلق ومشتت وناقم على المجتمع. هذا غير أنه لن يتقبل
بالنصح والتربية إذا كان بأسلوب فظ.
وأيضاً الأسلوب في التوجيه لا يكون بطريقة آمرة وإنما
بطريقة طلب وتوعية إلى الأصوب والأصلح وإظهار ما هو سبب أن يكون هذا الأمر هو الأصلح
وبوضع خيارات أمام النشء ليتعود على التفكير السليم واختيار الأصلح له، وقد وضحت
لنا في الآيات القرآنية وأحاديث النبي كيف يكون الحديث وكيف يكون الطلب بتوعية وبتسبيب
المنهيات وغيرها للناس لإتباع تعاليم الدين والفكر الإسلامي وليس بالأمر.
11-التقارب بين الأهل والأطفال:-
من المهم أن لا يوجد حواجز بين الأهل والأطفال ولو باللعب
كما كان يفعل النبي مع الأطفال فكان
يجالسهم ويلاعبهم ويبكي على عصفور الطفل فكل هذا يقربهم من بعضهم.
فلابد من إعطاء مساحة للحوار بين الأهل والأبناء من أجل
كسب الثقة والاحترام والمصارحة بينهم.
وهذا حتى عندما يصل الطفل لمراحل عمرية متقدمة يكون
التقارب مع الأهل دافع لهم أن يصارحوا أهاليهم بكل مشكالهم وما يمكن أن يحدث لهم
مع أصدقائهم كما أنه يساعد على أن يتقبل الشاب في سن المراهقة رأي أهله في حياته
ومجرياتها. ولكي يستطيع الأهل معرفة أين هو ومن يصادق وما هي تصرفاته.
فيجب التواجد بحياة الطفل دون سيطرة كاملة عليه.
12-الثواب والعقاب ووضع الضوابط بالتربية:-
كان النبي صلى الله عليه وسلم يصف عبدالله وعبيد الله
وكثيراً من بني العباس ويقول:-
(من سبق إلي فله كذا وكذا –جائزة- فيستبقون إليه فيقعون
على ظهره وصدره فيقبلهم).
الفكرة الأساسية التي يعمل عليها الفكر الإسلامي هي فكرة
الثواب والعقاب وربط الحياة الروحية بالدنيوية. ومن هنا نرى أنها من أفضل الطرق من
أجل جعل الطفل محباً للتعلم والتربية بحصوله على هدية كثواب وفي نفس الوقت إن لم
يفعل الصواب لن يحصل عليها كعقاب.
ومقصد العقاب ليس العقاب بوجه عام وإنما الحرمان من
الثواب. وأيضاً على الأهل التفرقة بين العقاب والتربية ووضع الضوابط للطفل وقواعد
لتنظيم حياته حتى يكون صاحب مسئولية وإنسان سوي يعتمد عليه بالإرشاد السليم. فبدون
الضوابط والمحاسبة عليها يحدث عكس ما نرجوه من التربية فبدلاً من تكوين إنسان سوي
متحملاً للمسئولية متقبلاً للنقد سيتكون إنسان أناني غير مسئول لا يعي عواقب أفعاله
ويكون دائم الإهمال ولا يملك شجاعة الاعتراف بالخطأ وتحمل نتيجة خطئه بل ولن يقبل
بعد هذا أي تخطيء من أحد ويكون مستبد برأيه وفكره.
13-مشاركة الاهتمامات:-
نجد أنه عندما جلس النبي يواسي طفل مات عصفوره ويبكي معه
عليه، فكان هذا موقف يؤكد على أساس مهم في التربية وهو أن يكون الأهل مشاركين مع أبنائهم
في أفعالهم واهتماماتهم ليشعر بالاهتمام وعدم التقليل منها ومشاركته الحديث والاستماع
له.
وهذا يدفع الأطفال إلى التفاعل أكثر والنجاح في حياتهم
ونشاطاتهم العلمية والأدبية والرياضية والثقافية.
14-المرونة في التربية:-
مهم جداً المرونة في التعامل مع الأطفال فكل طفل غير
الآخر في التعامل والتربية فمن يهدأ بكلمة غيره يهدأ بحرمانه من الهدية. فالضوابط والقواعد
في التربية مع ثبوتها إلا إنها تتمتع بمرونة عند التعامل ولابد على الأهل أن
يتمتعوا بها فما ينفع للتعامل مع طفل لا يصلح مع شقيقه.
15-حرية الرأي للطفل:-
ضرورة إعطاء الأطفال المساحة وحريتهم في التعبير عن رأيهم
دون استبداد ولا تقليل لهم، وإتاحة النقاش لأي موضوع. كما كان يفعل النبي بمجالسة
الأطفال ومشاورتهم دون التقليل لرأيهم وإعطائهم مساحة للتعبير. فهذا يساعد في خلق
إنسان غير مذبذب بل واثق برأيه ولا يخاف أن يعبر عن رأيه، ويكون متقبل للرأي الآخر
وللخلاف. مما يساعد على تكوين مجتمع غير مستبد ومساعد في التعامل السياسي والعمل
العام والبناء. هذا غير أنه يكون متقبل للرأي الآخر ومؤمن بحرية الرأي لكل فرد غيره.
16-ليس كل ما يفعلونه خطأ:-
من المهم تربية الطفل وتصويب أخطائه ولكن بأسلوب لين لا ينتج عنه تدمير لثقة الطفل بنفسه وابتعاده عن المبادرة سواء في المدرسة أو البيت. فالطفل إذا أجاب وكان جوابه خطأ على المربي أو الأهل أن يشعروا الطفل أنه من الطبيعي أننا لا نعرف كل شيء والخطأ وارد من الجميع والإنسان يتعلم من أخطائه. ومن المهم إحساس الطفل بأنه ذو فكر وقدرة على فعل شيء ما وليس كل ما يفعله خطأ بل دفعه على التصرف والحديث لإعطائه الثقة في نفسه ولكن عندما يخطأ لا يكون رد الفعل بأن كل ما فعله خطأ وإنما هو صواب ويوجد ما هو أصوب منه وأفضل ولماذا يكون هذا هو الأصوب باستثناء الأفعال الخاطئة التي تحتاج توجيه سليم. وأن إجاباته وتفاعله مع شيءٍ ما بطريقة خاطئة لا يكون الرد دوماً من المربي خصوصاً بالمدارس أن هذا خطأ ولكن مثلاً أن هذا لسؤال آخر أو الأصح هو كذا. حتى يكون هذا دافع للطفل للتعلم والمعرفة وحتى لا تسبب اي ردة فعل سلبية من الاهل او المدرس في إحراج الطفل.
17- مراجعة الأخطاء والاعتراف بالخطأ:-
يجب على الأهل تعويد الطفل منذ الصغر على مراجعة مواقفه
وأخطاءه والاعتراف بالخطأ ليتعود على تقبل النقد الذاتي والنقد من الغير، ويتعلم
كيف يصحح من أخطاءه ولا يظل على خطأه بسبب عدم تقبل مراجعة مواقفه. بل ويتم
محاسبته على خطأه لكي يتعود على المحاسبة عندما يخطأ فيعمل دائماً على تحسين
مواقفه وأفعاله ومراجعة أخطاءه حتى عندما يشب ويكون في موقع مسؤولية يكون فرداً متقبلاً
للنقد والمحاسبة ومراجعة الأخطاء.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكراً لتعليقكم