التحرش

ظاهرة مخيفة في واقعنا المعاصر. امتلأ بها الشارع المصري ولم تعد تقتصر على من يقفون على النواصي بتعبير أجدادنا. لكنها أصبحت سمة الكثير حتى أن بعض الأباء لا تستحي أن تتحرش أمام أطفالها، بل إنهم يرونها مفخرة عندما يجدوا إبنهم الصغير يفعل فعل رجولي في وجهة نظرهم.
فيتربى هذا الطفل تربية ذكورية وليست تربية أخلاقية رجولية حقيقية تجعله رجلاً ذو نخوة يدافع عن بنت في موقف تتعرض له بالامتهان، وتدمرت الأخلاق بعدم وجود تربية صحيحة. وأصبحت سمة الناس التحرش سواء رجل أو سيدة، حتى أن البعض يشك في رجولة من لا يتحرش وكأن مقياس الرجولة أصبح بإنتهاك خصوصية الغير حتى لو بالكلام والنظر.

أصبح المجتمع سلبي تجاه جرائم التحرش وكأنها أصبحت شيء عادي لا يوجد فيه مشكلة أن يحدث يومياً وبطريقة مستمرة بل زاد جرم المجتمع بالتبرير للمجرم وتجريم الضحية والتعلل بملابسها وكأنها ليست حرة في اختيار ما تلبسه أما الجاني حر فيما يفعله بها لأنه ذكر. جتى أن التبرير أصبح من نساء أيضاً قد يكون تعرضوا للتحرش ولكنهم يتعللون بملابس غيرهم أنهم السبب فيما يحدث لهم رغم أن المتحرش لا يفرق بين منقبة أو محجبة أو بدون أو حتى طفلة.

وإن حدثت جريمة تحرش أمامهم يكون رد فعلهم إما أن يصمتوا أو يفرقوا الجمع إن حاولت الضحية الدفاع عن نفسها ويقولوا لها (شوفي انتي لابسه إيه) أو لو أرادت أن تذهب بالجاني لقسم الشرطة يقولوا لها (هاتفضحي نفسك يا بنتي وتروحي القسم). فبكل حقارة وسلبية ووضاعة يضيع حقها بسبب تخاذل المجتمع.

أصبح الجاني في نظر البعض مكتمل الرجولة لأنه يستطيع المعاكسة ويسرق لحظات استمتاع قذرة رغماً عن أي أحد، وهو في الحقيقة حيوان لم يستطع التحكم بغرائزه ولم يتمالك نفسه، وحتى الحيوان لا يفعل مثله.
أصبح التحرش عام في كل شارع ولم يقتصر على الرجال فحتى هناك بعض من النساء تتحرش وهذا شيء غريب. وفي اعتقادي أنه لا يوجد فرد لم يتعرض لحادثة تحرش سواء كان رجلاً أو أنثى بتحرش لفظي أو جسدي.
ونجد كل متحرش يستخدم قوته سواء كان مدير مع مرؤوسيه أو شخص ذو حيثية وسمعنا الكثير في الفترة الأخيرة عن مشاهير ممثلين وصحفين تحرشوا بالمتدربين وبأشخاص لا يستطيعون أن ينالوا حقهم من شخص له شهرة وحيثية ومكانة ولكنه في الحقيقة شخص وضيع استغل قوته ليقهر ضعف غيره.

الطامة الكبرى في القانون الذي لا يحمي المجني عليهم بل أن تعريف التحرش بالقانون هو تعريف فضفاض لا يقف على تعريف قوي ولا حتى تجريم حقيقي أو عقوبة رادعة بالعكس بل يزيد الأمر أن الشرطة نفسها لا تواجه المتحرش وتردعه بل وتحميه وتفرق الحدث إن وجد بحجة انها عندما دافعت عن نفسها ضربت او سبت المتحرش فيكون محضر لها أمام محضرها للمتحرش فتنتهي القصة ويذهب الجاني منتصراً ليعاود فعلته الشنيعة والمجني عليه مكسوراً.

فالقانون ضعيف وفضفاض بأن من يتعرض للغير بتلميحات جنسية أو إباحية يعاقب بسنة أو ٥ آلاف غرامة، هذا إذا تمت محاسبته بالفعل وتم عمل محضر وتدخلت الشرطة وحبسته ولم تنهي الموضوع قبل التحقيق فيه.
فإن تحرشت تسجن سنة وإن تظاهرت من أجل الحق تسجن عشرة.
الجريمة هنا مكتملة الأركان والجاني معروف ولها أكثر من زاوية، زاوية التربية في الأسرة التي تفسد الانسان وزاوية المجتمع الذي يساعده بتخاذله وزاوية الدولة التي لا تحاسبه بالقانون وفي زاوية الفرد الذي يستبيح حق ليس له.

فوصلنا لقمة هرم الانحدار الاجتماعي والأخلاقي.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم