أبعاد نجاح الثورة ج 9 (عوامل نجاح الثورة)


 لإنجاح الثورات لابد أن يتوفر عوامل تساعدها على حماية نفسها من الانقلاب عليها وليس نجاحها فقط وبدون هذه العوامل يكون إفشالها والالتفاف عليها سهل جداً بل سيكون مقدماً للذي يريد إسقاطها على طبق من ذهب لأنه سيستخدم عوامل نجاحها إن لم تتوافر في إفشالها.

1- الوعي:-

وجود الوعي عامل أساسي ومهم من أجل عدم اللعب من أذيال الأنظمة المستبدة على هذا الوتر فإن الشعب بهذا سيكون مضغة سهلة لهم ويتلاعبون به بل سيجعلونه مقاد وراءهم وينفذ ما يطلبونه دون وعي أو حساب للمقدرات ونجد بعض الثورات قد أجهضت بسبب شعبها وعدم وعيهم وعدم سعي الثوار لتنمية هذا الوعي وزيادة الترابط بينهم وسد هذه الفجوة التي يتسلل إليها أعداء الثورة.

والجزء الثاني من الوعي هم للثوار أنفسهم، فتقوم الثورة على أكتاف شباب رغم ثقافتهم إلا أنهم ليسوا أصحاب خبرة وثقافة كافية تجعلهم على وعي كامل من محاولات الالتفاف وإجهاض الثورات من قبل أعدائها وحماية أنفسهم والوطن.

ولهذا على الجانب الثوري والنخبوي العمل على الجانبين بتثقيف أنفسهم والاستفادة من تجارب الآخرين وتثقيف وتوعية الشعب وسد الفجوة بين الثوار والشعوب.

فلو كان ثوار مصر فطنوا لأسباب فشل ثورة رومانيا وتشيلي لوجدوا تشابه بين الاثنان لدرجة استخدام نفس الأسلوب في خطاب الشعب وطريقة الالتفاف على الثورة وإجهاضها.

ولكنها دروس لازمة لكي تتفادى الثورات الأخطاء في مراحلها التالية.

2- الوحدة:-

الوحدة الثورية من أهم أسباب النجاح بل وتكمن قوة نجاح الثورة السلمية في وحدتها على قلب رجل واحد وهدف واحد وعدم التفرق إلى أطياف وطوائف وأحزاب بل من المهم أن يكون الجميع تاركاً أي انتماء سياسي على جانب وينظر وقت الثورة إلى انتمائه للوطن فقط وليس لفكر آخر أو التعصب لايدلوجية معينة ويجب التلاحم بين الثوار والشعب فهم يكوَنون الظهير الشعبي للثورة ومن دونهم لن تنجح ولن تصل إلى أهدافها بل سيكون نهايتها.

والوحدة تشمل عدم تكَون أي نزعة طائفية أو عرقية أو فكرية بل التوحد الشعبي الوطني للدولة للوقوف بقوة ضد النظام الفاسد المستبد وعدم إعطائه أي فرصة للتدخل وتفتيت الصفوف. فأي شق للصف الثوري يجعل للنظام المستبد فرصة في محاولة استمالة البعض وتشكيك الثوار في بعضهم البعض وإجهاض الثورة.

ومن المهم الحفاظ على الوحدة الثورية والحالة الثورية وعدم الابتعاد عنها والدخول إلى حالة سياسية تساعد على الانشقاق والخلاف بين الثوار والشعب فينقسم الجميع وقتها إلى مؤيد ومعارض ومقاطع فتكون الفرصة سانحة للفسدة للانقلاب على الثورة وإجهاضها لحماية نفسه من السجن والمحاسبة. فلا يتم الخروج من الزخم والحالة الثورية إلا بعد الانتهاء من النظام الديكتاتوري وأذياله تماماً وبعد أن تحكم الثورة وتمسك بمفاصل الدولة أما ما قبل ذلك سيؤدي بسهولة إلى الانقلاب عليها.

عدم الطائفية أو العرقية 

من المهم مراعاة أنه يوجد بكل شعب في أي مكان بالعالم طوائف ومذاهب وأعراق مختلفة قد تكون سبب في تفكك الوحدة الثورية وانتهاء الحالة الثورية بسبب المطالب الفئوية أو التمسك بهذه الاختلافات، ولكن من الوعي السليم ورغم وجود هذه الاختلافات والأفكار والعقائد المتنوعة أن يبقى الهدف لدى جميع الفئات هو الوحدة الوطنية في الدولة وأكثر من ذلك أن تكون دافع لبناء الوطن لا يقع فيه أي تمييز أو عنصرية ضد أي أحد ويتمتع فيه الجميع بنفس الحقوق والواجبات والمساواة بين الجميع دون تفرقة على أي أساس.

أما التمسك بهذه الاختلافات والسير وراءها تجعل من الثورة عرضة للإجهاض بسهولة ويسر وتسهل على أذيال الأنظمة الفاسدة الالتفاف على الثورة وشق صفوف الوحدة بين الشعب ونشر الضغائن والأحقاد ومنها إلى الوقيعة بين الأخوة وضياع مجهود وتضحيات الثورة والثوار والشعب. وقد يزيد الموضوع إلى حروب أهلية لا يتمناها أحد لوطنه أبداً.

مثلما حدث في لبنان أبان الحرب الأهلية من 1975: 1990 فقد كانت الطائفية بل والمذهبية أيضاً (سنة، شيعية، مسيحيين) سبباً في تدمير دولة أمنه وتداخل عناصر وأطراف مختلفة في الحرب وعناصر مرتزقة ودخول إسرائيل في الحرب إلى الأراضي اللبنانية ومقتل ما يقرب من 120 ألف شخص وتشرد الألوف حتى بعد أن هدأت الأوضاع ومرت السنون وتألف أفراد الشعب وطوائفه ومذاهبه وحدثت مظاهرات في عام 2019 ضد الفساد وزعماء الطوائف وتجمع الشعب ضدهم إلا أن الطائفية كانت تجعل أغلب أفراد المتظاهرين ضد زعماء باقي الطوائف إلا زعيم طائفتهم فأنتهى المطاف إلى انتهاء الثورة والانتفاضة ولم يحصل المتظاهرين على شيء. 

وعليه يجب التعاون على إدراك هذه المسألة والعمل على إلغائها وتزكية الروح الوطنية داخل الفرد المواطن وتوعيته عليها وتوعيته أن لا تستغل ضده في نفس الوقت فينصهر أفراد الشعب في بوتقة الوطن دون أي عرقية أو مذهبية أو طائفية وبدون أي تمييز.

فالمواطنة والتوعية بها هي الحل الأمثل للتخلص من الأفكار العرقية والطائفية وكيفية العمل على مصلحة الوطن والشعب بدون تعصب والتألف من أجل المصلحة العامة خاصةً عند تكوين الحكومات والسلطات التنفيذية والتشريعية والتعاون بينهم من أجل مصلحة الوطن والمصلحة العامة التي ستصب في النهاية بالمصلحة الشخصية لجميع فئات وأفراد الشعب.

أبعاد نجاح الثورة ج 8 (أسباب ودوافع الثورات)

 


نرى أن أسباب الثورات مختلفة على حسب الدوافع التي تحرك كل فرد على حسب فكره وتوجهاته واهتماماته. فالفرد العادي لا تحركه الأزمات السياسية ولا يستوعب أبعادها وهذا ليس عيباً به ولكن هذا لأن اهتماماته ودوافعه ليست سياسية ولكنها اقتصادية واجتماعية. أما الفرد السياسي تحركه الأزمات السياسية التي يستطيع قراءة نتائجها قبل حدوثها.

ولكن تكون هذه الأسباب مكملة لبعضها وكلها نتيجة للأسباب السياسية والتدمير في الحياة السياسية وديكتاتورية وفردية القرار.

1-  أسباب سياسية:-

أزمات تحدث نتيجة تصرفات النظام في أسلوب الحكم وإدارة الدولة ومنها عدم وجود معارضة حقيقية وعدم قبول الرأي الآخر وعدم إعطاء فرصة للآخر ليعبر عن فكره ورأيه واعتقال كل من يرفض ويعارض النظام ومنها تمركز السلطة بيد فرد مستبد فترة زمنية وعدم تداول السلطة والحكم بديكتاتورية ومنها عدم وجود عدل ومساواة ويزيد عليهم معاملة الشعب وكأنه عبيد ولا يكون له أي حقوق فيؤدي هذا إلى الأزمات السياسية والاجتماعية وكل المشاكل الأخرى فهم بناءً على الأزمة السياسية. فلذا يكون المواطن السياسي سابق لفهمها قبل أن تحدث عند بدأ الأزمات السياسية.

2- أسباب اقتصادية:-

وتنتج هذه الأزمات بسبب السياسة الاقتصادية للأنظمة الاستبدادية التي تتخذ قرارات فردية غير مدروسة ولا تقبل حرية الرأي ومحاولات التصحيح لأخطائها وتنفيذ سياسيات اقتصادية لمصلحة أفراد النظام وليس لمصلحة الشعب والوطن مما يؤدي إلى البطالة وعدم وجود عدالة في التوزيع بين الشعب وعدم وجود قرارات اقتصادية صائبة فيضيع الإنتاج.

فمن مصلحة المستبد أن يكون الفرد المواطن جائعاً يبحث عن قوته حتى لا يفكر يوماً في البحث عن حقوقه السياسية الضائعة وحقوقه المادية المنهوبة.

3-  أسباب اجتماعية:-

وتحدث هذا الأزمات نتيجة القرارات الخاطئة أحياناً والمجحفة أحياناً أخرى التي تتخذها الأنظمة الديكتاتورية فتؤدي إلى ظلم اجتماعي وتفاوت طبقي لعدم وجود توزيع عادل للموارد وعدم وجود اقتصاد قوي نتيجة عدم وجود إنتاج. فينتشر الفقر والبطالة والتفاوت بين الناس مع وجود طبقة مستفيدة من النظام لا تنظر إلا إلى مصلحتها ولا ترعى مصالح المجتمع والدولة ونتيجة لعدم وجود اهتمام بالتعليم والصحة التي إن دمرت دمر معها الإنسان والفرد وانتمائه للوطن.

فمن مصلحة الاستبداد أن يظل الفرد غير متعلم حتى وإن كان جامعي فهو غير واعٍ لحقوقه وواجباته السياسية وغيرها حتى يظل الفاسد والظالم في حكمه. ومن مصلحته أن تنحل الروابط الأسرية والاجتماعية ليظل كل فرد بعيد عن هذا الترابط فيضمن عدم التجمع على ثورة ضده وقد يؤجج الحكام الفتن بين طوائف الشعب من أجل بقائه في السلطة.

فينشأ الضغط والكبت والفجوة الأسرية والمجتمعية وتضطرب العلاقات السوية بين أفراد الدولة ومنها قد ينشأ الخلافات الطائفية أو المذهبية أو العرقية بسبب انحلال الترابط المجتمعي. وتدمير البعد الفردي ويظهر فساده وملابساته ووحشيته، والبعد العام ينتشر في المجتمع وتظهر الفوضى وتراجع قيمة الإنسان وانحدار السلوك والخوف من السلطة.

4- الفساد:-

انتشار الفساد الذي يكون أساس في الدولة المستبدة ويقوم الحاكم الظالم بدعم هذا الفساد بأشكاله من أجل مصلحته وتثبيت أركان حكمه ومن أشكاله الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي وفساد الحاكم وأعوانه فيكون الفساد القضائي الذي من المفترض أن يحمي الشعب ولكن النظم الفاسدة تشتري القضاء والقانون من أجل حماية نفسها واعتقال المعارض دون محاسبة من أحد. وينتشر الفساد التعليمي الذي به يحمي المستبد نفسه بتجهيل الشعوب والفساد الاقتصادي كما وضحنا بالأسباب الاقتصادية ويؤدي كل هذا إلى الفساد الأخلاقي والمجتمعي الذي يفيد الحاكم الظالم بأنه يجعل من الشعب غير ملتفت لتصرفاته وفساده وإنما يأكل كل فرد منهم الآخر من أجل قوته.

5-  حب الوطن:-

الدافع الحقيقي لمن يقوم بالثورة ومحاربة الظلم والفساد والذي من أجله يتظاهر من أجل الوطن لتحقيق العدل والأمان له ولأولاده وشعبه وحميته للقضاء على الفساد والظلم ومنها يكون التوجه السليم لمصلحة الوطن في الرفض أو القبول للمواقف السياسية التي تدفع المواطن ليكون مشتركاً بالعمل السياسي للحصول على حقوقه الكاملة كفرد ومواطن حر.

6-  القمع والدولة البوليسية:-

من العوامل الأساسية التي تحرك المواطن السياسي وتدفعه للثورة ورفض النظام الحاكم هي قمع الحريات وتكميم الأفواه وقتل الصحافة وإعدام الحقوق وعدم تقبل الرأي الآخر وتفشي إجرام الدولة بالاعتقالات السياسية والإختفاءات القسرية لمنع وجود معارضة للنظام الديكتاتوري ومنع أي محاولة لمحاربة الفساد. كما حدث بالأرجنتين في العهد الديكتاتوري العسكري بعد الانقلاب العسكري عام 1975 وفي مصر بعد الانقلاب العسكري 2013.

من هنا يتضح أن التحرك الثوري والشعبي يكون ناتج ووليد لأزمات متتالية طحنت الشعب جعلته يتحرك برفض الظلم والفساد وعدم قبول بدائل وإنما البحث عن تغيير. فتجعل الأزمات من المواطن العادي مطحوناً فيعمل على التحرك ضد هذه الأنظمة حتى ولو بأدنى طريقة وهي بمجرد الحديث فالطبيعي أن الثورة التي تجمع أطياف الشعب لا يشترك فيها كل الشعب. ويقودها المواطن السياسي الذي يتحرك بالأزمات السياسية والقمع وتفشي الدولة البوليسية.

أبعاد نجاح الثورة ج 7 (أنواع الفاشية)

 


الفاشية الدينية
 

وتتكون هذه الفاشية بسبب الحكم الثيوقراطي أي حكم رجال الدين للدولة ويتخذون من أنفسهم خلفاء لله في الأرض ومن ثم الحكم باسم الله وأن كل أفعالهم وأقوالهم هي من عند الله ولا يصح معارضتها. ويزداد الأمر بأن أصحاب هذه السلطة يوصمون معارضيهم بأنهم مارقين عن الدين وضده لمجرد الخلاف في أمور الحكم.

ويكون دوماً أصحاب الفكر الديني مبجلون في هذه الدولة وكأنهم آلهة أو منزلين أو مرسلين من الله ولا يخطئون أبداً ولا يصح أن يتم معارضتهم أو مخالفتهم لأن آراءهم يروجون لها أنها مستندة على المرجعية الدينية على حسب فهمهم لها على أساس مصلحتهم وتوجههم. وهذا ما نجده في بعض الأفكار السياسية الإسلامية التي تبيح القتل والسبي والإرهاب بتفسيرات للقرآن بطريقة خاطئة تفيد مصلحتهم وهاجسهم النفسي الدنيوي المقزز ويعتبرون أن الخلاف معهم هو خلاف مع الله ويستوجب القتل مع أن كل هذا مخالف لطبيعة الدين والفكر الإسلامي. وكما كان يحدث في الحكم البابوي في أوروبا من التسلط الكنسي على الدول بل والتحكم في الملوك وفي العلوم وإتهام كل مفكر بالهرطقة ومن ثم حرقه.

ونجد في أصحاب الفكر الثيوقراطي أي حكم رجال الدين البعد الشديد عن الديمقراطية والمدنية وتعدد الآراء وقبول الرأي الآخر والاختلاف وهذا لأن الاستبداد بكل أنواعه يرفض المناقشة التي من الممكن أن تؤدي إلى تخطيئه وضياع مصلحته الشخصية.

وأفضل طريق للقضاء على هذا النوع من الاستبداد والفاشية هي التوعية بالدين السليم والوعي الصحيح وأنه لا يوجد أي شيء من هذا القبيل ولا يوجد من هو مفوض من الله في الأرض ليحكم باسمه وإنما الحكم هو شورى وديمقراطي وبه حرية الرأي والخلاف والحوار المتبادل من أجل مصلحة الوطن.

الفاشية الوطنية 

توجد هذه الفاشية بسبب الحكم العسكري والتي تستخدم ادعاءات الوطنية بطريقة مبتذله حيث تجعل من نفسها حامية حمى  والوطنية وأي فرد يحاول معارضتها يكون هو غير الوطني والعميل والخائن الذي يحمل الأجندات الخارجية ويسعى لهدم الوطن مع أنه تكون سمة هذه الأنظمة العسكرية هي الخيانة والعمالة ولكن كالعادة صاحب العار يوصم غيره بوصمته حتى يبعدها عنه.

ونجد في هذه الأنظمة أن أصحاب البدلات العسكرية هم أصحاب المقام الرفيع في الدولة ولهم كل الصلاحيات والسلطات والنفوذ والامتيازات وقوة التصرف في أي شيء وبأي طريقة ودون قدرة من أحد على المساءلة.

ومن التربية العسكرية والعقلية العسكرية التي تربت على الثواب والعقاب وتنفيذ الأوامر دون نقاش يكون من الصعب لهذه العقلية القدرة على العمل المدني الذي يقوم في الأساس على المناقشة والمحاورة والاختلاف فتكون هذه العقلية غير مستعدة للتحاور وقبول المعارضة بل يكون رد فعلها هو العقاب الدائم والبطش بكل معارضيها ووصمهم بعدم الوطنية والعمالة ورفض كل ما هو ضد مصلحته وضد رأيه وكأنه هو الأعلم بكل شيء رغم أن دراسته لم تتخطى الأساليب العسكرية وليست الإدارية والمدنية وفكره بعيد عن الطرق السليمة لتطبيق الديمقراطية. خصوصاً لو كان الحكم العسكري جاء على ظهر دبابة وبانقلاب عسكري على السلطة.

فيستخدم الحاكم قوات الأمن المكونة من الجيش والشرطة لحمايته هو ونظامه فتتحول مهمتها من حماية الوطن والشعب إلى حماية الحاكم والنظام ويقوم باستمالتهم بالأموال والمصالح الاقتصادية والمناصب فتكون مهمتهم حمايته وحماية مصالحهم ويصبح دورهم في حماية الوطن وكأنه فعل يقومون به تكرماً منهم على الشعب وليس وظيفتهم الحقيقية فنسمع في هذه الأنظمة جمل مثل (نحن نموت من أجلكم، نضحي بأنفسنا، ننام بالعراء، ...إلى آخره) في الوقت الذي لا يحدث فيه هذا في الأساس ولكن لتبرير السرقة والفساد والقتل والتنكيل بالمعارضة ويتم تداول هذا الكلام لكي يتم إسكات الشعب عما يفعلونه ولإسكات ضمائرهم عن فسادهم.

والأمثل لهذه الأنظمة في محاربتها هو سلاح التوعية والوحدة الشعبية أمامها من أجل إسقاطها بسلمية لأن رد فعل مثل هذه الأنظمة هو العنف واستخدام السلاح بطريقة مباشرة لقتل المتظاهرين وهذا ما حدث في الثورة التشيلية 1973 والرومانية 1989 والمصرية 2011 والتونسية 2010 فلم يكم من حكومات هذه البلدان سوى القتل واستباحة دماء الشعوب بدم بارد من أجل الحفاظ على مصالحهم ومناصبهم.

فيكون التعامل معها بطريقة سلمية باستخدام الدعم والحشد الشعبي بعد نشر الوعي عن أكاذيب وفساد هذه الأنظمة السلطوية. لأن التعامل بأي أسلوب آخر سيؤدي إلى كارثة في الأوطان إما حرب أهلية بسبب انقسام الشعب بين مؤيد ومعارض أو انقسام الوطن بين جيش يحمي مصالحه ويدافع عنها وشعب يحمي وطنه ويدافع عنه وفي الحالتين سيكون الموت والدمار للكثير وما هو لا تريده الثورات الوطنية.

أبعاد نجاح الثورة ج 6 (افتعال الأزمات)

 


في النقطة السابقة تحدثنا عن أن النظام في الثورات يستخدم الفوضى والقوة المفرطة ولكن هذا مع الثوار أما الشعب الذي وقف كظهير شعبي للثورة يستخدم معه أسلوب آخر ألا وهو الأزمات المفتعلة.

فيعمل على وجود أزمات متتالية تشل حركة الشعب والدولة لكي يزيد الفجوة بين الناس والثوار وتأجيج مشاعرهم ومصالحهم الحياتية ضد الثورة ويستخدم إعلامه بنشر فكرة الأزمات وأن السبب هي الثورة والثوار فيكون رد فعلهم أن الثورة هي السبب وبالتالي حدوث الفجوة وتكريه الناس والشعب للثورة فتخسر الثورة ظهيرها الشعبي المساند لها.

ونجد أن هذا قد حدث في الثورة الرومانية 1989 وفي الثورة المصرية 2011 حيث قامت الأنظمة بافتعال الأزمات مثل الكهرباء والغاز وزيادة الأسعار وتدهور الاقتصاد وغيرها من العوامل التي جعلت أفراد الشعب ترى أن الثورة هي السبب رغم أن الذي يحكم ليس من الثورة وأن الهدف الأساسي للثورة هو تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وغيرها. ولكن عدم الوعي والالتفاف من الأنظمة المستبدة هو السبب.

لذا يجب على الثوار محاولة فهم هذه المشاكل وتوعية الشعب عليها وسرعة السيطرة على مفاصل الدولة حتى لا يتسنى للنظام القديم أن يفتعل الأزمات ومن ثم خسارة الثورة لظهيرها الشعبي وعليه سيكون من السهل على النظام الديكتاتوري العودة مرة أخرى وذبح الثورة والثوار.

ونجد أن النظم الفاسدة الديكتاتورية حتى في الأوقات العادية تقع في الأزمات الاقتصادية والسياسية التي من تدفع الثوار والشعب إلى الانتفاض ومحاولة تغيير السلطة ومحاسبة الفاسدين ووضع حد للدمار بالدولة مثلما حدث بالأرجنتين بعد حرب الفوكلاند عام 1983 فبعد هزيمة الأرجنتين أمام إنجلترا كانت السبب في إجبار الحكومة الأرجنتينية على التنازل عن لسلطة وإقامة انتخابات ديمقراطية لأول مرة. وأيضاً مثلما حدث في مظاهرات لبنان عام 2019 عندما هب الشعب على زعماء الطوائف المسيطرين على السلطة وفسادهم وسرقاتهم التي لا تنتهي واستغلالهم لموارد الدولة في مقابل عدم وجود الخدمات الأساسية المطلوبة للشعب. وحدث في انتفاضة وثورة العراق 2019 التي جعلت من جموع الشعب تثور من أجل عدم وجود عدالة اجتماعية ولا سياسية ومشاكل اقتصادية متتالية أغرقت البلاد التي كانت تنعم في الخير وسرقة خيراتها من قبل أمريكا وحكامها الفاسدين ومحاولات تقسيم أراضيها وهذا غير تفشي المذهبية بين السنة والشيعة والعرقية بين العرب والأكراد فنهشت جسد الشعب العراقي الذي ما لبث أن ثار على حكامه الظالمين.

أبعاد نجاح الثورة ج 5 (النظام)

 


النظام المكون من أعضاء الحكم بداية من الحاكم سواء إن كان يسمى (رئيس، رئيس وزراء، مستشار، ملك) ثم معاونيه من الوزراء والسياسيين والمستشارين وصولاً إلى حزبه الذي يساعده في الإدارة، يكوَنون طريقة الحكم وكيفيتها إما يكون نظام مدني ديمقراطي أو نظام ديكتاتوري مستبد. فيكون تركز السلطة في حزب أو مجموعة أو جماعة أو فرد مستخدمين أساليب الاستبداد من أجل حماية نظام الحكم.

والنظام الذي يحكم دولة يكون إما سبب تقدمها أو نكبتها على حسب توجهه في الإدارة هل هي العمل من أجل الوطن أم من أجل مصلحته الشخصية والفساد مستخدماً كل أساليب الفساد والاستبداد لكي يحافظ على نفسه ومصالحه.

وهنا نتحدث عن الأنظمة المستبدة ونقاط ضعفها وقوتها وأدوات الاستبداد التي تستخدمها.

-نقاط القوة:-

تكمن نقاط قوة الأنظمة المستبدة في استخدام وسائل وأدوات الاستبداد بطريقة مفرطة لكي تحافظ على وجودها مثل (الإعلام، رجال الدين، الأموال، الشرطة والجيش) وهذا لتجميل وجهه من جهة ومن جهة أخرى لقمع المعارضة.

-نقاط الضعف:-

تتضح نقاط ضعف الأنظمة الاستبدادية من خوفها الدائم من ضلعي الثورة ألا وهو (الوعي، الوحدة) فإذا كان هذان الضلعان متواجدان فسيكون سقوط النظام بطريقة سهلة وسريعة وهذا ما حدث في تونس 2010 وتشيلي 1990 ومصر 2011 والسودان 2019 ورمانيا 1989 وبطريقة سلمية بحتة فقد تجمع الشعب مع الثوار ضد النظام. بل ونجد أن هذه الأنظمة قد استسلمت بمجرد الهتاف والتواجد في مظاهرات على مستوى الدولة بالمدن الرئيسية منها حتى وإن استخدم النظام العنف كان الرد دائماً بوعي الوحدة وعدم التسليم له فلم يستطيع أي نظام منهم الاستمرار رغم استخدام القوة الغاشمة والمفرطة مع الثوار.

ومن أوجه ضعف النظم الاستبدادية هو الفساد المستشري في جسده فرغم استخدامه لسلاح الفساد كحماية له من المعارضين وإغداقهم بالأموال والمناصب إلا أنه يكون سبب ضعفه لأن كل فرد فاسد سيتخلى عن الحاكم عند أول موجة ثورية تهتز فيها مركب الظلم من أجل أن يحمي نفسه من الحساب الثوري.

-مثلث الاستبداد:-

1- الحاكم:-

الفرد الذي تتمركز بيده السلطة ويوجهها إلى مصالحه وحماية نفسه فقط وليس لمصالح الدولة ويستخدم كل مؤسسات الدولة ومواردها لأمنه ولأمن نظامه فقط.

2- السياسي والنخبة:-

ويتكونون من أعضاء النظام كمساعدين للحاكم ومن النخبة السياسية والمثقفة الذين يعملون من أجل النظام والحاكم للحفاظ على أمنه واستقراره وحمايته من السقوط ليس من أجل مصلحة الحاكم كشخص ولكن لحماية مصالحهم الاقتصادية والسياسية والسلطوية والاستفادة الدائمة منه.

3- الإقطاعي الرأسمالي:-

 وهم المجموعة التي تتسلق النظام وأفراده من أجل تنمية مواردهم المالية على حساب الشعوب والدولة دون النظر لموت ومعاناة أحد.

-أدوات الاستبداد:-

1- السلطة:-

ويستخدمها الحاكم وأعوانه في البطش بمن يعارضه بالقوة المفرطة ولتخويف الشعب من انتقاد الحاكم وسلطته الاستبدادية وتصرفاته الفاشية وتكون أداة السلطة في البطش هي قوات الأمن المكونة من الجيش والشرطة التي يعتمد عليها في الخطف والترويع والاعتقال لكل من يعارضه. بل ويصل الأمر إلى التعذيب والقتل العمد والتصفية.

ومن ضمن الأدوات التي يستخدمها السلطات القضائية والتشريعية التي يخضعها له ويستخدمها للبطش بالشعب وتنفيذ أوامره.

2- المال:-

ويستخدمه النظام لاستمالة بعض أصحاب الرأي الذين يؤثرون في الشعوب فقد لا يصح معهم الاعتقال في بعض الأوقات وتكون الأفضلية في استخدام النخبة والمثقفين في إقناع الشعوب بأن الحاكم ونظامه هم الأفضل. ويتجاوب البعض مع هذه الطريقة ممن ليس لديهم ضمير وطني ولهم أحلام مادية ولا يكون لهم وازع ومبدأ قوي.

3- المناصب:-

ويستخدمه في استمالة من يكونون أصحاب إدارة قد تساعد النظام في ترسيخ حكمه ويستخدم في تقويض المعارضين أصحاب النفوذ الضعيفة من أجل التخلص من معارضتهم.

4- الإعلام:-

ويستخدمه النظام في تجميل صورته أمام الشعب بنشر أكاذيب ودعايات كاذبة عنه وعن إنجازاته التي لا يوجد لها حقيقة ولا تعود على الشعب والدولة بأي نتيجة بل هي مجرد أفعال غير مدروسة لخمد مشاعر الثورة وكأن النظام الحاكم يسعى للتقدم ولكن تظهر الحقيقة بمرور الوقت وعدم وجود فائدة عائدة على الشعب. وأيضاً يستخدمه في تشويه معارضيه ممن لم يجتذبوا بالأموال أو المناصب.

5- رجال الدين:-

ويستخدمهم النظام من أجل الحصول على شرعية تؤيد وجوده وتبرر أفعاله السلطوية الاستبدادية ومحاولات تفريغ الشعوب من الروح الثورية ومن الوعي.

وبهذا يستخدم النظام أدواته من أجل ترسيخ سلطته والحصول على مصلحته بطريقة دائمة ويقوم بهذه الأدوات للحفاظ على نفسه وسلطته الدائمة وتصفية معارضيه وتشويههم ووصمهم بتهم شخصية أو باستخدام فاشيته سواء الدينية أو الوطنية وهذا يتحدد على حسب النظام هل هو عسكري أم ثيوقراطي. فيكون توجهه على هذا الأساس من حيث الإدارة ومن حيث التشويه أيضاً ولذا يكون استخدامه لأدواته مرهون بتوجهه الثيوقراطي بالحكم باسم الدين أو العسكري مدعي الوطنية.

ويستخدم النظام الاستبدادي أسلوب آخر مع الشعب وهو الترهيب فمن ناحية يرهب الفرد والشعب بالاعتقال ضد المعارضين والاعتقال العشوائي لنشر الخوف بين الناس والاختفاء القسري كما يحدث لأصحاب الرأي المخالف والثوريين كما حدث في تشيلي 1973 في فترة حكم بينوشيه الديكتاتورية والأرجنتين 1966:1973 بعد حدوث انقلابات عسكرية على الرؤساء المنتخبين أكثر من مرة مثل خوان بيرون وما تلاها من الحرب القذرة التي حدثت في الشعب الأرجنتيني من قتل واختفاء قسري حتى وصل عدد الوفيات إلى 30000 قتيل وفي مصر2011 بعد عودة العسكر مرة أخرى للحكم خصوصاً من الفترة التي تلت 2013. ومن ناحية أخرى يرهب الشعب بفزاعة كالإرهاب أو الجماعات الإسلامية المتطرفة أو استخدام الفوضى وأن لا بديل عن نظام الحكم العسكري للحفاظ على الأمن والاستقرار ويجمله الإعلام الموالي له بأنه نظام الأمن والأمان ولكنها ما تكون إلا أكاذيب كالعادة. ويحصل على الدعم الدولي والشرعية الدولية بنفس المنطق بأنه يستخدم العنف للحفاظ على الاستقرار والأمن.

ويقوم النظام الظالم عند حدوث الثورات باستخدام سلاحي القوة المفرطة والفوضى، فيتعامل مع الثوار والشعب الثائر بالقتل والاعتقال من أجل إرهاب باقي جموع الثورة خصوصاً أفراد الشعب التي تساند الثورة لكي يبتعدوا عن مواقفهم الثورية من أجل التغيير. ويقوم بالتهديد بالفوضى ومحاولة نشرها بالبلطجة واللصوص وفتح زنازين السجون كما حدث في مصر 2011 وتم إطلاق سراح العديد من المعتقلين الجنائيين لإرهاب الشعب وإشاعة الفوضى، ورومانيا 1989، وتشيلي 1973 بنشر البلطجية والقتلة.

ويحاول افتعال الأزمات وعمل الثورة المضادة باستخدام أذرعه السابق ذكرها من أجل إفشال الثورة الحقيقة وتكريه الشعب في الثورة والثوار.

ولكن يجب أن لا يهاب الثوار هذه الأفعال من أجل التغيير وإسقاط الأنظمة المستبدة.

ذكرى موجات الثورة والرفقاء

 


ثلاث شهور لهم ذكرى سوداء في تاريخ مصر وفي ذهن كل ثوري (أكتوبر، نوفمبر، ديسمبر). لا يوجد فرد ثوري واحد لم يحضر فيهم مذابح العسكر او ينكرها ولا يملك بها ذكرى ولم يفقد فيها شهيد او مصاب. ذكرى احداث ماسبيرو، محمد محمود، القصر العيني على الترتيب. تورطت فيها الشرطة العسكرية والأمن المركزي بشكل مباشر من أجل كسر ‏شوكة الشعب وإعادة هيبة الشرطة وتوطيد المجلس العسكري لفساده ونظامه ومنع الشعب من الثورة والانتقام مما حدث للشرطة في يناير ٢٠١١. مرت ٩ سنوات على هذه الأحداث ولا نستطيع نسيان أي شيء فيها، لن ننسى القناصة فوق الجامعة الأمريكية ولا حرق المجمع العلمي ومنعنا من اطفاءه، لن ننسى افعال ‏الظباط والعساكر الشائنة من لفظ وقول وقتل وسحل وتعرية لست البنات، وأيضا لن ننسى بطولات كثيرة كالطفل سيد وشباب الموتسيكلات وأطباء الميدان ومتطوعين الشوارع المجاورة من أعطونا أمان اثناء الكر والفر حتى محلات تجارة الريموت والشواحن الذين فتحوا محلاتهم لنا، لن ننسى الالتراس وقود الثورة ‏الذين دفعوا كثيرا من الدماء من أجل مبدأهم القوي والإيمان بالثورة وانتم منهم النظام أشد انتقام في بورسعيد وفي القاهرة بيد كلبهم مرتضى. لن ننسى ولن نسامح ولن نبرح مكاننا فمازال عالق بأذهاننا دماء رفقائنا، ومازالت رائحة الغاز وقنابل الكلور والبارود في انوفنا.

لن ننسى جثث الرفقاء على القمامة ولا نستطيع أن نحملها  أو إلتقاطها ولا يسعنا التقدم خطوة بسبب إطلاق الرصاص الحي علينا، لن ننسى أي مما حدث ولن نسامح. 

لن اذكر اسماء للقتلة ‏فهم معروفين من أول عضو بالمجلس العسكرى إلى اللواء بدين منفذ جرائمهم إلى مخططهم المعروف، اما للشهداء والمصابين فأسمائهم في قلوبنا لن يمحيها إلا المحاكمة الثورية ولو ذكرت اسمائهم لن تكفيهم صفحات ولكن يكفي ان نقول انهم معنا بروحهم وحقهم راجع. ‏ولن ننسى الخائن والذي باع والذي روج للقتل ووافق عليه وقال (ايه وداها هناك)، ومن انكر وجود قتل وكل النخبة الفاسدة. ويوما ما سيأتي العدل بالحق.

#الله_الوطن_الثورة_الشهداء