أسباب نجاح الثورات ج 11 (التخطيط الثورة وسلمية الثورة)

 

احمد عادل داوود

نتابع سوياً الإعادة لنشر سلسلة أسباب نجاح الثورات ومناقشة أسسها وكيفية الوصول إلى الدولة المدنية

 وبعد أن ناقشنا الثورة وفكرتها نصل الآن إلى كيفية نجاح الثورة

التخطيط الثوري والتحرك العقلاني

يتمثل التخطيط قبل الثورة في الحشد الجماهيري والوعي وتنمية الرأي العام وفضح ممارسات السلطة المستبدة. والعمل يكون خلال الثورة بالتخطيط المنظم للتحرك الثوري بطريقة عقلانية وسلمية وليس بطريقة غوغائية ودموية وذلك للحفاظ على أهداف وسلمية الثورة بأساليب الضغط التي تحدثنا عنها.

فما يحرك الموجات الثورية ليست الأعداد أو الغالبية بل أصحاب القدرة على التخطيط وتحريك الموجة الثورية الشعبية وتوجيهها إلى الأهداف الثورية من المحافظة على التحرك العقلاني والتخطيط السوي حتى لا تكون الخسائر للشعب كبيرة.

فيجب الاهتمام بكيفية إظهار الثورة الشعبية وانتشارها في أرجاء الدولة وبالمدن الكبيرة ولا تتركز في عاصمة الدولة فقط وإنما انتشارها على مستوى الدولة واشتراك كل فئات الشعب فيها والتعامل بعقلانية فلا تنشر أكاذيب عن معتقلين أو قتلى الثورة إنما تنشر الحقائق مع عدم الانقياد وراء أي أحد من النخبة أو الأحزاب التي تسعى للسلطة أو من لهم تاريخ سياسي سيء.

وعليه تتواجد الثورة في الأماكن الحيوية التي تستطيع بها أن تسيطر على أركان الدولة والمباني الحكومية الأساسية كالمجالس التشريعية ومقار السلطة التنفيذية خصوصاً الرئاسة ورئاسة الوزراء والدفاع والشرطة.

ويكون التحرك على الدوام بسلمية وبحذر من الاشتباكات العنيفة مع قوات النظام المستبد الذي لن يتهاون في استخدام القوة المفرطة ضد الثورة ولكن يكون الرد بفكرة الوحدة الثورية والسلمية والدفاع عن الثورة بأبسط الأدوات كما حدث في مصر 2011 وتونس 2010 ورومانيا 1989 في مواجهة قوات النظم المستبدة الحاكمة وقتها ومقاومتها بسلمية.

والحذر كل الحذر من تأجيج التفاعلات الثورية حتى لا تصل إلى مستوى الاصطدام الدموي حتى لا تصل لمرحلة انقسام أو تفتيت للثورة أو يحدث أي نوع من أنواع الفتن التي من الممكن أن تستغل ضد الثورة أو يحدث انقسام على الثورة بين الشعب كما حدث بسوريا والصومال كما ذكرنا فتؤدي إلى الانهيار والحرب الأهلية.

حضارية الثورة

من المظاهر المهمة للثورات هو مظهر حضاريتها وجوهرها النقي وهو ما يتحلى به الثوار ويحاولوا أن ينقلوه للشعب نفسه. فمع السلمية والشعارات النظيفة التي تهدف إلى مصلحة الشعب والوطن تتحلى الثورات الحضارية بمظاهر تعكس فكر أصحابها من نظافة وعمل وسلمية وتنوير وتعاون وعدم عنصرية أو طائفية مع وجود القوة الثورية في نفس الوقت.

فنجد مثل هذا حدث في ثورات الربيع العربي خاصةً بمصر 2011 وتونس 2010 وقد تكون مصر أقوى الأمثلة على هذا، فرفع الشعبان لافتات تدعو للرحيل بأسلوب راقي وسلمي حتى عندما هدد مبارك أن رحيله سيكون بديل عنه الفوضى رفع الثوار الأحذية في وجهه كلافته عن رفضه ورفض سياسته.

وكانت مواجهة عنف النظام بأسلوب متحضر وبالدفاع عن النفس بأبسط الطرق وبدون استخدام سلاح بل بالصمود واستخدام سلاح الوحدة الثورية الشعبية فقط. فوقف فرد أمام مدرعة، ووقف المصلون ثابتون أمام مضخات الماء، وثبت الجميع تحت دخان القنابل المسيلة للدموع وأمام الرصاص الغادر والقناصة. وكما حدث في مصر 2011 كانت البداية في تونس 2010 الذي وقف فيها شعبها موقف بطولي أمام القوة المفرطة للشرطة التونسية المستبدة التي حاولت قتل المتظاهرين فكانت قوتهم في وعيهم ووحدتهم.

ولم يقم الثوار وقت الفاعليات وأيام الثورة بشل حركة الدولة بل كانت تبدأ التفاعلات بعد انتهاء يوم العمل خاصةً أن ميدان التحرير بالقاهرة به العديد من المصالح الحكومية وشريان حياة القاهرة ولكنها لم تكن تقف رغم الاعتصامات والثورة وهذا ليوضح الثوار أن وجودهم من أجل الوطن وليس ضده ولا لخرابه. فالثورة من أجل هدم واسقاط الأنظمة المستبدة الفاسدة وليس هدم الأوطان بل لبنائها على أسس الحرية والعدل والمساواة.

وحتى بعد الانتهاء من الفاعليات الثورية ورحل مبارك كان الرد من الثوار بتنظيف الشوارع في الميادين التي كانوا يتجمعون بها في أرجاء مصر بل وتلوين كباري وأرصفة كانت تهملها الدولة دليلاً على حضارة الثورة وأنها تريد الخير والجمال للشعب والوطن.

أهداف الثورة في الصالح العام دائماً

تنبع الأهداف من الأسباب التي ذكرناها، وتهدف الثورات لعمل سامي وتطالب دائماً بأهداف شعبية وليست فئوية ويقوم بها أفراد يطالبون بحق الشعب أجمع ولبناء دولة متقدمة ومجتمع أفضل بل أن نتائج هذا التغيير لن يكون في نفس الوقت بل على مدار سنوات ولن يستفيد منه من قاموا بالثورة وإنما سيستفيد به الأجيال القادمة.

وهذه هي سمو الفكرة الثورية التي تعمل من أجل الوطن والشعب والأجيال القادمة فسعي الثوري ليس لنفسه بل لأبنائه وأبناء غيره وأحفاده وأحفاد غيره لكي يحصل الجميع على وطن به كرامة إنسانية وعدالة اجتماعية وحرية وديمقراطية ومستوى تعليمي وصحي يستحقه الفرد المواطن وتقدم للدولة يجعل منها في الصفوف العالمية الأولى فكل فرد يستحق هذا.

فأهداف الثوار والثورة هي للصالح العام أما الجماعات والأحزاب والأفراد وكل من يبحث عن مصلحة خاصة يكون نهايته إما الفضح أمام الشعب والرأي العام أو أن يضحي به النظام المستبد ويتخلص منه في وقتاً ما لأنه خائن ودائماً وأبداً تتخلص الأنظمة الفاسدة من أعوانها أو ينتهي به الأمر بالنهاية بالمحاسبة على خيانة الثورة عندما تنجح وتحكم.

وتهدف الثورة لهدم النظام الفاسد وإزالة الاستبداد وليس هدم الدولة كما يروج الفاسدين من أجل الحفاظ على مصالحهم الشخصية. فتعمل الثورة من أجل الوعي السياسي والاجتماعي وتحقيق عدالة اجتماعية اقتصادية وبناء دولة حضارية متقدمة، وهذا ما يجب توعية الشعوب به.

وتعمل الثورة مع عدم النظم المستبدة الفاسدة على إعادة بناء الدولة بنشر العدل والديمقراطية وبناء دولة مدنية حديثة بعيدة عن الفاشية الدينية أو العسكرية، وتقوم الثورة بإنشاء دستور مدني وقانون يحقق العدالة القضائية، الاقتصادية، الاجتماعية.

وتعمل الثورة على تحسين نظم الإدارة بالدولة والمنظومة الصحية والتعليمية التي توفر الخدمات الهامة للشعب ليمتلك كل فرد حقه في وطنه.

التغيير السلمي

 التغيير الثوري معناه الهدم وإسقاط الأنظمة وليس معناه تدمير الدولة وانهيارها بل أن يكون التغيير سلمياً. فكما كانت السلمية في التعبير كذلك تكون في التغيير. فلا يكون التغيير بتصفية الحسابات والقتل وسيل الدماء فهذا منافي للأخلاق والإنسانية، ولكن السلمية لا تعني أيضاً ترك الفاسد دون محاسبة بل محاسبة كل من فسد بالقانون الثوري العادل وليس بطريقة دموية تؤدي إلى انهيار المجتمع كما حدث في الثورة الفرنسية والحكم بالإرهاب والمقصلة 1789:1799 عندما وصل الأمر إلى الإعدام بالمقصلة لمجرد الشك في كون الفرد ليس مع الثورة.

وقد يتضح للبعض أن الثورات السلمية التي تحدث معرضة للموت أسرع وأسهل ولكنها في نفس الوقت أقوي وأضمن طريق للمحافظة على وحدة الشعب والوطن وعدم انهياره. وقد تأخذ هذه الثورات وقت أطول لكي يكتب لها النجاح ولكن في النهاية تكون وحدتها وقوتها وضمان ثباتها أعلى وأفيد للوطن. فقد قاد الحراك السلمي إلى التغيير السياسي في 53 في المئة من الثورات والنسبة الباقية فشلت في احداث تغيير سياسي لأسباب مختلفة منها عدم وجود قيادة أو اختراق التنظيمات أو وصول أحزاب ملتفة للحكم مستغلة عدم وجود تنظيم ثوري، في مقابل 26 في المئة فقط للاحتجاجات العنيفة والثورات المسلحة هي التي استطاعت تحقق تغيير سياسي والنسبة الباقية أدت إلى دمار الدول وحدوث حروب أهلية..

ويظهر لنا أن التغيير السلمي يساعد على جمع أعداد من الشعب على مختلف فئاته وطوائفه وأعماره وتوحيد الصفوف الثورية والشعبية ضد النظام المستبد وزيادة حملات التوعية ومنع الانقسام والمحافظة على الأوطان والتخلص من أفراد النظام المستبد ومحاسبتهم ويعمل أيضاً على كسر حاجز الخوف داخلهم من النظام الاستبدادي عكس الثورات المسلحة التي تفرق بين الأفراد والأسر والشعوب وتدمر الأوطان.

وتكون نسبة التعاون والنجاح فيها أكثر من الثورات المسلحة ويكون قبولها الشعبي أكثر كالثورة المخملية بتشيكوسلوفاكيا 1989 والرومانية 1989 والفلبينية 1986 والتونسية 2010 والمصرية 2011 وثورة الورود الجورجية 2003 والجزائرية والسودانية 2019 والأرجنتينية 1973.


وللحديث بقية في السلاسل القادمة



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكراً لتعليقكم