نظم وأشكال الحكم (الدولة المدنية ج 1)

 

الدولة المدنية

نبدأ الحديث عن أشكال الدول المختلفة وأنظمتها وفي البداية نتحدث عن الدولة المدنية

تعريف الدولة المدنية

هي الدولة النقيضة للدولة الشمولية العسكرية أو الدينية، والتي تحتوي على أسس الحكم الشعبي وحق السلطة للشعب وأنه هو مصدرها وأساسها، والذي يمتلك حق إعطائها لمن ينوب عنه أو سحبها منه إن لم يتوافق معه أو أخل بشرط من شروط الانتخاب من برامج المرشحين.

وهي دولة تحمي حقوق المواطنين والمجتمع وحريتهم الشخصية دون تحيز لأحد على أي أساس. بل تتمتع بالمساواة والعدالة لكل أفراد المجتمع دون تفرقة على أساس ديني أو عرقي أو جنسي. وتحمي حقوق الإنسان وحريته الشخصية بدون تعدي أو إيذاء الآخرين، فتكون دولة تحمي المواطنة ومبادئها.

وهذه الدولة تختلف عن الدولة الشمولية والدينية والعسكرية والسلطوية. ولا تشترط شكل حكم محدد فيمكن تطبيقها سواء كان نظام الحكم ملكي، جمهوري، برلماني. المهم أن تكون بشرط قائمة على نظام تداول السلطة والحكم الديمقراطي.

أهمية الدولة المدنية

تكمن أهمية الدولة المدنية في تطبيقها السوي الذي يؤدي إلى الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والضمان الدستوري والقانوني الذي يساعد الفرد على شعوره بالانتماء للدولة ومنها العمل بكد من أجلها، وبالتالي يسعى جاهداً لتحصل الدولة على فائدة تصب في النهاية لمصلحة الفرد الشخصية.

فتحقق الدولة المدنية كافة الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية بدون تفرقة بين أحد من المواطنين.

فيسعى الفرد للعمل بكل ما في وسعه من أجل المصلحة العامة التي تعود عليه كمصلحة خاصة، ومن هنا ينطلق مفهوم العدالة الاجتماعية التي تعمل على مساواة كل الأفراد وإغناء الفقير ومساعدة المجتمع لبعضه من خلال منظومة تبادلية في المجتمع برعاية الدولة وتساعد فيها على ذلك.

ومن هنا يكون تحديد وظيفة الدولة المدنية التي تعمل على المساواة والعدالة الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والسياسية.

أسس الدولة المدنية

لكي تقام الدولة المدنية يجب توافر عدة أسس هي التي تقيس مدى مدنية الدولة وهل الدولة فعلاً تطبقها أم هي مجرد كلمات تطلق، وهي في الحقيقة لا تكن من الأمر سوى الخيال، وعلى ذلك تحاول كل دولة وضع هذه الأسس ومراعاتها من أجل بناء دولة مدنية عادلة وتحقيق ذلك وضمان عدم الإخلال بهذه القواعد.

ومن هنا تكون هذه الأسس والقواعد التي تشكل مدنية الدولة، وهي أسس مترابطة ببعضها فلا يمكن تطبيق واحدة ولا تطبق أخرى فهي كالعقد إذا فرط إحداها فرطت كل حبات العقد.

1- ضمان تداول السلطة بشكل سلمي: -

يكمن الأساس هنا في عدم تمركز السلطة في يد فرد أو جماعة أو حزب فترة زمنية طويلة دون تداول للسلطة لفرد آخر من خارج هذه الدائرة أو أن يحدث الانتقال للسلطة بطريقة غير سلسلة أو بالتزوير أو بطريقة أرستقراطية إي باختيار فرد من داخل مجموعة حاكمة وعدم السماح لأحد من خارج هذه المجموعة بالترشح للمناصب السياسية خصوصاً منصب الحاكم.

لذا لابد من توافر عدة عناصر لضمان أن يحدث هذا التداول وبدون سيطرة أحد على السلطة أو محاولات لتزوير الانتخابات وهي: -

1-الانتخابات: -

هي عملية سياسية تحدث من أجل تطبيق أسس العملية الديمقراطية، وتحقيق مبادئ الحرية السياسية واستخدام المواطن لها، وعن طريق هذه العملية يتم ترشح أفراد سواء في انتخابات لأحد السلطات التشريعية أو التنفيذية أو القضائية، معلنين للناخبين برامجهم الانتخابية ومعلنين عن تاريخهم السياسي والرد على تساؤلات الناخبين بل والمرشحين أيضاً من خلال المناظرات الانتخابية بينهم، من أجل أن يقارن الناخب ويرى من هو الأصلح له ولوطنه.

ويعتبر الانتخاب بمثابة عقد بين المرشح والناخب يشمل على مهام تعهد بها المرشح أن يؤديها للناخب الذي أعطاه صوته. فإن أخل المرشح بما تعهد به أصبح من حق الناخب من الشعب أو نوابه سحب الثقة التي أعطاها للمرشح ومحاسبته.

وهنا تكمن إحدى نقاط القوة في الشعب صاحب السلطة وممارسته لحقوقه السياسية بمراقبة ومحاسبة نوابه في السلطة التشريعية والتنفيذية، واستخدامه لوعيه السياسي بتغيير مسارات الحكومات التي تحيد عما يحتاجه المواطن، وإقامة انتخابات حرة نزيهة لضمان الوصول لحق المواطن في استخدام صوته الانتخابي واختيار من ينوب عنه ويمثله، وهذا لكي يضمن في الدولة تحقيق تداول السلطة.

2-الفصل بين السلطات: -

تتكون السلطات بالدولة بأكثر من جهة وهي السلطة القضائية، السلطة التشريعية، السلطة التنفيذية. وتأتي معهم سلطات أخرى ليست ذات صلة بالحكم في الدولة، ولكنها ذات تأثير وقوة وهي سلطة الصحافة والإعلام كسلطة رابعة وسلطة المجتمع المدني كسلطة خامسة.

وتعمل هذه السلطات بإطار داخل الدولة متصل منفصل، أي أن كل سلطة تكون على تعامل مع السلطة الأخرى، ولكن بدون سيطرة من إحداهم على الأخرى خصوصاً السلطة التنفيذية التي ما إذا تحكمت بهم كان البلاء على الدولة والاستبداد والحكم الشمولي.

وعليه يجب على كل سلطة أن تكون صاحبة قرار نفسها لا تكون مقادة من سلطة ثانية بل يجب أن تنفصل السلطات الثلاثة الأساسية (القضائية، التشريعية، التنفيذية) عن بعضها، بل ويجب أن تكون السلطة التشريعية والقضائية أعلى من السلطة التنفيذية. فهم الأداة التي تضرب على يد السلطة التنفيذية من أن تنفرد بالحكم وتسيطر على الدولة والشعب، وهم رمانة ميزان الدولة التي تعادل بها قوة الشعب أمام السلطة التنفيذية.

ومن هنا تعمل السلطة التشريعية التي تمثل الشعب وقوته وصوته على مراقبة ومحاسبة السلطة التنفيذية ومراجعة قرارتها والموافقة عليها أو رفضها وإصدار التشريعات اللازمة لإدارة الدولة وتشكيل اللجان التي تعمل على مساعدة السلطة التنفيذية على العمل، ومراقبة أعمالها في نفس الوقت، وهل هي تعمل على ما قدمته في برامجها الانتخابية ام لا، ومراقبة ما إذا كانت هذه السلطة تستعملها فيما يفيد الدولة والشعب أم تسيء استخدامها وتحاول السيطرة على مفاصل الدولة والانفراد بالسلطة.

فهنا تكون السلطة التشريعية بمثابة الحكم كصوت الشعب للسلطة التنفيذية التي تسيء للدولة وحقوق المواطنين، فتعمل على محاسبة السلطة التنفيذية وعزلها إن لزم الأمر.

أما السلطة القضائية فهي اليد التي تستخدم لمحاسبة الجناة سواء من الشعب أو السلطة وهي الرقيبة على استخدام الدستور والقانون.

والسلطة الرابعة أي سلطة الصحافة هي العين التي ترى وتكون صوت يعلو ليسمعه الشعوب، فله الحق في الاطلاع على ما يريد من أعمال هذه السلطات طالما هي معلومات لا تضر الصالح العام وليست بسرية، فهذه السلطة هي من تعلن للشعوب عما يدور في كواليس السلطات الثلاثة الأولى وتفسرها وتيسرها على مفاهيم المواطنين. لكي يكون دائماً المواطن على معرفة بما يدور، ومن خلال هذه السلطة يمارس حقه السياسي بمعرفة مجريات الأحداث وأخبار المرشحين وفكرهم وبرامجهم.

والسلطة الخامسة وهي سلطة المجتمع المدني التي تشمل الأحزاب والهيئات المدنية من نقابات وجمعيات، والتي تعمل على تنمية العمل العام في المواطن ومساعدة الدولة في الإدارة وتنفيذ المشاريع وتوعية المواطنين وتوجيه السلطة التنفيذية لاحتياجات الشعب.

فلذا لابد أن تكون هذه السلطات منفصلة عن السلطة التنفيذية ولا يخضعون لها، فإن حدث وخضعت هذه السلطات للسلطة التنفيذية كانت الكارثة والطامة الكبرى التي تؤدي إلى الفساد والدمار السياسي ومنها إلى الدمار الاقتصادي والاجتماعي وانهيار الدولة، فتحكم السلطة التنفيذية في السلطات التي تراقبها وتحاسبها وتجعل منها لعبة بيدها، ويحول السلطة التنفيذية إلى سلطة ديكتاتورية، وتحول الدولة إلى دولة شمولية، لا يستطيع أحد محاسبتها أو مراقبتها وبالتالي ينتشر الفساد والسرقة ومنها سيتم التنكيل بكل من يعارض هذه السلطة، وستكون السلطة القضائية نفسها هي من تعاقب المعارض التي من المفترض أن تكون سلطة الشعب في معاقبة الجناة من السلطة التنفيذية.

وستكون السلطة التشريعية التي من المفترض أن تكون سلطة الشعب في مراقبة ومحاسبة السلطة التنفيذية هي نفسها السلطة التي تشرع لها القتل والاعتقال، وأما السلطة الرابعة ستكون ما إلا مضلل للشعب ومغيب له بدلاً من أن تكون فاضحة لممارسات السلطة التنفيذية الخاطئة.

أما سلطة المجتمع المدني ستنهار وتصبح لعبة في يد السلطة التنفيذية حيث سيكون تعيينها وتوجهاتها من هذه السلطة، فبدلاً من أن تكون ممر المواطن للعمل السياسي ستكون ممر للسلطة لتنفيذية في تجهيل المواطن وتغييبه ووضعه في بوتقة السلطة التنفيذية.

وعليه يجب الفصل بين هذه السلطات تماماً مع الحفاظ على الاتصال وتبادل المعلومات من أجل الوصول إلى أصح وأفضل القرارات التي تفيد المواطن والدولة، من أجل أن يتم تداول السلطة وعدم انفراد أحد بها.

وللحديث بقية في السلاسل القادمة

 

هناك تعليقان (2):

شكراً لتعليقكم