كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 93 (معاملة المرأة وحقوقها الأسرية)



-معاملة المرأة وحقوقها الأسرية: -

-قال الله تعالى: -

(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا)

(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)

(وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ)

(لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا)

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(خيركم خيركم لأهله -نسائه- وأنا خيركم لأهلي).

(خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، ما أكرم النساء إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم).

(اتقوا الله في الضعيفين: المرأة و...).

(اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله).

(ما أكرمهم إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم).

(استوصوا بالنساء خيراً فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج ما في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيراً).

فيوصي على التعامل باللين وليس بالشدة مع النساء.

(لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها شيء رضا عنها لباقي محاسنها).

ليتم التفاعل بنهم بالرضا عما هو حسن في أخلاقها وإصلاح ما هو سيء فيها فلا يوجد إنسان كامل.

(أطعموهن مما تأكلون وأكسوهن مما تكتسون ولا تضربوهن ولا تقبحوهن).

(النساء شقائق الرجال).

تأكيداً على المساواة بينهم ومراعاة المعيشة لهم بأحسن حال.

(خدمتك لزوجتك صدقة).

فلا عيب للمساعدة للزوجة وخدمتها بل هذا من حقوقها وقيام الرجل على المرأة بهذا.

(ألا واستوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فأجروهن في المضاجع وأضربوهن ضرباً غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إلا أن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقاً فحقكم عليهن ألا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون إلا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن).

(أن تطعمها مما تأكل وتلبسها مما تلبس ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت فـإن استفحل الخلاف بينهما حكماً بينهما حكمان أحدهما من أهله والآخر من أهلها للإصلاح بينهما حتى لا يؤدي الشقاق بينهما إلى الطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى الله).

فوضع بهذا الله في القرآن المساواة بين الرجل والمرأة بالحقوق والواجبات ووضح الرسول أسس التعامل السوي للمرأة وحقها على الرجل وواجبها له وكيفية التعامل معها عندما تخطئ وعدم ضربها، فيكون العقاب بالهجر في الفراش ومن قبلها الوعظ بالحسنى، وبشرط بأن يكون غير مبرح وبالسواك كما قال النبي أي كشيء من العقاب، وكما أوضحنا في السابق أن الضرب بمعنى الفراق والبعاد. وأوضح أن النساء يعونون الرجال في الحياة وأنهن كائن مساوي له وليس أقل منه.

ووضع لنا الفكر الإسلامي طرق التعامل مع المرأة إن أخطأت بتحضير أهلها ولكن بعدم الإساءة لها حتى من أبيها. ويكون حكمان من أهل الشريكين للتحكيم وتهدئة الأمور.

فنهى الرسول عن إيذاء أو ضرب النساء أبداً، ولم يفعلها قط بل إنه في يوم كان يشتكي لأبا بكر ابنته وأخذ يحكي له ما حدث فقالت السيدة عائشة للرسول: أقصر. فقام أباها ليضربها ويقول لها: أتقولين هكذا لرسول الله. فحال النبي بينه وبينها حتى لا يضربها أباها.

وحتى الضرب يكون كما قال الرسول بالسواك أي بلا شيء يذكر بالأساس والمقصد هنا عدم الضرب بل المعاملة بالحسنى وليس بالتعذيب بعد النصح والإرشاد والوعظ والعقاب بالهجر في المضاجع والحياة كما تحدثنا بالسابق.

-       فقال الله تعالى: -

(وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ)

وهذا في كل شيء بالحياة للين والحب بين الأزواج والاحترام المتبادل بينهم.

-وقول الله تعالى: -

(... وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ ...)

هو تعبير مجازي عن العقاب للمرأة بالخصام والفراق لبرهه من الوقت كعقاب عله يأتي بنتيجة كما ذكرنا بالسابق. فأمر الله الرجال بأن تكون الحياة بالمعروف وأنهم شقائقهم فلن يأمر بالضرب. فالمعنى كما نقول إن الدولة ضربت على يد الفاسد فلا يقصد الضرب بمعناه اللفظي وإنما مجازياً بمعاقبته كما ذكرنا سلفاً.

-وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: -

(أضربوهن بمثل هذا السواك ولا يقبح ويعفي الوجه).

(لا تضربوا إماء الله).

(لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم).

حتى لا تعامل معاملة مهينة بالسب أو الضرب أبداً، ولا تضرب بقوة ثم تجامع بعدها ففي هذا إهانة لإنسانيتها وكرامتها ففي هذا قهر فلا يجب أن يحدث أبداً من الأساس أن يصل الأمر إلى الضرب.

فإن حدث خصام بين الزوجين يكون علاجه الحب والتصرفات والعلاقة السوية بينهم كزوجين متحابين.

وأن معنى الضرب بالحديث ليس بالتعذيب وإنما بشيء بسيط كمسواك مثلاً تدليلاً على أنه عقاب بسيط ليس إلا وكأنه لم يحدث. والضرب يأتي بعد أكثر من حل قدمه الله في الآية ولكنه يكون كالعتاب بالفراق وليس بالمعنى الحرفي للضرب أو بقول النبي بالمسواك أي بشيء لا يؤذي ولا يذكر أصلاً وكأنه نهر لها، ويكون بالبُعد عنها وهو إجراء اختياري بعد محاولات الصلح من الأهل أو الهجر في الفراش فكل امرأة غير الأخرى في تقبل الحلول وهكذا كل فرد كما ذكرنا وفسرناها بالسابق.

وقد أوضحنا من قبل كيف يكون الرجل قوام على المرأة بأن يكون قائم على خدمتها وحياتها وتوفير لها الحياة الكريمة بالنفقة الكاملة وأيضاً يكون له عندها الطاعة والإذن في كل شيء طالما في حدود الإسلام، وعليه أن يعطيها كامل الحقوق والرعاية.

-فقال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه ولا تأذن في بيته إلا بإذنه).

والمقصد هنا ليس بالصيام مباشرة وإنما القصد أن كل شيء يجب أن يكون بإذن الزوج حتى الصيام. فطالما له حقوقه كاملة فلا يبغي عليها ويعاشرها بالمعروف واللين والقول الحسن.

وعن الإنفاق يؤكد المنهج الإسلامي على أن ينفق كل زوج على زوجته على مقدرته دون بخل بل بتكفيتها من كل حاجاتها دون المساس بأموالها إلا برضا منها كما بالآية الكريمة وكما وضحنا بجزئية (مال المرأة والإنفاق عليها).

وعن الحياة كان الرسول يأخذ نسائه يوم السبت للخروج للجداول ترفيهاً لهن وكان يسابق زوجته عائشة فيسبقها مرة وتسبقه مرة فيقول عندما يسبقها (هذه بتلك) مزاحاً وتقارب لزوجته برقة وحب.

وكان النبي يضع لزوجته ركبته لتصعد عليها لتركب الجمل احتراماً لها ومساعدة لها فكما هذه الأيام يفتح الزوج لزوجته باب السيارة أو باب الحجرة إجلالاً وتقديراً لها وهذه قمة الإتيكيت الحديث وأسس التعامل بكياسة مع المرأة.

حتى أنه كان يشرب من مكان شفاه السيدة عائشة في الكوب إشعاراً لها بالحب والحنان وهذا واجب كل زوج ألا يكون جامداً مع زوجته ويشعرها بالحب والحنان.

وكان النبي يقول للسيدة عائشة: حبي لك كعقدة في حبل، لا يستطيع حلها أحد. فتضحك، وكل ما تمر عليه تسأله: كيف حال العقدة؟ فيقول: كما هي. اعترافاً بالحب فلا عيب في ذلك بل هو من وسائل الترابط والمحبة.

والغيرة من مشاعر الزوجة على زوجها وقد تقع من أفضل النساء، حتى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، ومواقفه صلى الله عليه وسلم مع زوجاته الدالة على حسن خلقه معهن، وصبره عليهن في غيرتهن كثيرة، ومنها موقفه صلى الله عليه وسلم مع السيدة عائشة، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة (إناء) فيها طعام، فَضَرَبَتِ التي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم في بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِم، فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فِلَقَ الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: غارت أمكم، ثم حبس الخادم حتى أُتِيَ بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كُسِرَت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كَسَرت.

وعن عمرو بن العاص، أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة. قال: من الرجال؟ قال: أبوها.

وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ جالسًا في المسجدِ، فسمعنا لغطًا وصوتَ صبيانٍ، فقام رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ - ؛ فإذا حبشيةٌ تزفُنُ والصبيانُ حولها، فقال : يا عائشةُ ! تعالي فانظري، فجئتُ، فوضعت ُلحييَّ على منكبِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ (أي ذقنها على كتفه وهي خلف)، فجعلتُ أنظر إليها ما بين المنكبِ إلى رأسه، فقال لي: أما شبعتِ؟! أما شبعتِ؟! فجعلتُ أقول: لا؛ لأنظر منزلتي عنده؛ إذا طلع عمرُ، فارفضَّ الناس عنها (أي انفضوا)، فإني لأنظرُ إلى شياطينِ الجن والإنسِ قد فرُّوا من عمرَ بنِ الخطابِ!، قالت: فرجعتُ.

كل هذا يدل على الاعتراف بالحب ومشاعر الزوجة المطلوبة لها لأنها حقوق لها وتقبلها كالغيرة والتعبير لها عن هذا الحب كحق لها لإشباع مشاعرها.

وكان النبي يساعد في أعمال المنزل، فكان يخصف نعله ويحلب شاته كمشاركة في أعمال البيت، وهذا من واجبات الزوج على زوجته أن يساعدها. وكان النبي يشاور زوجاته في أمور الحياة، فعندما أتى له الوحي كان أول من ذهب إليه هي زوجته السيدة خديجة، وهذا حقها عليه أيضاً أن يشاورها ويشاركها حياته كما كان النبي يشارك زوجاته الحياة العملية والبيتية كما ذكرنا بالأمثلة.

فنجد بهذا كيفية التعامل مع الزوجة والحياة الأسرية فكان يساعد بأعمال المنزل ويخرج بزوجاته للتنزه ويسابق السيدة عائشة كشيء من المرح، ويثني ركبته للسيد صفية لتركب على الجمل، ويشرب من مكان شرب زوجته، وعندما بكت إحدى زوجاته وهي السيدة صفية عندما برك جملها أخذ يمسح دموعها، وحتى عندما حدث تلاسن من البعض وقت حادثة الإفك لم يحاول جرح مشاعر السيدة عائشة بالحديث حتى يتأكد ويظهر الحق، وكان يظهر حبه لزوجاته كما ذكرنا عن السيدة عائشة أنه قال لها: حبي لك كعقدة في حب، ويقول عن السيدة خديجة: رزقت بحبها، وظل وفياً لها فكان يرسل لأصدقائها اللحم عند ذبح شاة. كل هذا لحسن المعاشرة وإظهار الحب للزوجة لتكون الحياة مريحة وبها ألفة ومودة ورحمة وحب.

-قال الله تعالى: -

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)

(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).

وهذا لأن يكون التعامل مع الأسرة بالعفو والتغافل ونسيان أي مشاكل من أجل إرساء حياة زوجية قائمة على المودة والرحمة. فالحياة الزوجية مليئة بالمشاكل وعلى الزوج أن يحاول تجاوزها مع الزوجة لأن عليها الكثير من الضغوط مثله تماماً فحدث أن: -

(اسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعَ صَوْتَ عَائِشَةَ عَالِيًا، فَلَمَّا دَخَلَ تَنَاوَلَهَا لِيَلْطِمَهَا، وَقَالَ: أَلَا أَرَاكِ تَرْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْجِزُهُ، وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُغْضَبًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ: كَيْفَ رَأَيْتِنِي أَنْقَذْتُكِ مِنَ الرَّجُلِ؟ قَالَ: فَمَكَثَ أَبُو بَكْرٍ أَيَّامًا، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَجَدَهُمَا قَدِ اصْطَلَحَا، فَقَالَ لَهُمَا: أَدْخِلَانِي فِي سِلْمِكُمَا، كَمَا أَدْخَلْتُمَانِي فِي حَرْبِكُمَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ فَعَلْنَا، قَدْ فَعَلْنَا)

فنعي من هذا أنه على الزوج أن يتغافل ويكون هادئاً عند حدوث أي مشكلة ليحاول أن يهدأ من الزوجة عند انفعالها، فمهما كان الفعل خطأ إلا أن رد الفعل مهم. وهذا من حق الزوجة على زوجها.

ووصى النبي الرجال المسافرين لمدة أن لا يباغتوا زوجاتهم بالرجوع بل يبلغوهم حتى يتزين لهم ولا يباغتوهن فيكونن غير متزينات فيسبب هذا أي بغض للزوج.

-وقال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(إذا دخلت ليلاً فلا تدخل على أهلك حتى تستحد المغيبة وتمشط الشعثة الكيس الكيس).

وهذا ليكون الرجل مهتماً بحسن المظهر أمام زوجته لتكون هي أيضاً حسنة المظهر له.

-ويقول النبي صلى الله عليه وسلم لأنس: -

(يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك).

والسلام يعني البشاشة في الوجه والانفراج في التعامل مع أهل البيت لنشر الحب والسعادة في البيت وفصل المشاكل الخارجية في العمل عن البيت والمزاح مع الزوجة وعدم العبوس في وجهها.

فتروي السيدة عائشة: -

(أتيت النبي بحريرة قد طبختها له فقلت لسودة والنبي بيني وبينها كلي فأبت فقلت لتأكلن أو لألطخن وجهك فأبت فوضعت يدي في الحريرة فطليت وجهها فضحك النبي فوضع بيده لها وقال لها ألطخي وجهها فتناولت من الصحفة شيئاً فمسحت به وجهي والرسول يضحك).

فالمرح بالبيت يضفي السعادة في الحياة الزوجية.

وأوصى النبي بحق الأهل في الرعاية بقوله: -

(... وإن لزوجك عليك حق).

وقوله عليه السلام لعثمان بن مظعون عندما رأت نساء الرسول زوجته في ثياب رثة وأبلغتهن أن زوجها إما الليل فقائم وإما النهار فصائم فلامه النبي وقال له: أما لك بي أسوة؟ فقال: بلى جعلني الله فداك. فجاءت بعد حسنة الهيئة طيبة الريح.

فالمعنى أن يتطيب الرجل لأهل بيته ويكون بأحسن صورة لتكون مثله، فكما يحب أن يراها يجب أن يكون على هيئة طيبة كما تحب أن تراه فهما مرآة بعض ويعكسان صورتهما.


كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 92 (حقوق المرأة 4 الطلاق والخلع والحضانة)



-الطلاق: -

-قال الله تعالى: -

(الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230))

هو حق للمرأة وحلال في الشريعة إلا أن الله يبغضه لأنه يفرق بين الأسرة ويشتتها، فجعل لها حق طلب الطلاق أو الانفصال طالما وقع عليها الأذى من الزوج والضرر بالضرب والعنف أو الإهانة وضيق العيش أو الهجران في الفراش أو القسوة والإساءة أو الإجبار على فاحشة ما أو البغض بينهم أو خطأ في الاختيار منذ البداية أو البخل المادي والعاطفي أو الكذب أو الخيانة، فهنا يحدث فقدان الأمان بين الطرفان بعد محاولات الصلح وتحسين الأحوال الزوجية بينهم وإن لم يحدث فيكون حقهم الطلاق والانفصال.

ولكن يكون الطلاق على خطوات وبعد محاولات للصلح لعدم هدم الأسر وتشتيت الأطفال بين الأب والأم، ويكون عند الضرورة القصوى واستحالة العيش بين الزوجين، فتبدأ محاولات الإصلاح بينهم بالهجر في الفراش، وإن فشل فلا يحل الضرب أو السب حتى لا تتعرض لإهانة وليحافظ على إنسانيتها فكان النبي لا يضرب زوجاته أبداً وما قاله عن الضرب بالسواك وهذا ليس بضرب وإنما كدرب من دروب العقاب الخفيف المداعب والخصام بين الأزواج كي تشعر الزوجة بغضب الزوج.

-قال الله تعالى: -

(وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(أضربوهن بمثل هذا السواك ولا يقبح ويعفي الوجه).

(لا تضربوا إماء الله).

والمقصد هو عدم الضرب وعدم الإهانة فضرب السواك ليس بضرب وإنما يقصد النبي ألا يحدث من الأساس، وإن حدث يكون بأدنى شيء لعدم التعدي وعدم الإهانة للحفاظ على آدميتها وكرامتها وحقوقها وهو تعبير للهجر والخصام والبعد من أجل العقاب وهو نفس المقصد في قول الله تعالى (...وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ...).

فالعقوبة على نشوز المرأة تواترية تصاعدية تبدأ بالوعظ بالكلام الحسن والنصح والإرشاد والعظة ثم الهجر بالمضاجع وهو العقاب النفسي ثم الحل الثالث بقول الله (وأضربوهن)، فهو يكون خيار أخير لا يصل إليه إلا من يفشل في الخيارات السابقة. ولا يكون بمعنى الضرب وإنما بمعنى العقاب بالهجر والبعد والانفصال والفراق، فمعنى الضرب باللغة العربية ليس بالمعنى المفهوم بل بمعنى البعاد مثل (ضرب الدهر بين القوم) أي باعد بينهم، (ضرب الحصار) أي العزل عما يحيط بها، ومن القرآن ما يدل على ذلك قول الله تعالى: -

(وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ (77)

والمعنى أن يقوم بفرق وفصل البحر فيحدث طريقاً في الماء يسيروا فيه للهروب من فرعون وجنوده.

وقول الله تعالى: -

(فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) (الحديد)

(وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ (20) (المزمل)

والمعنى بالأولى أي فصل بينهم بسور، والثاني يبتعدون بالسفر. وكما يقال ضرب به عرض الحائط فالمقصد أنه ابتعد عنه، وكما يقال أضرب عن الطعام يعني يفارقه.

فإن فشلت محاولات الصلح بين الزوجين فيكون بتدخل أطراف من الأهل لمحاولة الصلح والحفاظ على الأسرة.

-بقول الله تعالى: -

(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا).

وإن حدث الطلاق فيكون على ثلاث مراحل وليس مرة واحدة ليكون مرحلة من التأديب أيضاً سواء للرجل أو للمرأة ولإمكانية العيش ولم شمل الأسرة مرة أخرى لإمكانية الرجوع للحياة الزوجية.

-فقال الله تعالى: -

(الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ....).

وإن حدثت المشاكل بين الزوجين واشتدت واستحالت الحياة.

-فيقول الله تعالى: -

(فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ).

فيؤكد على هذا الله تعالى بعدم ترك الزوجة ما بين عدم استكمال الزواج أو إنهائه فإما معاشرة بمعروف أو فراق بإحسان.

وفي حالة حدوث الطلاق أكد الله تعالى على ضرورة الطلاق بالمعروف إن لم تسمح الحياة بالاستمرار بين الزوجين وأن يتم بالمعروف والمودة والرحمة حفاظاً على العشرة والأطفال إن وجدوا.

-فقال الله تعالى: -

(وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).

فتكون الحياة بالحسنى والفراق بالمعروف حفاظاً على العلاقات الإنسانية والاجتماعية لتظل العلاقات سليمة بين الناس ولا يحدث شقاق بينهم وحتى يظل التواصل بين الزوجين بعد الطلاق لإمكانية الرجوع ولم الشمل مرة أخرى أو في حالة وجود أطفال فيظل التواصل بين ربي الأسرة للمحافظة على نفسية الأطفال وعدم تشتتهم بين الأبوين وتدميرهم نفسياً.

-قال الله تعالى: -

(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ۖ)

(وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحاً)

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(مرة فليراجعها ثم ليمسكها وإن شاء طلقها قبل أن يجامع فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء).

فكان التأكيد على أن تكون عدة للمرأة مدة ثلاثة أشهر ليظهر إن كانت بها جنين من الزوج المطلقة منه، وأيضاً محاولة للعودة للحياة الأسرية من أجل الطفل ولم شمل الأسرة.

فنجد أن الفكر الإسلامي أكد على وجود عدة بعد الطلاق لمدة ثلاثة أشهر قمرية يتم مرور الدورة الشهرية على المطلقة ثلاثاً لإمكانية العودة مرة أخرى بعد تفكير هادئ، والأهم لإظهار وجود جنين إن كان يوجد والتأكد من والده بعدم دخول آخر عليها في هذه العدة لحفظ الأنساب وطبعاً مع وجود الوسائل العلمية الحديثة ك. الدي أن أي لا تكون الفائدة فقط لحفظ النسب أو معرفة من الأب ولكن لمحاولة لم شمل الأسرة مرة أخرى بوجود وقت للهدوء النسبي بين الطرفين والتفكير في الرجوع للحياة الأسرية خصوصاً بعد وجود جنين للمحافظة عليه في أسرته.

- وقال الله تعالى: -

(فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)

وهذا لكي يكون الطلاق بين الزوجين بإعلام الزوجة به ولا يحدث أن يكون الطلاق لفظي فقط وغيابي أو عند رد الزوجة لعصمة الزوج، وحتى لا يحدث تلاعب بهذا كما يحدث ببعض الدول ويقوم الزوج بإعلام أحد من أهله دون إعلام الزوجة بالرد أو الطلاق. فلا تضيع حقوق الزوجة بالتلاعب اللفظي والغيابي بالطلاق.

فيجب أن يتم الطلاق عند شيخ أو لدى قاضي شرعي بمحكمة العدل حتى يكون معلن للزوجة وليس بوجود شاهدين أياً ما يكونون دون علم الزوجة بالطلاق أو بالرد عن الطلاق.

وهذا أيضاً لكي يكون الطلاق الذي تلفظ به الزوج مؤكد منه لا يكون عند عصبية أو أي حالة ضغط. فلا يكون تلفظه بكلمة الطلاق إلا عن قناعة وهدوء ويقين منه أمام قاضي شرعي أو شيخ.

-حقوق المطلقة: -

وإن تم الطلاق أكد منهج الفكر الإسلامي على إعطائهن حقوقهن دون تقصير حتى إذا لم يدخل عليها الزوج.

-فقال الله تعالى: -

(إِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)

أي تأخذ نصف المهر إن لم يدخل عليها الزوج وحدث الطلاق أو أن تعفو هي عن حقها.

-وقال الله تعالى: -

(وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً)

للحفاظ على حقوقهن كاملة قبل الزواج وبعد الطلاق بعدم التعدي على مهورهن وصداقهن، بل هي ملك لهن.

-قال الله تعالى: -

(وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)

للتأكيد على حق مال المتعة للمطلقة حتى تستطيع عيش حياة كريمة دون الاحتياج لأحد وللحفاظ على المعروف والعلاقات الإنسانية بعد الطلاق.

-وقال الله تعالى: -

(أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ۚ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۖ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ ۖ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ (6) لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7))

(وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ۚ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)

وهذا حتى تحصل المطلقة على كامل حقوقها حتى بعد الطلاق سواء لديها أولاد أو لا وهذا بإعطاء المرأة بيتاً تسكن به كحال بيت الزوجية السابق للطلاق أو مبلغ مالي يكفي لاستئجار سكن مماثل وإن كانت حاملاً فلابد من الإنفاق عليها جيداً حتى تضع مولودها ثم تنال بعد ذلك حقها الشرعي العادي بعد الحمل والإرضاع ويكون هذا بقدر استطاعة الزوج على الإنفاق عليها بمبلغ يكفي ويسد احتياجات طعامها وملبسها وكل هذا يحدده القضاة وتحديد مال المتعة وغيره من حقوق المرأة.

وهذا هو المقصد من قول الله تعالى: -

(وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ)

بالتعامل بالحسنى والإنسانية والأخلاق الحميدة بين الناس والحفاظ على حقوق المرأة حتى بعد الانفصال للحفاظ على العلاقات والمودة والمحبة ونفسية الأطفال إن كانوا موجودين.

-الخلع: -

-قال الله تعالى: -

(...وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ...)

حدث أن جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة.

فهو حق للمرأة ويكون في حالة إنها لم تشترط أن تطلق نفسها وتطلب الطلاق من الزوج والقاضي، فيوجد الخلع ويكون للزوجة الحق في طلبه إن أثبتت للقاضي الذي يملك حق تطليقها بأسباب مقنعة على إنها يستحيل لها العيش مع الزوج بسبب الأضرار التي تقع عليها كالأذى الجسدي أو النفسي أو عدم الإنفاق أو الكره للزوج أو الخيانة أو غيرها من أسباب تمنع استكمال الحياة وتستحق فصل الأسرة.

ولكن يكون بالتنازل عن حقوقها من مهر وصداق ونفقة ورد أي هدية من الزوج مقابل حصولها على الطلاق بالخلع فتفتدي نفسها بهذا التنازل عدا الحضانة ونفقة الأطفال فهذا حقهم ويجب الحفاظ على حقوق الأطفال ونفقتهم من أجل الحفاظ على نفسيتهم وعدم تدمير الجو الأسري حتى بعد الانفصال بالعدل بينهم والحفاظ على التواصل لمصلحة تربيتهم السوية.

-الحضانة: -

حدث أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن زوجي يريد أن يذهب بأبني وقد سقاني من بئر أبي عنية، وقد نفعني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت. فأخذ بيد أمه، فانطلقت به.

وحدث أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني، وأراد أن ينتزعه مني فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتِ أحق به ما لم تنكحي.

فالحضانة هي كفالة وولاية الأطفال وتعطى على شروط الحرية والعقل والأخلاق الحميدة وعدم الفسوق وعدم الزواج للمطلقة، وتكون الأولوية للأم ثم أمها ثم للأب ثم أم الأب وليس لغيره حتى لا يفقد الطفل والديه بالانتقال لغيرهم. وهذا لأن الأطفال لا يستطيع الاهتمام بهم أحد مثل الأم والأب كما حدث بموقف النبي بتخييره الطفل بين الأم والأب، ويكون بحضانتها حتى سن السبع سنوات بالنسبة للذكر وللأنثى عند سن 9 أو 12 ثم يخير بين الأبوين طالما لم تتزوج الأم.

ويجب أن تكون الحضانة والتربية بتواجد الطرفين في حياة الطفل للحفاظ على نفسيته وكأن الوضع عادي، فتكون الحضانة مشتركة بتواجده مع الطرف الآخر وقت كافي يتم الاتفاق عليه بين الطرفين كيومين أو أكثر بالأسبوع في حالة التواجد بمدينة واحدة. أما في حالة السفر فيجب على الطرف الآخر توفير الوقت الكافي ليقضيه مع الطفل، ولا يمنع طرف الآخر من رؤية الطفل لتحقيق العدل في العلاقة والرحم والإنصاف وعدم قطع صلة الرحم.

وتكون التربية والمصروفات بالمشاركة على حسب دخل الطرفين كالوضع العادي بتواجد الأب والأم سوياً، حتى يشعر الطفل بالحياة السليمة ولا يؤذى نفسياً بسبب صراع الأهل أو غياب أحد الأطراف، وليشعر أن الأبوين يعملون لصالحه، ولا يكون الأب بالنسبة للابن مجرد بنك فقط بل يأخذ منه السيطرة ويأخذ من الأم العاطفة.

كتاب فلسفة الفكر الإسلامي 91 (حقوق المرأة 3 الزواج)



-الزواج: -

-قال الله تعالى: -

(وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ).

(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ).

(وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا).

(وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32))

(حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ) 

-قال النبي صلى الله عليه وسلم: -

(لا تنكح الأيم حتى تستأمر والبكر حتى تستأذن فقالت عائشة يا رسول الله البكر تستحي قال رضاها صمتها).

وموقف آخر لخنساء بنت خدام الأنصارية أن والدها زوجها وهي كارهة فذهبت للنبي فرد نكاحها.

وأتت للنبي بكر تشكو له نفس المشكلة فخيرها بين القبول أو الرفض.

وأتته فتاة تقول له أن أباها زوجها لابن أخيه ليرفع خسيسته (دينه) فرد النبي الأمر لها في القبول أو الرفض للزواج فقالت قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس للآباء من هذا الأمر شيء.

ونجد موقف لأم كلثوم بنت أبو بكر عندما طلبها عمر بن الخطاب وكان وقتها أميراً للمؤمنين فرفضته بقولها أنه: (رجل غيور وخشن العيش ومشغول بالناس وأنها تريد من يصب عليها الحنان والحب).

فرفضت ولم يجبرها أحد وطلبت من يعطيها الحب دون حياء منها لأن هذا حقها في اختيار كيفية حياتها مع من يتزوجها ويشاركها الحياة.

فجعل المنهج الإسلامي لها الحق باختيار شريك حياتها وحق القبول أو الرفض وأعطى لها الحق في آلية الزواج فجعل الزواج بعقد لتحفظ للمرأة حقوقها من مهر ومؤخر ونفقة وأن تكون موافقتها شرط على إتمام الزواج لأن هذا حقها في اختيار شريك حياتها دون إجبار من أحد والموافقة على الزواج الثاني للزوج وخلافه.

بل وإن من الممكن للمرأة أن تطلب الزواج من أحدهم أو يحاول أبوها تزويجها للأفضل. فنجد أن عمر بن الخطاب بحث عن زوج لابنته وطلب لها أبو بكر وغيره فتزوجها الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام.

فهذا حق لها في البحث عمن يناسبها كما ترى لاستكمال الحياة معه ومشاركته إياها، فهي أدرى شخص بمن يكون الأفضل لها ويساعدها وهي تساعده في الحياة وتستطيع أن تربي معه الأبناء كيفما يكملوا بعضهم البعض في الصفات والأفكار والحياة العامة.

فللمرأة الحق الكامل في اختيار حياتها وشريكها دون ضغط من أحد فلا يكون زواجها قائماً دون موافقتها.

-       وقول الله تعالى: -

(حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ) 

أنه إذا بلغوا النكاح أي السن الذي يمكن أن تنكح فيه المرأة، وهذا ليس بالحيض فقط وإنما بالبلوغ العقلي الذي يجعل منها قادرة أن تتحمل مسؤولية التربية والحياة مع الزوج. فتستطيع الاختيار والتزاوج ممن تريد.

-المهور والصداق: -

-قال الله تعالى: -

(وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا)

والنحلة هي عطية أو هدية الزوج لزوجته قاصداً بذكرها المهر وإتيانه لها فهو كهدية خالصة للمرأة تعطى لها، ولا يحق لأحد ردها وعدم المساس بها إلا برضا الزوجة وهذا حفاظاً على أموالها الخاصة بها وحقوقها دون تعدي أو نقصان لحقوقها.

-ودعوة الرسول إلى الناس في عدم المغالاة بالمهور بقوله: -

(خير الصداق أيسره).

(اتخذ لها ولو خاتماً من حديد).

وهذا ليس لإبخاس المهر وإنما لأهميته وضرورة وجود مهر على حسب قدرة الزوج، ولكن في نفس الوقت ليس باستعلاء واستغلاء كما يحدث في الدول الإسلامية من طلب أرقام خيالية في المهور والذهب ومكان الإقامة. بل يكون بالمشاركة المعقولة بين الزوجين على حسب قدراتهم وبمساعدة الأهل إن كان لهم القدرة. فإن كانت الاستطاعة بجلب الأكثر من هذا فكلاً على حسب قدرته أما المغالاة تؤدي إلى تأخر سن الزواج وارتفاع تكاليفه تمنعه أحياناً. فلم يكن سكن الرسول أو الصحابة والخلفاء الراشدين إلا على قدر حاجتهم وقدرتهم التي تجعل الحياة ممكنة.

ومن أجل التخفيف على كاهل الشباب بعدم المغالاة فوجدنا لها فائدة اجتماعية واقتصادية أيضاً.

-الفائدة الاجتماعية: -

ألا يتم التصعيب في أمور الزواج على الرجال خصوصاً في وقت الأزمات المادية والركود الاقتصادي والنتيجة هو حدوث حالات من العنوسة الكثيرة والتأخر في الزواج مع زيادة نسب التحرش والاغتصاب بسبب عدم القدرة المادية للشباب على الزواج.

-الفائدة الاقتصادية: -

وترجع إلى أن كل فرد يحاول الزواج فيجد المغالاة في المهور وطلبات الزواج فيضطر إلى العمل لدرجة الإرهاق الجسدي الذي يحق عليه إراحته، فيكل بعدها بفترة من التعب ويضطر كل فرد لرفع أجره وربحه في منتجاته وعمله ليسد تكاليف الزواج مما يؤدي إلى رفع الأسعار والتضخم وصعوبة الحياة على كل فرد، فيضطر كل فرد من المجتمع إلى رفع أجره وربحه هو الآخر فينتج هذا تضخماً في الاقتصاد وهذه أحد الأسباب التي تنتج التضخم مع الأسباب الاقتصادية الأخرى. فتدور الدائرة على المجتمع. فتقليل المهور يساعد على سرعة الزواج ومنها سهولة الحياة فلا يضطر كل فرد لرفع أجره لسد حاجته قبل الزواج وبعده.

ومن السنن أن يتم تسمية الصداق والمهر في العقود للحفاظ على حق الزوجة.

ونقطة أخرى في المهور وهي مشكلة التفرقة بين مهر العذراء وغير العذراء وهذا من التفرقة العنصرية فكلاهما لها حق مثل الأخرى فلا تقل إحداهما عن الأخرى بالاتفاق مع الأهل وليس بعدم دفع مهر لغير العذراء لأن في هذا إبخاس لحقها الأنثوي.

 -الزواج الثاني للزوج وتعدد الزوجات: -

أقر الفكر الإسلامي حق الزوج في التعدد والزواج بأربعة، ولكن أكد الفكر الإسلامي أيضاً على حق موافقة الزوجة شرط لزواج الرجل مرة ثانية وحقها في الطلاق إذا أخفي عليها الزوج زواجه مرة ثانية فهذا من أقوى حقوقها احتراماً لها ولإنسانيتها. ويمكن لها اشتراط هذا في عقد زواجها بضرورة إعلامها وموافقتها على الزواج الثاني. هذا غير أن تعدد الزوجات يكون بشروط العدل بينهم احتراماً لإنسانيتهم وحفاظاً على حقهم وهذا صعب جداً العدل بين اثنتان أو أكثر في كل شيء.

-فقال الله تعالى: -

(وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ)

وبالطبع وجود شروط وأسباب للزواج الثاني كعدم الإنجاب أو وجود مرض بالزوجة يمنعها من تأدية واجباتها الزوجية المختلفة، ويكون من الأفضل مراعاتها في هذه الأحوال وهذا توقيراً للمرأة وحفاظاً على حقوقها الأسرية وعدم ضياعها، فالهدف لم الشمل وبناء أسر ومجتمع متكامل فيه المحبة والتآلف بين الزواج والناس أجمعين بالمصاهرة.